الجمعة , أكتوبر 7 2022

قراءة لسانية في نص مدرسة الحياة للبردوني/ د. أنيسة محمد الهتار

قراءة لسانية في نص مدرسة الحياة للبردوني

د. أنيسة محمد الهتار

يعد شعر البردوني الشاعر الإنسان شعلة موقدة في التاريخ اليمني والعربي، سيظل ضوؤها متقدا بمرور الزمن، فالبردوني (رحمه الله) استطاع إنتاج عدد لا يستهان به من النصوص الشعرية، التي كان لها وقع مؤثر على كل من يتلقاها، ويبدو تأثيرها واضحا للعيان، فالتفاعل الذي يبديه المتلقي نحوها وتغنيه بهذه النصوص التي تلامس الواقع بسياقاته المختلفة، وتؤثر في وجدانه ومشاعره، لم يأت من فراغ، بل جاء من حنكة متمكنة وبراعة لغوية يتميز بهما الشاعر، وبما يستعمله من تراكيب مختلفة تحوي وسائل تحويلية() تصيب التراكيب الأصل عن قصد بما يتوافق مع سياق النص. وفي هذه القراءة اللسانية لنص (مدرسة الحياة) سأقف عند هذه الوسائل ومدى استعمال الشاعر لها وتوافقها مع السياق، وتأثيرها.

   يلاحَظ أن نص (مدرسة الحياة) يتكون من (18) بيتا، يحتوي كل بيت تراكيبا مختلفة، وهذه التراكيب قد تكون تراكيب اسمية أو فعلية، منها الخبري ومنها الإنشائي، وفيما يلي رصد لهذه التراكيب وتوضيح الجمل السطحية والعميقة، ووسائل التحويل التي استعان بها الشاعر لسبك جمل نصه وحبكها، والجدول التالي يوضح ذلك:

جدول وسائل التحويل في نص مدرسة الحياة

التركيب السطحي

نوعه

بنبته العميقىة

وسائل التحويل

ماذا يريد المرء

أسلوب إنشائي +جملة فعلية صغرى

أراد المرء

الزيادة (أداة الاستفهام +ياء الفعل المضارع)

ما يشفيه

أسلوب خبري + جملة فعلية صغرى

شفى شيء المرء

الإحلال (ما+ياء المضارعة+الهاء) + التخصيص

يحسو روا الدنيا

خبري + جملة فعلية صغرى

حسى فلان (ف+فا)

الزيادة (ياء المضارع) +الإحلال (ضميرغائب)إحالة قبلية تعود إلى فاعل مقدم+التخصيص (المفعول به)+الإضافة

ولا يرويه

أسلوب خبري

+ جملة فعلية

روى روا

التوضيح(العطف)+الزيادة (لا نافية+ياءالمضارعة) +إحلال وتخصيص(الهاء ضميرمتصل)إحالة قبلية تعود على مفعول متقدم

ويسير في نور الحياة

خبري + جملة فعلية بسيطة

سار المرء

التوضيح(عطف)+(ياءالمضارعة)+إحلال(ضمير غائب) إحالة قبلية تعود على فاعل مقدم + الإضافة (جارومجرور+مضاف ومضاف إليه)

وقلبه ينساب بين ضلالة والتيه

أسلوب خبري + جملة اسمية كبرى

انساب قلب المرء

التوضيح(عطف)+إحلال وإضافة(ضميرمتصل)إحالة قبلية تعود على المرء+التوسيع(تحويل من جملة صغرى إلى كبرى)+التخصيص(ظرف)+الإضافة+ التوضيح (عطف)

والمرء لا تشقيه إلا نفسه

أسلوب خبري+ جملة اسمية كبرى

شقت نفس المرء

التوضيح(عطف)+الزيادة (لا النافية+إلا استثناء)+ التوسيع (تحويل من جملة صغرى إلى كبرى)+الزيادة(تاء المضارع)+إحلال تخصيص(إحالة قبلية ضمير متصل يحيل على المرء) +تقديم وتأخير(تقديم المفعول على الفاعل (تشقي نفس المرء المرء)

حاشى()الحياة بأنها تشقيه

أسلوب خبري

(جملة اسمية كبرى)

شقت الحياة المرء

الزيادة (أداة استثناء+أن الناسخة) + الإضافة + الإحلال( ضمير متصل بان إحالة قبلية تحيل على الحياة + ضمير متصل بالفعل إحالة قبلية تحيل على المرء وتخصصه)

ما أجهل الإنسان

أسلوب خبري + جملة اسمية كبرى

جهل شيء الإنسان

الإحلال (ما + ضمير غائب إحالة قبلية تعود على ما) + التخصيص

يضني بعضه بعضا

أسلوب خبري+ جملة فعلية صغرى

ضنى الإنسان

الزيادة (ياء المضارع)+الإحلال + الإضافة(ضمير متصل يعود على الإنسان) + التخصيص

ويشكو كل ما

أسلوب خبري+ جملة فعلية صغرى

شكى الإنسان

الزيادة(ياءالمضارع) + التخصيص + الإحلال (إحالة قبلية تحيل الضمير الغائب على الإنسان) + الإضافة

يضنيه

أسلوب خبري + جملة صغرى

ضنى شيْ (الإنسان)

الزيادة(ياءالمضارع) + التخصيص + الإحلال (إحالة قبلية تحيل الضمير المتصل على الإنسان)

ويظن أن عدوه في غيره

أسلوب خبري + جملة فعلية كبرى

عدو الإنسان موجود(في غيره)

الزيادة(يظن + أن)+ الإحلال (ضمير غائب إحالة قبلية تحيل على الإنسان)+ حذف المسند+ الإضافة

وعدوه يضحى

أسلوب خبري + جملة اسمية كبرى

أضحى عدو الإنسان

الإضافة+ الإحلال(ضمير غائب إحالة قبلية تحيل على متقدم(عدو الإنسان)

ويمسي فيه

أسلوب خبري + جملة فعلية صغرى

أمسى عدو الإنسان (فيه)

الزيادة(ياء المضارع)+ الإحلال(ضميرغائب إحالة قبلية تحيل على متقدم (عدو الإنسان)+ الإضافة

نظرا لضيق الوقت اكتفيت برصد وسائل التحويل في الخمسة الأبيات الأولى من قصيدة (مدرسة الحياة)، و لا بد من الإشارة إلى أن التخصيص والتوضيح والإضافة التي عدها بعض الباحثين من قواعد انتاج اللغات()، اعتبرتها هنا من وسائل التحويل باعتبارها توسعا في الجملة الأساسية المكونة من (المسند إليه + المسند) .

– الملاحظ أن القضية الأساسية لهذا النص هي إبراز الصراع النفسي الذي يمر به الإنسان في هذه الحياة وسوء تعامله مع ما يكابده فيها، وقد جاءت أغلب الجمل خبرية، ولا تكاد تخلو جملة خبرية واحدة من التحويلات كما رأينا في الجدول، فالتحويلات المختلفة بالإحلال أو الزيادة أو الحذف أو التوسيع، كان لها دور كبير، في إجلاء قضية النص، وعكس خبرة الشاعر في هذه الحياة وتجربته العميقة ورؤيته الحكيمة للأمور، فالإحلال المتكرر بالضمير إلى المرء أو الإنسان ساعد المتلقي على معرفة المحور الرئيسي في سبب هذه المكابدة وهو الإنسان صاحب النظرة السوداوية للأمور التي تواجهه، و ما الزيادة في الجمل من نفي وتوكيد و نواسخ، إلا تحويلات ضرورية، كان لا بد منها لإظهار المقصود، وإبراز الدلالة، وهكذا في بقية التحويلات المختلفة.

استخدم الشاعر إلى جانب الجمل الخبرية في هذا النص، جملا إنشائية طلبية وغير طلبية، ورغم قلتها كان لها أثر كبير في النص، ووقع مؤثر على المتلقي، فالشاعر يستفتح نصه بجملة إنشائية طلبية بأسلوب الاستفهام (ماذا يريد المرء ما يشفيه / يحسو روا الدنيا ولا يرويه) فهو يستنكر تصرف الإنسان غير الإيجابي وقلة قناعته بما لديه، وتخبطه العشوائي.

كما استفتح الشاعر نصه باستفهام طلبي، نجده يختم نصه بأربع أبيات، ازدحمت بالأساليب الإنشائية الطلبية، وجميعها تعد تحويلات قصدية للجمل السطحية، أفادت المعنى، ودعمت فكرة الشاعر الرئيسة، (قم يا صريع الوهم واسأل / ما قيمة الإنسان ما يعليه/ واسمع تحدثك الحياة فإنها/ أستاذة التأديب والتفقيه/ وانصب فمدرسة الحياة بليغة / تملي الدروس وجل ما تمليه/ سلها وإن صمتت فصمت جلالها/ أجلى من التصريح والتنويه).

يلاحظ أن فعل الأمر الطلبي الإنشائي المتحول من جمل فعلية خبرية ورد (خمس مرات) متتالية، والشاعر بهذا التكرار المكثف للأمر إضافة إلى أسلوب النداء (يا صريع الوهم) وأسلوب الاستفهام (ما قيمة الإنسان ما يعليه) أحدث تأثيرا على المتلقي كان له صدى وتفاعل.

لم يخلُ النص من الأساليب الإنشائية غير الطلبية المتحولة من جمل خبرية، فقد وردت سبع مرات (ما أجهل الإنسان/ وكم يسعى ليروي قلبه/ ولكم يسئ المرء ما قد سره /ما أبلغ الدنيا وأبلغ درسها / وأجلها وأجل ما تلقيه / كم أدمي لا يعد من الورى). وجميع هذه التراكيب السطحية محولة عن تراكيب عميقة، وقد تمت هذه التحويلات من قبل الشاعر بقصد ووعي منه، بما يتوافق مع سياق النص ويخدم المعنى.

وفي الأخير ما هذه القراءة اللسانية السريعة على نص من نصوص البردوني إلا محاولة لفهم شعر البردوني وتأويل لغته وتقريب دلالته عن طريق رصد أنماط التحويل في الجمل السطحية ودلالات هذا التحويل، وأدعو الباحثين في مناهج اللسانيات الحديثة إلى الوقوف على نصوص البردوني وتسليط الضوء عليها، لما تمثله من خصوصية متفردة قلّ ما نجدها عند الشعراء المحدثين.

المراجع:

1-ديوان من أرض بلقيس، عبدالله البردوني

2-جوانب من نظرية النحو، نعوم تشومسكي، تر: مرتضى جواد باقر، وزارة التعليم العالي، جامعة البصرة.

3- في نحو اللغة وتراكيبها، منهج وتطبيق، خليل عمايرة، عالم المعرفة، جدة، 1983م .

4-النحو العربي والدرس الحديث، بحث في المنهج، عبده الراجحي، دار النهضة العربية، بيروت،1979م.

5-نظرية الصفر للنحو الكلي وتطبيقاتها، سناء حميد البياتي، العراق. موقع نيل وفرات للنشر الإلكتروني.

تشر في مجلة نقش الثقافية العدد 7

عن admin 1

شاهد أيضاً

الشاعرة ريما البرغوثي

الضاد هويتي / ريما البرغوثي

صدر في العدد الثالث من مجلة نقش الثقافية الضاد هويتي ريما البرغوثي   مجموعة من …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: