الأربعاء , أغسطس 17 2022
أسيد الحوتري
أسيد الحوتري

النسق التاريخي العراقي الحديث المضمر في رواية (الحفيدة الأمريكية) للروائية العراقية أنعام كجه جي/ أسيد الحوتري

 

النسق التاريخي العراقي الحديث المضمر في رواية (الحفيدة الأمريكية)

للروائية العراقية أنعام كجه جي

أسيد الحوتري

أسيد الحوتري
أسيد الحوتري

 

“التاريخ يكتبه المنتصرون”، جملة مشهورة تتردد كثيرا، جملة أخرى تُنسب إلى رئيس الوزراء البريطاني السابق (ونستون تشرتشل) تقول: “التاريخ هو كذب المنتصر”؛ ومن هذين المضمونين وما لفّ لفهما قامت التاريخانية الحديثة (New Historicism) لتأخذ موقعها بين مناهج النقد الأدبي الحديث.

 

للمنتصرين تاريخ يكتبونه قد يكون كذبا، وللمهزومين أيضا تاريخ قد يكون حق اليقين. للسلطة تاريخ رسمي تسطِّره وتروِّجه وتعلِّمه للشعب، وللشعب بكافة أعراقه وطوائفه ومذاهبه تواريخ أخرى يكتبها هنا وهناك، يفكّك من خلالها تاريخ السلطة الرسمي ويقوض بها المقولات المركزية. وهذا يعني أن “ثمة تاريخين متناقضين: تاريخ السلطة وتاريخ الشعب، أو تاريخ السيادة وتاريخ المهمش”(جميل حمداوي 192). وفي الغالب ما يكون التاريخ الشعبي مضمرا في رواية، أو قصة، أو قصيدة، أو أي نتاج ثقافي آخر. وهذا التاريخ المضمر هو موضوع حديث هذه المقالة التي ستنبش في رواية (الحفيدة الأمريكية) للروائية العراقية إنعام كجه جي لتميط اللثام عن النسق المضمر للتاريخ العراقي الحديث.

 

لا تعالج رواية (الحفيدة الأمريكية) تاريخ العراق الحديث أبدا، بل تسرد قصة معاناة إحدى الأسر العراقية التي تعرّض ربّها للتعذيب، فاضطرت الأسرة للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، “فالعراق في الرواية ليس جغرافيا أو مدينة، وليس تاريخ… “(رائد الحواري، العراق والعراقية في رواية –الحفيدة الأمريكية) ومع ذلك، وعند النظر بعمق في الرواية، سنجد تاريخ العراق الحديث كما رأته الكاتبة مضمرا بين السطور.

تقسّم الرواية تاريخ العراق الحديث إلى أربع مراحل، المرحلة الأولى: مرحلة المملكة العراقية الهاشمية؛ مع العلم بأن الروائية لم تذكر لفظ “المملكة العراقية” ولم تأتِ على سيرة الهاشميين، ولكن أشارت إلى هذه المرحلة شخصية يوسف جد شخصية الرواية الرئيسة: زينة، والذي كان يعمل في الجيش العراقي في تلك الفترة. كان يوسف محبا لعمله وفخورا به أيّما فخر. صورت الكاتبة هذه الفترة وكأنّها عصر العراق الذهبي، فلقد كان الجد يوسف أسعد ما يكون في هذه الفترة، وكانت مرحلة خالية من أي منغصات تذكر. ألقت هذه الفترة الزمنية بظلها على طول الرواية، حتى بعد أن تمّ إخراج يوسف من الجيش في العهد الذي تلا عهد الهاشميين. كان يوسف يخرج بزته العسكرية في عيد الجيش ليتذكر ذلك الزمن الجميل الذي عاشه وعاشه العراق معه. استمرت هذه البزّة بالظهور حتى بعد موت يوسف، فكانت تخرجها أرملته رحمة لتتذكر ذلك العصر الذهبي الذي يأبى أن يفارق الذاكرة. لقد كانت رحمة “تعيد ما كان زوجها يفعله عاما بعد عام في مثل هذا اليوم من السنة”(إنعام كجه جي 90). حتى إن زينة حفيدة الجد كانت على علم بهذا الطقس الذي كان يقوم به جدها والذي كان يُدخِل السرور على نفسه عندما يتذكر تلك الأيام الخوالي، ذلك الزمن الجميل التي كانت تنعم فيه العراق، وتأكد زينة ذلك حيث تقول: “[واصل] جدي يوسف الاحتفال بهذا العيد على طريقته بعد طرده من الجيش”(90). وتشاء الأقدار أيضا أن تعود زينة إلى العراق بعد غياب طويل لترى تلك البزة مرة أخرى معلقة في غرفة جدّتها، تلك البزة التي هي الشاهد الأبرز على حقبة تاريخية كانت الأفضل في تاريخ العراق الحديث. وتؤكد الكاتبة بأن جيل هذه الفترة قد تربى على الفضيلة، “كان لا يصدق أن عجوزا في سن رحمة ما زالت تحتفظ في طيات جلدها بكل تركة الأجيال التي تربت على الصح”(77). كما شاركت العراق في العهد الملكي الهاشمي في حرب فلسطين حيث أبلى الجيش العراقي بلاء حسنا وقدّم من البطولات الكثير. وكان العقيد يوسف فتوحي، الجد، قد بعث برسالة لزوجته “من جنين أثناء حرب فلسطين، كان قد ذهب مع فرقة لفك الحصار عن قوة عراقية حوصرت في قلعة المدينة” (91). ولقد تمّ هذا الهجوم بقيادة العقيد عمر علي البيرقدار، وتمّ على إثره تحرير مدينة جنين من قبضة الصهاينة. هذه الحرب تؤكد على الدور القومي الريادي للعراق، حيث شارك جيشها المغوار في نصرة أشقائهم العرب في فلسطين وتصدوا للعدو الصهيوني بكل ما أوتوا من قوة. يجب أن نتوقف أكثر عند حرب فلسطين، فهذه الحرب لم تذكر في الرواية عبثا، بل ذكِرت لتؤكد على أن العراق في عصره الذهبي كان قد خاض حربا لا غبار عليها، حربا ضد معتدٍ صهيوني أثيم جاء ليقتطع فلسطين من الوطن العربي الكبير. من جانب آخر، وبعد هذا العصر الملكي، سيدخل العراق في حروب ستثار حولها علامات كثيرة من الاستفهام والتعجب! ولأنّ فلسطين هي قضية كلّ العرب وكل المسلمين وكلّ الشعوب العالمية المؤمنة بالحرية والتحرّر من الاستعمار، كان خوض حرب بهذه السمات يصبّ في صالح العهد الملكي العراقي الهاشمي.

تنتقل الرواية إلى المرحلة الثانية من تاريخ العراق الحديث وهي مرحلة الانقلاب العسكري الذي تعرضت له الملكية والتي رفض جد زينة يوسف أن يشارك المنقلبين أو الضباط الأحرار فيما أقدموا عليه، ولهذا السبب يتم عزل يوسف من منصبه العسكري لينقل إلى وظيفة مدنية، وظيفة مستشار قانوني لمصلحة السكك الحديدية، وكان هذا في فترة إعلان الجمهورية العراقية وترأس عبد الكريم قاسم لها. لم تكن هذه المرحلة من تاريخ العراق بالمرحلة السيئة بالنسبة للعقيد المتقاعد يوسف فتوحي خصوصا، وللعراق عموما، ولكن يوسف كان يتحسر على فترة المملكة العراقية حين كان فيها عسكريا.

 

تنتقل الرواية بعد ذلك إلى عصر جديد، إلى ذلك اليوم الذي تم فيه إعدام الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون على أيدي البعثيين العراقيين. ليستلم بعد ذلك حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في العراق، وليدخل العراق بعد الانقلاب بسنوات قليلة حربه مع الجمهورية الإيرانية (حرب الخليج الأولى) والتي استمرت ثماني سنوات عجاف. يمثل هذه الفترة العصيبة في الرواية شخصية صباح بهنام والد زينة. كان صباح يعمل مذيعا في عهد البعث، وذات يوم، اعترض صباح على طول نشرة الأخبار، ودفع ثمن هذا الاعتراض غاليا، فأُخِذ، وغُل، وعُذب وكُسّرت أسنانه، حتى إنه “عاد غير قادر على الكلام، محطم الأسنان، تسيل دموعه بدون توقف، كأنهم ركبوا خزانات منها تحت أجفانه”(٧٩). شعر صباح بعد ما تعرض له من تعذيب بخطر كبير على نفسه وعلى أسرته، ففر مع أسرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية. الحرب العراقية الإيرانية، وحادثة التعذيب هذه، وحادثة الفرار، وما تبع الفرار من إدمان يزن، شقيق زينة، على المخدرات، والسعلة التي لازمت بتول، أم زينة، وترك صباح لزوجته وهجره إياها، كل هذه الأحداث المأساوية تعكس حال المواطن العراقي في مرحلة حكم البعث، وتؤكِّد على أن العراق قد دخل في نفق مظلم، نفق سلطة الحزب الواحد الذي لا شريك له، والذي يقمع كلّ من يعترض حتى لو كان اعتراضه على نشرة الأخبار! هذا، وتقسم الرواية فترة حكم البعثين إلى مرحلتين رئيستين: المرحلة الأولى، فترة الخير الكثير الذي عم العراق و”مصانع، مقاولات، ومدارس، وفود وبعثات، ومستشفيات، ومهرجانات، ومجلات، وبحيرات وأنهار صناعية وقرى سياحية ومراكز أبحاث”(70).

أما الفترة الثانية فهي فترة الحروب، “ثم اشتعلت طاحونة الحروب وشفطت النفط حتى آخر قطرة. راح الرجال وجلست النساء يلطمن الصدر”(77) وتؤكد الكاتبة على أنّ فترة حكم البعثيين هي إجمالا فترة سيئة وأنّ الجيل العراقي فيها “تربى على الخطأ: نفاق ورشوة، وخوف وكلام مبطن ولعبة الختيلة. أرادونا بعثيين جميعا”(77). وبالإضافة إلى الحرب العراقية الإيرانية، فقد اجتاحت القوات العراقية في الثاني من آب عام ألف وتسعمائة وتسعين الحدود الكويتية ليتم احتلال الكويت وضمها إلى العراق تحت عنوان “المحافظة التاسعة عشر”! وقد أدى هذا الاجتياح إلى حرب أخرى وهي حرب تحرير الكويت والتي أطلق عليها: حرب الخليج الثانية، والتي تم على إثرها إخراج العراق من الكويت.

 

تنتقل الرواية بعد ذلك إلى مرحلة ما بعد البعث، إلى فترة الاحتلال الأمريكي للعراق، حيث دخلت المعارضة العراقية على الدبابة الأمريكية كما دخلت زينة العراق على الدبابة نفسها! تدور معظم أحداث الرواية الرئيسة في فترة الاحتلال هذه، وتجدر الإشارة أن الولايات المتحدة الأمريكية أطلقت شائعتين بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر لعام ألفين وواحد، مفادهما أن النظام البعثي مرتبط بتنظيم القاعدة الذي تبنى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر والتي دُمِّر فيهما برجي مركز التجارة العالمي وأصيب فيهما البنتاغون، كما ادّعت الولايات المتحدة أن النظام البعثي العراقي ما زال يمتلك أسلحة دمار شامل رغم مرور عشر سنوات على حملة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، لذلك قررت الولايات المتحدة غزو العراق بهاتين الذريعتين والتي تبيَّن لاحقا أنهما محض افتراء. بالطبع لم تؤيِّد هيئة الأمم المتحدة الغزو الأمريكي للعراق الذي شارك فيه ثمانية دول فقط على رأسها الولايات المتحدة، إسبانيا، أستراليا وبولندا. صورت كجه جي فترة غزو العراق (حرب الخليج الثالثة) بفترة من المداهمات والاعتقالات، وإلحاق الأضرار بالممتلكات، والسلب والنهب، والقتل، ومقاومة الغزو، كما سلطت الكاتبة الضوء على المقاومة الشيعية المنطلقة من مدينة الصدر وكان من أبرز شخصيات المقاومة في الرواية مهيمن ابن طاووس: أم حيدر، والذي هامت زينة به وتمنّت لو يبادلها الحبّ على رغم كونه أخوها في الرضاعة. وهنا يختلف تأريخ للمقاومة العراقية عما هو معتاد، فلقد تم تصوير المقاومة العراقية في الغالب على أساس أنها تدار من قبل البعثيين والعراقيين السنة، كما ركزت الروايات الرسمية الغربية على دور تنظيم القاعدة في مهاجمة القوات الأمريكية لشيطنة المقاومة العراقية أمام الرأي العام الدولي، ولكن كان لإنعام كج جي طرح آخر، فقامت بتسليط الضوء على المقاومة الشيعية للمحتل الأمريكي. كما ذكرت الكاتبة حادثة سجن أبو غريب حيث تم تعذيب المعتقلين وإهدار كرامتهم.

وغادر كثير من العراقيين بلدهم في فترة الاحتلال الأمريكي وتفرقوا في بقاع الأرض بسبب الفوضى وانعدام الأمن والأمان. وهذه رحمة تؤكد هذا الشتات العراقي، فتدعوا وتقول: “ارحمي يا حنونة موتاي وباركي أولادي وأحفادي ومن بقي من أحبتي: كامل وسهام وأبنائهما في نيوزلندا: وجمولي وسنسن وتمارة والصغير الذي لا أعرف كيف ألفظ اسمه، وبتول وزوجها في أمريكا وولديها يزن وزينة، وأبناء أخي المرحوم داوود: لقاء وسعد في سوريا، وسامر في دبي، ويوسف وصباح ورويدة في كندا، واحفظي لي أختي غزالة في الأردن وأبنائها وأحفادهما في السويد ولندن ولا أدري أين…”(63). كما كانت رحمة في فترة الاحتلال الأمريكي “تشتاق إلى أبنائها المهاجرين ولا تغفر للزمان الذي جعلها تنتهي وحيدة في بيت كبير”(64). هذا ما سببه الغزو الأمريكي للعراق، فلقد هدم اللذات وفرق الجماعات.

 

هذا، ورغم أن نفط العراق كان يحرك ويضيء العالم إلا أنّ انقطاع الكهرباء قد أصبح أمرا مألوفا في العراق بعد الاحتلال الأمريكي الذي دمّر البنية التحتية العراقية، وهنا تقول رحمة: “ليش يا عذرا؟ كثر عليك أن تبقي الكهرباء خمس دقائق زيادة؟”(63).

 

وتميّزت الفترة الأولى من الاحتلال الأمريكي للعراق بعدم الوضوح والغموض فلم يزل الأهالي “تحت وطأة الزلزال، لا يدرون هل يرحبون بالقادمين على الدبابات أم يبصقون عليهم”(72). فيما بعد، تبين بأن أيام الاحتلال الأمريكي هي أيام سود. تخبر زينة جدتها بأنها جاءت إلى العراق مع شركة مقاولات أمريكية فترد الجدة متعجبة: “يا مقاولات بهذي الأيام السود؟”(70).

 

قبل أن تأتي زينة إلى العراق كانت تعاني وأسرتها من ضيق اليد في الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما سمعت بأن راتب من سيلتحق بالقوات الأمريكية كمترجم في العراق سيصل إلى مئة ألف دولار في السنة تقريبا، أقنعت زينة نفسها، بقدسية عملها، وأنها ذاهبة للمساهمة في تحرير العراق من النظام البعثي الظالم، ولكن بعد قضاء سنة كاملة في العراق ومع نهاية عقدها مع الجيش الأمريكي، اكتشفت زينة أن أيام الاحتلال هذه هي حقا أياما سوداء، فرفضت تجديد العقد، وعادت إلى الولايات المتحدة الأمريكية أكثر عراقية ووطنية.

هذا هو المُضمر من التاريخ العراقي الحديث في رواية (الحفيدة الأمريكية): فترة الملكية والتي صورت بأنها فترة ذهبية، وفترة الجمهورية بقيادة عبد الكريم قاسم والتي كانت أقل ألقا من سابقتها، وفترة البعث الأولى والتي كانت فترة متميِّزة على كل الأصعدة، ولكن فترة البعث الثانية كانت فترة الحروب: حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية)، حرب الخليج الثانية (غزو وتحرير الكويت)، حرب الخليج الثالثة (إسقاط نظام البعث العراقي) كلّ هذه الحروب أحرقت الأخضر واليابس، وأخيرا فترة الاحتلال الأمريكي للعراق والتي كانت أياما سوداء. هكذا رأت الكاتبة العراقية إنعام كجه جي تاريخ العراق الحديث والذي كان مضمرا في روايتها ومتخفيا بين السطور وبعيدا جدا عن النسخ الرسمية والمقولات المركزية.

إنعام كجه جي
إنعام كجه جي

 

المراجع

– إنعام كجه جي، الحفيدة الأمريكية، دار الجديد، الطبعة الثالثة 2010

– د. جميل حمداوي، نظريات النقد الأدبي ومناهجه في فترة ما بعد الحداثة. www.alukah.net

– رائد الحواري، مقال: العراق والعراقية في رواية الحفيدة الأمريكية- أنعام كجه جي. موقع الحوار المتمدن. 27/09/2019

 

 

عن admin 1

شاهد أيضاً

أسيد الحوتري

رواية (المؤابي): المسكوت عنه في ثورة الكرك/ أُسَيْد الحوتري

  رواية (المؤابي): المسكوت عنه في ثورة الكرك بقلم: أُسَيْد الحوتري قام الكاتب الأردني سامر …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: