الثلاثاء , مايو 24 2022
أسيد الحوتري
أسيد الحوتري

إضاءة على النقد ما بعد كولونيالي / أسيد الحوتري

أسيد الحوتري

    أسيد الحوتري

إضاءة على: النظرية النقدية الما بعد كولونيالية

أسيد الحوتري

 

النقد لغةً هو تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها، أما اصطلاحا فهو تمحيص العمل الأدبي بشكل متكامل حال الانتهاء من كتابته، ويقوم هذا التمحيص بكشف: 

أولا: المعاني التي يحملها النص، وثانيا: مواطن القوّة في النص، وثالثا: مواطن الضعف فيه، ورابعا: تصنيف النص مع ما يشابهه من نصوص أخرى، وأخيرا: إصدار حكم على النص.

هذا وتقسم مناهج النقد الأدبي عموما إلى أربعة مناهج:

أولا: النقد النسقي: وهو الذي يعمل على دراسة النص ولا شيء آخر غير النص، وأهم المناهج التي تمثل النقد النسقي هو منهاج (النقد الحديث) New Criticism.  

ثانيا: النقد السياقي أو النقد الثقافي: وهو منهج نقدي يعتبر أن معنى النص مرتبط ومتأثر بما هو خارج النص كحالة الكاتب النفسية، أو الظروف الاجتماعية، أو الأحداث التاريخية، وخير مثال على النقد السياقي هو النقد الما بعد كولونيالي/استعماري Postcolonial Criticism. 

ثالثا: النقد المشترك: وهو منهج يركِّز على النّسق والسّياق معا وفي نفس الوقت، والمنهج النقدي البنيوي التكويني أو التوليدي Genetic Structuralism خير مثال على ذلك. 

وهكذا فنظرية النقد الما بعد كولونيالي هي نظرية تركِّز على السياق الاستعماري لدراسة وتحليل النصوص، وهي ببساطة نظرية سياسية تؤمن بـ(نظرية المؤامرة) في السرد وضرورة التصدي لها. تَعتبر النظرية النقدية الما بعد كولونيالية الكتاب الأوروبيين متواطئين في كتاباتهم مع دولهم وإمبراطورياتهم، لأنهم يقدمون بلدانهم على أساس أنها متفوِّقة ومتقدِّمة ومتحضِّرة، فيحين يتمّ تقديم باقي المجتمعات والشعوب الأخرى على أنّها متخلِّفة، ورجعية، وجاهلة، وشهوانية، ذات بشرة سوداء، شعوب عارية أو شبه عارية، مجتمعات ضالة حُرمت من نور المعرفة الربّانية، شعوب تعبد الأوثان والأصنام، وتأكل لحوم البشر. على كل حال، قد يكون تواطؤ الكتاب الغربيين مع دُولهم عن قصد أو عن غير قصد، فالكاتب في النهاية هو ابن مجتمعه ويحمل أفكاره بطريقة أو بأخرى سواءً أدرك ذلك أو لم يدركه.

النظرية النقدية الما بعد كولونيالية هي نظرية أدبية نقدية ذات طابع ثقافي وسياسي رافقت مرحلة ما بعد الحداثة، ما بعد الحرب العالمية الثانية، وظهرت هذه النظرية بعد النظرية البنيوية التي ركّزت على شكل النص ومضمونه: ماذا كُتب وكيف كُتب فقط، ولا تنظر إلى السِّياقات خارج النّص والتي هي مرتبطة بالضرورة به. كما وظهرت النظرية النقدية الما بعد كولونيالية في وقت سيطرت فيه الميثولوجيا البيضاء، أسطورة تفوُّق الرجل الأبيض، على الفكر العالمي حيث أصبح الغرب هو منبع العلم والمعرفة والإبداع والاختراعات والنظريات، وأصبح الغرب هو المركز والشرق هو الهامش.

تعمل النظرية النقدية الما بعد كولونيالية على تحليل كل النتاجات الثقافية الغربية على تنوُّعها من نصوص، ولوحات، موسيقى، وتماثيل، وأفلام، ومسلسلات، ومسرحيات…الخ باعتبارها خطابا مقصديا، يحمل في طيّاته توجهات استعمارية تجاه الشعوب التي تقع خارج المنظومة الغربية. قد يقول قائل إنَّ الاستعمار قد انتهى ولذلك فإنّ هذه النظرية قد فقدت بريقها، إلا أنّ المثقف الما بعد كولونيالي يعي تماما أنّ الاستعمار لم ينتهِ بعد، ولكنه ارتدى قناعا جديدا وتسلّح بأساليب حديثة، أما أهداف المستعمر فهي هي لم ولن تتغيّر أبدا: الموارد الطبيعية، الأيدي العاملة الرخيصة، والأسواق، والتبشير بما يحمله من فكر ومعتقد. ولأنّ الشيء بالشيء يذكر، أودّ هنا أن أوضح بأنّ الأدب الما بعد كولونيالي يختلف عن النقد الما بعد كولونيالي، فالأدب الما بعد كولونيالي ظهر بعد التجربة الاستعمارية في الدّوَل التي خضعت للاستعمار في آسيا وأفريقيا وأستراليا وكندا والكاريبي، ولقد سلط هذا الأدب الضوء على التوتّر والخلاف مع القوّة الإمبريالية وفرضياتها. وقد تكون رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للكاتب السوداني الطيِّب صالح أقرب الأمثلة للقارئ العربي على الأدب الما بعد كولونيالي.

ولقد قامت النظرية النقدية الما بعد كولونيالية على مرتكزات عديدة أبرزها: 

أولا: فهم ثنائية الشرق والغرب والتي تفترض بأنّ العالم مقسوم إلى قسمين، قسم يحتوي على كل ما هو إيجابي وهو الغرب، وقسم آخر سلبي بكلّ ما فيه وهو الشرق. يركز الناقد الما بعد كولونيالي في النص الأدبي على الطريقة التي صوّر وقدّم فيها الكاتب الغربي الشرق. وفي الغالب يقدم الكاتب الغربي الشرق على أساس أنّه مكان جاذب فيه من خيرات الكثير ومع ذلك يتمّ تقديم الشرقيين على أنّهم متخلفون، رجعيون لا يحسنون التعامل مع أنفسهم ولا مع أرضهم وخيراتهم. 

ثانيا: فهم العلاقة بين الشرق والغرب، وعلاقة الأنا بالآخر، والأساس الذي قامت عليه هذه العلاقة، فهل قامت على التسامح والتفاهم والتعايش، أم على الاحتلال والعدوان، وعلى والصدام الحضاري والجدلي؟ وهذا ما يبحث عنه الناقد الما بعد كولونيالي في النص ليبرزه ويحلله.

ثالثا: الوعي بسياسية التغريب والتي يعمل فيها المستعمر الغربي على إقناع الشعوب الأخرى بالتّخلي عن موروثهم الثقافي واتباع الثقافة الغربية. لقد أكد الخطاب الاستعماري على تفوق الغرب، وتمدنه، وتحضره ووصف الشرق بالدونية، والبدائية، والشعوذة، والشهوانية، والسحر الطقوسي، والخرافي. لذلك اتّبع الغرب سياسة تغريب الشرق وتدجينه ليكون تابعا له. تصدى المثقفون الما بعد كولونياليون لسياسة التغريب هذه وهاجموا مرتكزاتها السياسية والأيدولوجية، وبينوا طمع المستعمر في ثروات الشرق وقواه العاملة وأسواقه. وهذا ما يقوم به الناقد الما بعد كولونيالي، فهو يحلِّل النص الأدبي فإن وجد به دعوى الاستغراب سلّط الضوء عليها ليعريها ويفكِّكها ويقوِّضها.

رابعا: تفكيك الخطاب الاستعماري وإظهار بطلان كلّ الادّعاءات الاستعمارية القائمة على أنّ الرّب قد اصطفى الرجل الغربي باللون، والعرق، والطبقة، والدين؛ واعتمد المثقف والناقد الما بعد كولونيالي في سبيل تفكيك الخطاب الاستعماري على التاريخانية الجديدة التي تدعو إلى عدم الاكتفاء بالتاريخ السياسي الرسمي الذي تقدمه الدولة وتدرّسه في هيئاتها التعليمية، بل ضرورة اعتماد تواريخ متعدِّدة مثل التاريخ الذي تكتبه أحزاب المعارضة، وتاريخ الطبقات الاجتماعية المسحوقة، وتاريخ الأقليات. كما استعان الناقد الما بعد كولونيالي بالنظرية التفكيكية لـ(جاك ديريدا) والتي تعمل على استخراج معاني لا متناهية من أي نص أو ادّعاء حتّى يفرغ هذا النص أو الادّعاء من أي معنى. كما واستفاد النقد الكولونيالي أيضا من مقولات (ميشيل فوكو) عن الخطاب وارتباطه بالمنظومة الثقافية، ومن شيوعية (كارل ماركس) وأفكاره عن الصراع الطبقي بين الطبقة العاملة وطبقة أصحاب رؤوس الأموال، وأفكار (غرامشي) التي تفرّق بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وأفكاره القائلة بإحراج اليقينيات وفضح الشعارات الزائفة داخل المجتمع وتحديثها، وأفكاره عن “المثقف العضوي” الذي هو مستقل عن السلطة، وغير تابع للطائفة والأيدلوجية بأي حال من الأحوال. ولأنّ الطبقة البرجوازية الرأسمالية هي التي قادت الحملة الاستعمارية العالمية، فقد نهل المثقّف الما بعد كولونيالي من كلّ الأفكار والنظريات والفلسفات والمبادئ التي عارضت الطبقة البرجوازية الرأسمالية وعرّت أفكارها وممارساتها على أرض الواقع.

خامسا: الدفاع عن الهوية الوطنية والقومية، فلقد رفض المثقف الما بعد كولونيالي الاندماج مع المستعمر المحتلّ، ورفض التدجين واستبدال الهوية الوطنية والقومية بهوية المحتل. وتعدّ حركة (Négritude) الزنجية الكاريبية مثالا جيدا على رفض الهوية الغربية، وخصوصا وأنّهم روجوا للثقافة الأفريقية، ولفكرة أنّ السّواد هو الجمال وليس البياض والذي هو لون بشرة المستعمر المحتلّ. وكذلك يعتبر (المهاتما غاندي) مثالا آخر للتمسك بالهوية الوطنية، فلقد انتصر للهوية الوطنية الهندية عندما تمسّك بالزي الهندي (Khadi) وانتصر للغات الهندية وتجنّب لغة المحتلّ، واعتمد المقاومة السلمية والتي هي جزء من الهوية الهندية لأنّ اللاعنف (Ahimsa) عقيدة من عقائد الجينية، والهندوسية، والبوذية. أمّا الناقد الما بعد كولونيالي فيدرس النّص ليكشف عن محاولات التدجين والتحريض على استبدال الهوية الوطنية بالهوية الغربية، أو ليظهر للعيان محاولات التقليل من شأن الهوية الوطنية، في حين يتمّ الاحتفاء بهوية المحتلّ الغربي.

سادسا: وكانت الدّعوة إلى تبني (الاستغراب) والذي هو نظير الاستشراق إحدى الركائز التي استند عليها عمل المثقّف الما بعد كولونيالي. أما الاستشراق فقد قام به الغربيون حيث تمّ تسليط الضوء على سلبيات المجتمعات الشرقية مع صرف النظر عن إيجابياتها. ولقد فصّل إدوارد سعيد ما قام به الغرب بشكل واضح وجليّ في هذا المجال في كتابه (الاستشراق). وكلن الاستغراب ردّة فعل على الاستشراق الذي قام به الغرب، فتنادى مجموعة من المثقّفين الما بعد كولونياليين إلى المعاملة بالمثل وتسليط الضوء على سلبيات المجتمع الغربي التي تمّ التستر عليها. وهكذا يكون الاستغراب وجها لوجه مع الاستشراق. مع هذا فلم يكن الاستغراب خيارا غير قابل للجدال، فهو كالاستشراق، قائم على المبالغة، وعلى عدم الموضوعية، وعلى الدس والتدليس في كثير من الأحيان. وهنا يمكن للناقد الما بعد كولونيالي أن يتصدّى للاتهامات السلبية الموجهة إلى الشرق بذكر مثيلاتها في المجتمعات الغربية، والتأكيد على أنّ هذه السلبيات هي أمر عالمي يتشارك به الجميع، وليس مقصورا على مجتمعات دون الأخرى.

سابعا: المقاومة الثقافية بالقلم وبالسلاح: قام مثقفو الما بعد كولونيالية بأبحاث ودراسات فكرية، وبنشر أعمال أدبية تقاوم المحتلّ وتدعو إلى مواجهته. وكانت المقاومة أحيانا بطرق سلمية، مثل المقاومة التي تزعمها (المهاتما غاندي) ضدّ المستعمر والمحتلّ البريطاني. كما واتخذت المقاومة شكلا مسلحا تبناه الكثيرون ومنهم (شاندرا بوس) في الهند، ثورة (1936) في فلسطين، وثورة المهدي بالسودان، والثورة الجزائرية.

ثامنا: النقد الذاتي: فقد انتقد المثقف الما بعد كولونيالي مجتمعه ليتسنّى لهذا المجتمع التعرف على نقاط الضّعف فيه ليقوم بإصلاحها. وهذا ما قامت به (جياتري سبيفاك)، أمريكية من أصول بنغالية، فلقد سلطت الضوء على الظلم التي تتعرّض له المرأة في شبه القارة الهندية عموما، وطالبت برفع الظلم عنها. كما وحارب غاندي النّظام الطبقي الهندي ودعا إلى إعادة الاعتبار إلى الطبقة المنبوذة وأطلق عليها اسم (أبناء الرّب). وهنا يمكن للناقد الما بعد كولونيالي أن يشير إلى سلبيات المجتمع الشرقي التي أظهرها الكاتب الغربي في نصِّه، وأن يعالج الناقد هذه السلبيات بكلّ موضوعية فيبيِّن أنّها استثناء وليست القاعدة، أو أنّها ليست من ثقافة المجتمع، ولكنّها ممارسة تقوم بها أقلية، ولكن يتمّ تسليط الضوء عليها عمدا للتقليل من شأن المجتمع الشرقي وتبرير تعرّضه للاحتلال والاستعمار.

تاسعا: التعدّدية الثقافية: روّج المثقف الما بعد كولونيالي للتعددية الثقافية، ورفض الهيمنة الثقافية الغربية رفضا قاطعا، وأكّد على تعدّد الثقافات وتداخلها، وضرورة الانفتاح على الثقافات الأخرى بكل الوسائل المتاحة، كالترجمة والنقد والتفاعل الثقافي. وتحت هذا العنوان يمكن أن يقوم الناقد الما بعد كولونيالي بإظهار رفض الكاتب الغربي للتعددية الثقافية، وإظهاره لتفوق الثقافة الغربية على غيرها من الثقافات.

رواد نظرية النقد الما بعد كولونيالي 

أمّا رواد نظرية النقد الما بعد كولونيالي فهم من أصول وخلفيات متنوِّعة. ويعتبر (فرانس فانون) هو من وضع حجر الأساس للنظرية الما بعد كولونيالية، وهو فيلسوف وطبيب ونفساني من جزر المارتينيك الكاريبية التابعة لفرنسا. انضمّ لجبهة التحرير الوطني الجزائرية كطبيب، وكان محرِّرا في (صحيفة المجاهد) الناطقة باسم الجبهة. كما عمل سفيرا للحكومة الجزائرية المؤقتة في (غانا). ومن أعماله (المعذبون في الأرض) و(بشرة سوداء أقنعة بيضاء). ولقد نادى (فانون) عبر مؤلفاته إلى المقاومة المسلحة، لأنّه آمن بأنّ ما أُخِذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.

أما إدوار سعيد فيُعتبر والد النظرية النقدية الما بعد كولونيالية. وهو أمريكي من أصل فلسطيني، وأستاذ في جامعة كولومبيا. من مؤلفاته (الاستشراق) الكتاب الذي أحدث زلزالا في عالم الفكر. لقد وضّح سعيد في هذا الكتاب كيف قام الغرب برسم خطٍّ وهمي قسم العالم إلى قسمين، وآتى كّل قسم صفات وهمية. كما وضح سعيد كيف مهدّت أعمال المستشرقين الطريق لاحتلال الشرق واستعماره. أما في كتابه (الثقافة والإمبريالية) فلقد بيّن سعيد كيف استفاد المستعمر الغربي من الثقافة وسخرها في خدمة مشروعه في احتلال الشرق والسيطرة عليه. استعان سعيد في سبيل تعرية الخطاب الاستعماري: خطاب الاستشراق، استعان بالتاريخانية الجديدة، وبالنظرية التفكيكية وبمقولات (ميشيل فوكو) عن الخطاب، وبشيوعية (كارل ماركس)، وأفكار (غرامشي) عن السياسيين والمجتمع والمثقف.

وكان (هومي بابا) من روّاد النظرية النقدية الما بعد استعمارية، وهو باحث هندي، تأثّر بسعيد و(فوكو) و(جاك دريدا). رصد (هومي بابا) العلاقات الخفية بين ثقافة المحتلّ والشعوب التي وقع عليها الاحتلال. واستخدم مقولات التحليل النفسي للفرنسي (جاك لاكان): الذات والآخر، التنكر والتمويه، الصورة والمراحل المرآوية…الخ. قام (هومي بابا) بتطبيق مقولات التحليل النفسي على المستعمر الغربي فأظهر مشاكل المستعمر النفسية والسلوكية وبطلان دعواه بالتفوق على الشعوب الأخرى.

وتعتبر (جاياتري سبيفاك)، أمريكية من أصول بنغالية، وأستاذة في جامعة كولومبيا الأمريكية، رائدة من رواد النظرية النقدية الما بعد كولونيالية. لقد هاجمت (سبيفاك) الخطاب النسوي الغربي الذي ركز على البيض من الطبقة المتوسطة وحسب، وطالبت بحقوق المرأة الشرقية المهضومة من قبل المحتل ومن قبل مجتمعها على حدّ سواء. وكتبت (سبيفاك) مقالا بعنوان: (هل يستطيع التابع أن يتكلم؟) (Can The Subaltern Speak?) ، عالج هذا المقال وضع التابعين والمستضعفين الذين يحاولون إسماع أصواتهم بهدف تغيير ما لحق بهم من ظلم في ظل الهيمنة الاستعمارية والذكورية والدينية. ضربت (سبيفاك) (الساتي): وهو طقس هندي تحرق فيه المرأة حية مع زوجها المتوفى، كمثال صارخ على ضعف صوت التابع.

كما يعد الكاتب الهندي سلمان رشدي من رواد نظرية ما بعد الاستعمار، إذ جمع ردود بعض المثقفين على الخطاب الاستعماري في مقال حمل اسم (الإمبراطورية ترد الكتابة بانتقام) (The Empire Writes back With Vengance) والمقصودبـ”رد الكتابة”: رد كُتّاب المستعمرات القديمة على الكتابات الاستعمارية. ومع الأسف فقد تنكر رشدي لدينه، وقام بمهاجمة الإسلام دين المحبة والأخلاق والتسامح عبر روايته (آيات شيطانية) والتي اعتبرها نقدا ذاتيا لمجتمعه، وتصدٍ للخرافات والأساطير، ولكنّه قدّم نصا يحاكي نصوص الكتابات الاستعمارية التي من المفروض أنّه عمل على تقويضها. هذا وقد كافأت بريطانيا العظمى، المستعمر القديم، سلمان رشدي على خدماته الجليلة في الأدب فقامت بمنحه لقب فارس (سير) عام (2007)، وهكذا تحوّل رشدي من رائد إلى فارس! من رائد من رواد النظرية النقدية الما بعد كولونيالية، إلى فارس بريطاني في خدمة التاج والملكة!

كثيرة هي الأسئلة التي يطرحها الناقد الما بعد كولونيالي عندما يقع بين يده نص كولونيالي، ولعلّ أهم هذه الأسئلة هي: كيف تمّ تقديم الشرق والغرب في الرواية؟ وعندما نتحدّث عن كيفية تقديم الشرق والغرب وتصويرهما سنستحضر بالضرورة السّمات الشخصية للشرقي والغربي، والثقافة، والحضارة، والجغرافيا، والعلاقة التي تربط بين الشرق والغرب في الرواية.

تطبيق على رواية الغريب 

وحتى تتّضح آلية عمل النقد الما بعد كولونيالي سيتمّ تطبيق هذا النقد على رواية (الغريب)، وهي رواية فلسفية للكاتب الفرنسي (ألبير كامو). حصلت هذه الرواية على جائزة نوبل، وكانت تعالج موضوع الفلسفة العبثية، إلا أنه يسهل جدا إخضاعها للنقد الما بعد كولونيالي لأنّها تدور على أرض الجزائر المحتلة من قبل الإمبراطورية الفرنسية الإمبريالية.

لقد أنكر (كامو) في روايته (الغريب) وجود الجزائر تماما، فلم يذكر اسم الجزائر أبدا مع أنّ كلّ أحداث الرواية تدور فوق الأراضي الجزائرية! وكان (كامو) يستعيض عن اسم الجزائر بكلمتي: هذه البلد (ce pays).، ذُكرت الجزائر مرّة واحدة فقط في الرواية وكانت ترجمة لمدينة الجزائر العاصمة (Alger) ، ولم تكن ترجمة لاسم دولة الجزائر (Algérie) أو الأراضي الجزائرية. 

كما قدّم (كامو) الجزائر كمكان محبوب ومرغوب به ((desirable، لقد احتفى (كامو) بالطبيعة الجزائرية أيّما احتفاء، تكاد لا تخلو صفحة من صفحات الرواية من ذكر البحر والساحل والشمس والجبال، حتى إنّ (كامو) قد قدّم شمس الجزائر بحلةّ مقدّسة فجعلها تلعب دور (سيزيف) إله الشمس والذي يرمز إلى سيطرة القدر على مصير الإنسان. فعندما سئل (مورسو) عن سبب قتله للعربي أجاب قائلا: “C’est le soleil”، “إنّها الشمس”، أي أنه القدر. فالجزائر مكان جميل ومحبوب، وهذه دعوة يوجهها (كامو) للفرنسيين أينما كانوا للقدوم للاستيطان في هذا البلد الجميل.

قدّم (كامو) أيضا الجزائر بصورة أرض خاضعة (subordinate) للحكم الفرنسي والمحكمة الفرنسية والقاضي الفرنسي…الخ. وصور الفرنسيين والأوروبيين وهم يسرحون ويمرحون في الجزائر، وهذا كله محاولة منه للتأكيد على أصالة المجتمع الفرنسي الأوروبي في الجزائر، أما العرب فتم تقديمهم كمخلوقات غير أصلانية، كائنات طارئة على المكان وحتّى على الزمان.

هذا من جانب ومن جانب آخر، فقد قدّم (كامو) العربي كإنسان مجرم وشهواني. كانت الشخصيات العربية غير القابعة خلف القضبان شخصيات معدودة على أصابع اليد الواحدة وهم: المومس العربية، صديقة (ريموند)، وشقيقها وأصدقاؤه، وزوار السجناء العرب؛ وكانوا مخلوقات بلا أسماء! أما باقي العرب فكانوا يقبعون في غيابة السجن. وفي هذا إشارة واضحة إلى الطبيعة العربية المجرمة!

نلاحظ أيضا بأنّ (كامو) أبرز التفوّق الغربي الفرنسي على الجزائر وذلك عندما عقد مقارنة بين باريس ومدينة الجزائر وأكد على تفوق باريس، لذلك من حق المتفوِّق أن يحكم من هو أقل منه شأنا.

ختاما:

وفي النهاية نخلص إلى أنّ النظرية النقدية الما بعد كولونيالية تعمل على تحليل وتعرية وتقويض كل النتاجات الثقافية الغربية باعتبارها خطابا مقصديا، يحمل في طياته توجهات استعمارية واستغلالية تجاه الشعوب التي تقع خارج المنظومة الغربية.

 

عن admin 1

شاهد أيضاً

سليم المسجد

التجنيس.. وفوبيا التجنيس/ سليم المسجد

  التجنيس.. وفوبيا التجنيس سليم المسجد   اعتدنا على أن القصيدة العمودية تكون في عمودين …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: