السبت , نوفمبر 27 2021

الشعر والواقع.. من يخذل الآخر؟ / د. فارس البيل

د. فارس البيل

كان الشّعر ديوان العرب، وما يزال وإن انزوى، لكنّه يظلّ سيِّد الفنون اللّغوية التي ابتكرها الإنسان العربي تحديدًا..

منذ أن صدح العربي بالشِّعر؛ فإنِّما كان يُجري في لغته نوعاً من المهارة التّعبيرية والكثافة، التي تجعل من الكلام السّائل حكمة أو موقفًا أو وصفًا ساحراً، والكلام الشّعري على هذا النّسق التّشكيلي للّغة كان الأنسب للحفظ والتّداول والتعبير الموجز، حملته اللّغة العربية بمخزونها الثّري، وطاقتها التّعبيرية الهائلة، التي تسعف كلّ ذي رغبة وقدرة في صوغ كلام هو ككلام النّاس، لكنّه مرصوص وموزون وفعّال، وبدلالات دائمة تصلح لكلّ المواقف والأزمنة وكذلك الأماكن.

ولك أن تتخيّل لو لم يُقل الِّشعر؟ ويصاغ على تلك الشُّكول، هل كان سيصلنا تاريخ العرب ووقائعهم وأخبارهم وقصصهم وشخوصهم؟ سيبدو الأمر أشبه بالمحال، فالتدوين النّثري لم يكن حاضراً، وحتى لو حضر، فلم يكن قادراً على النّقل الكامل، أضف أنّه سيخضع للتّبديل والتّشويه والابتكار والخلط، لكنّ الشّعر بقالبه المحفوظ الذي صنعه صاحبه، قد ألزم الآذان بحفظه ونقله كماهو، فالشّعر أقدر على حماية نفسه، لذلك نتداوله من آلاف السّنين، ربّما كما نطق به لسان قائله.. 

وهكذا خاض الشّعر في أغراض كثيرة، وإن كان في بدايته مأهولاً ببعض التّوجّهات، لكنّه انساب في الحياة كآلة إعلامية جبّارة، دوّنت ونقلت وعبّرت عن كلّ الدُّول والشّخوص والمراحل، فلو لم يكن الشّعر لما كانت الحضارات ماثلة أمامنا بتجلّياتها التي طالعناها. 

وظلّ الشّعر متوائمًا مع الواقع، يمخر عبابه، ويهيم في كلّ شئونه، يزدهر مع كلّ تداول واعتناء، ويخفت إن لم يجد عناية به وبأصحابه، لكنّ اللّغة العربية حين امتدّت بفعل التّوسع الحضاري، كان الشّعر سفيرها ومندوبها السّامي، طرّزته فنون اللّغة التي قُعّدت وأخذت تتفسّح في كلّ الزّوايا الكلامية والتّعبيرية، فكان لنضوج اللّغة واستعمالاتها قاعدة أثيرة للشّعر ليبقى سيّدَ الحديث بها، وربّما كان الشّعر أحد قواعدها، وعلى تشكلاته ولوازمه اعتمدت اللّغة في تكوّنها وهيئتها، وكما أنّ القرآن الكريم أثرى اللّغة وحفظها، وزاد من انتشارها وقدراتها؛ فإنّ الشّعر ظلّ حارسها الجميل، وصاحبها الأنيق الذي يستقي منها، وتزهر به. 

وعندما ولجت اللّغة في عصورنا التّالية والحاضرة، كانت قد تعرَّضت لكثير من التّرهّل والتّخلّي عن نواصيها، وبفعل كثير من الظروف الحضارية وتغيّرات الحياة، وطبائع البشر وتطوّر حيواتهم؛ التي انتجت لهجات أدنى من اللّغة الفصحى والفصيحة؛ راح الشّعر يقاوم أيضًا، ويحاول البقاء والتّعبير برغم اتّساع ساحة التعبير الكلامي المشتقّ من اللّغة الأساس، فبقي الشّعر الرّسمي على عهده باللّغة والامتياح من جذورها، لكنّه تعرّض للخذلان، فقد تغيّرت الحياة، واتّسع الكلام، حتّى وصلنا إلى عصرنا المتفجِّر بكلِّ التِّغيّرات الحياتيّة والدّول والصّناعات والآلة، فوجد الشّعر نفسه في مهمّة الدّفاع عن بقائه وصورته، حتّى صار فنّ النّخبة، وتعبير الموهوبين وسلواهم، وحديث التّرف الشّعوري، فقد زاحمته نواطق كثيرة، تغني عنه، ليس وحدها نواطق الإنسان المختلفة، لكن نواطق الآلة، وأصبح العالم مفتوحًا، تتداخل فيه اللّغات وتتلاطم كأنّها محيطات واسعة. 

ولأنّ الفصحى نُحّيَت من مكانها المستعمل المتداول، فقد أراد الشّعر أن يبقى، لكنّ الإنسان العصري بطبعه، صار له ألف شغل وشاغلة، وألف تعبير ودالّة، حتّى وصلنا إلى عصر الرّموز والصّورة ..

وكلّها فنون تعبيرية، لكنّ الشّعر رغم أنّ الواقع خذله، ليس لأنّه يتقصّد ذلك، لكن لأنّه تغيّر وانفجر وتشظّى، وبقي الشّعر يحاول، رغم أن اللّغة لم تعد بكامل استعمالها تتبختر في يومياتنا وتتباهى، لذلك تحوّل الشّعر من منصّة السّيادة، إلى زاوية السّلوى. 

على أنّ الشّعر خذله أبناؤه وعاشقوه في زمننا أكثر ممّا خذل نفسه، إنّ موارده الأساس غاضت، ورافعاته تناهت، فبقي أثراً خالداً لكنّه لم يعد في صدارة المتداول، إنّما انتقل إلى زوايا المتحف العقلي، يزوره الشّغوف والمهتم، ولا يحفل به العامّة، ربّما بسبب أنّ اللّغة لم تعد ساحة اللّسان العربي بجمالياتها، إنّما صارت وظيفة تعبير، تستلهم ما يجب لا ما يطرب. 

على أنّه بإمكان الشّعر ألاّ يُهزم، فسيظلّ أثراً خالداً، لكنّ السّلطة الثّقافية العربية بإمكانها أن تُبقي الشّعر قادحًا وبارعًا في ساحتها، لو اهتمّت به كمَعلم مهمّ من معالمها ووجودها الحضاري بين الأمم الكثيرة. 

والحقّ أنّنا لا نطلب مُعجزًا في أن يعود الشّعر لما كان عليه، متفرِّدًا في التّعبير، لكن يمكن الاعتناء به كمهارة حضارية في القول، قل أن يحمل معالمنا سواه. 

وعلى الشّعراء، أن يتمدّدوا أكثر وأن ينزاحوا بشكل كثيف للتّعبير عن كلِّ مشاهد الحياة الأثرى في هذه الحياة الصّاخبة، وذلك لا يتأتّى بالأماني، بل بوجود سلطات سياسية وثقافية ومجتمعية، تؤمن بقيمة الشّعر، وتؤمن بتأثيره ولا تجفل عنه. 

سيبقى الشّعر وإن زاحمته آلاف التّعابير، لكن مهمّته عسيرة، يقوم بها روّاده ومتلقّوه على السّواء، إذ لا نريده بالطّبع أن يُفسد على مناوئيه، لكن أن ينافس بآثار عظيمة، وبتطوّر ملائم.

ولقد وجدنا في عصرنا هذا المادِّي، من جعل من الكلمة الشّعرية أثراً خالدًا كما كان، فليس صحيحًا أنّ الشّعر مات بموت أولئك الأفذاذ من العصور السّالفة، بل وجدناه يتلألأ بفعل شعراء عرب كبار في زمننا، وإذن المسألة مهارة وتجديد وصدق فنّي، وقد يصنع شاعر بالغ البراعة مجدًا للشّعر في هذا الزّمن مثل ما صنعه المتنبّي وغيره، المهمّ أن يكون هناك اعتناء، ومصالحة مع الزّمن وتوظيف للّغة بما يُتداول اليوم، ومجالات الشّعر في هذا الزّمن، كما أرى، أخصب من مجالاته في عصور مجده، فهل يصعب الحصول على ذلك؟ أظنّه ميسورًا ، والموهوبون يولدون كلّ يوم، المهمّ أن يجمعوا بين ما أُثر وما يُعاش.

عن admin 1

شاهد أيضاً

تيسير الشماسين

إشهاد إبداعي بحق فاتن أبي شر خ / الشاعر تيسير الشماسين

الحضور الكريم، الزّميلتين، صاحبة الفكرة و العبرة الأديبة المتفردة النظّرة العطرة أستاذتتا الفارعة فاتن أبو …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: