الأربعاء , أغسطس 17 2022
د. نصيرة علاك
د. نصيرة علاك

الوَعيُ المَديني في شِعرية أمَل دُنقَل:  مِن المُعادل المَوضُوعي إلى الأبعَاد الوُجودية/د. نصيرة علاك

الوَعيُ المَديني في شِعرية أمَل دُنقَل:

مِن المُعادل المَوضُوعي إلى الأبعَاد الوُجودية

د. نصيرة علاك

د. نصيرة علاك
د. نصيرة علاك

 

نشأ الاهتمام بالمكان الفني نتيجة لظهور بعض الأفكار والتصورات التي تنظر إلى العمل الفني على أنه مكان تُحدَّد أبعاده تحديداً معيّناً. لقد اكتسبت المدينة في الأعمال الشعرية لأمل دنقل (1940 ـ 1983) أهمية كبيرة واحتفى بها بشكل واضح بدا مثلاً من خلال تصديره لديوانه “مقتل القمر” (1974) بإهداء خصّها به، حيث نقرأ “إلى الاسكندرية … (سنوات الصبا)” علاوةً على ما ضمَّنه من آيات الإكبار لهذه المدينة الملهِمة والآسِرة في عينيه. فأخذت ملامح الوعي المديني تتبدّى من زاوية الإسداء ذاته؛ رغم أن دنقل لم يكن من هواة العتبات ولا من رواد النصوص الموازية: سنرى أن لهذا النفور انعكاسات وجيهة على قراءة شعره ـ كما يصرِّح بذلك كثيرٌ من الدارسين والنقاد، ولكن لا تُنقِص الظاهرة من شعبيته وشعريته إطلاقاً ـ إن لم نقل إنما أسبغت عليه المزيد من الاعتبار الفني المنظور إليه في ذاته، وهو ما يدلّ عليه سفر أعماله الشعرية الكاملة.

أمل دنقل
أمل دنقل

ولطالما كان كيان المدينة علامة وعاملاً في تكوين أمل الشخصي، الفكري منه والوجداني والوطني والقومي والكوني معاً؛ ولكن علاقة الشاعر بكينونة ” المدينة ” لم يَسُدْها الانجذاب الغاوي دائماً. ومهما يكن من أمرٍ، فالشيء الأكيد هو أن المدينة صاغت في ذاته وعياً وجوديا عميقاً تفجرت من خلاله شعريته الذاتية المُنَمْذَجَة بالمعادل الموضوعي. لقد توسُّلنا هنا بمصطلح (الشعرية) من باب توسيع نطاق الممارسة الشعرية ـ علماً أنّ السمات التي تضفي على مفهوم الشاعر ما لا يمكن معه أن يستقر أبدا نظراً لتطور تجربته الشعرية ونضجها.

ومع وضوح الحقيقة الأخيرة، فقد اصطدمنا بمقولات “نقدَوية” أمعنت في تصنيف أمل دنقل في قالب شاعر المقاومة أو الرفض (المصري). لذلك يجوز ـ تصويباً لهذا الاختزال ـ استعارة سؤالٍ من تزفيتان تودوروف يندرج في مجال نقد النقد، وإعادة طرحه: أهناك “شعريّة” عبر ثقافيّة (Transculturelle) وعبر تاريخيّة، أو هل نحن ملتزمون بالبحث عن إجاباتٍ محليّة محدّدة في الزمن والفضاء (Espace)؟. سيجرّنا هذا السؤال الهامشي نحو طرح الإشكالية الجوهرية التي تنهض لأجلها هذه المعالجة كالآتي: كيف تحوّلت شعرية أمل دنقل على وقع ظهور عنصر المدينة وعالمها في حياته ووجوده حضورا وغيابا واغترابا وتعايشا؟ وهل مِن سُبلٍ إلى التمثّل والتكيُّف أم هو بمثابة مقاومة ورفض؟ وما هي انعكاساتها الإبداعية في نهاية المطاف؟

لحسم شأن السؤال الهامشي المطروح علينا مسبقاً، سنعمل وفق مقولة اختبارية مؤداها أن تكريس المحلية بصدق والتزام نزيه وبسحر الكلمة يخدم الإنسانية جمعاء. وتظل مسائل المدينة المطروحة ضمن الإشكالية الجوهرية فضاء مكانيا وزمانياً مولدا للدلالات والقيم الإنسانية. إن البحث عن القيم النقدية أو عن المبدأ التصنيفي الذي يصير مقياسا لكل شيء، قد هَجَس شعرية أمل دنقل وكان سببا في اتّساع رقعة وعيه الإبداعي والنقدي معا. وقد تشكّل هذا الوعي عبر محطتين كما يسلم بذلك جابر عصفور هما محطة القرية الصغيرة ومحطة المدينة الكبيرة.

 

1 – استعراض مفهوم “الوعي المديني”

يعد جابر عصفور من النقاد الأوائل الذين تفطنوا إلى أهمية المدينة في شعرية أمل دنقل. وظهر ذلك جليا في كتابه “قصيدة الرفض: قراءة في شعر أمل دنقل”. وقد سبق له أن صاغ مفهوم “الوعي المديني”، لكنه اكتفى بتطبيقه على الرواية، بل له مقولات نقدية تنصبّ في هذا المفهوم بحثها في كتابين مستقلين هما، أولا: (زمن الرواية)، ثانيا: (الرواية والاستنارة) حيث ربطه بمفهوم آخر هو “غواية التحديث”. يرى الناقِد أنّ الوعي المديني لا يتولّد إلا في سياق لا يخلو من أجهزة ومؤسسات تحديث مادي، فالعلاقة بين الوعي المحدث مَدينياً وعمليات التحديث المادي علاقة وثيقة، يتبادل طرفاها التأثّر والتأثير، ويؤدي كل واحد منهما إلى غيره في المدينة التي تجدِّد أفكارها في الوقت الذي تجدّد فيه أساليب حياتها المعنوية والمادية. ومهما كانت أجهزة التحديث المادي أو مؤسساته بسيطة أو ساذجة، من منظور العصور اللاحقة، فإن دور الصدمة، الذي تقوم به زمنها الخاص، هو اللحن الاستهلالي في تصاعد الوعي المحدث، ذلك الوعي الذي يدعو إلى عمليات التحديث المادي كي يتعمد بها في رحلة حضوره الصاعد. وبالقدر الذي يسبق به الوعي المحدث عمليات التحديث المادي التي يدعو إليها، في دعوته إلى الانتقال بمجتمعه من مستوى التخلف إلى مستوى التقدم، فإن هذا الوعي يتفاعل وهذه العمليات بما يتسع بدوائر تأثيره من ناحية، ويؤدي إلى اتساع ما يترتب عليها من استجابات متعارضة من ناحية موازية.

 

هذا التلازم بين الوعي المحدث وعمليات التحديث المادي يجعل منه وعيا مدينيا في كل الأحوال، نعني وعيا يبدأ من الآلة وعلاقات إنتاجها، ولا يفارق أنساقها المعرفية أو منظومات المعلومات المرتبطة بها. نقل جابر عصفور كلاماً لنجيب محفوظ مؤدّاه أنّ الشعر ((قد ساد في عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر؛ عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتماً لفنّ جديد، يوفق على قدر الطاقة بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم إلى الخيال. وقد وجد العصرُ بغيته في القصّة))؛ ثمّ يعلِّق عصفور عليه بقوله: ((نشرت هذه الكلمات مجلّة “الرسالة” القاهرية في إحدى مقالات عددها الصادر في الثالث من سبتمبر 1945 مع انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان كاتب هذه الكلمات شابا في الرابعة والثلاثين من سني عمره اسمه نجيب محفوظ. ولم ينتبه الكثيرون، في ذلك الوقت، إلى أن المقالة التي وردت فيها هذه الكلمات، استأنفت وعياً جديداً بفنّ القصّة، وأرهصت بحركة الزمن الآتي للإبداع الروائي)).

 

يُترجِم ذلك التحوّل من البادية إلى المدينة، ومن الشعر إلى النثر، انتقال الاهتمام بالشعر إلى الاهتمام بالرواية. فكذلك حينما أخذ جابر عصفور يفسِّر كيف أنّ ابتداء زمن الرواية الذي قرنه بالنصف الثاني من القرن التاسِع عشر للميلاد، يوازي بدايات فنّ المسرح، نظر إلى هذه المواعِيد المتزامِنة من حيث كونهما ـ الرواية والمسرح ـ تعبيراً عن صعود المدينة العربيّة التي أخذت تعرف معنى الحواريّة، وتتّسع لنوعٍ أو أنواع من المجادلة بين الفئات المختلفة في الأفق الواسِع للنهضة. وخلاصة الفكرة هي أن المدينة أفرزت فن الرواية كناقل لنوع من وعي خاص وإيديولوجيا ونمط عيش. فاقتصر مفهوم “الوعي المديني” في تجلياته وتطبيقاته على جنس الرواية الفنية دون غيرها. ثم تطور هذا البرادايم (Paradigm) وعرف ضرباً من التصاقب الفكري والنظري (Transposition) على الجنس الشعري الحديث خاصة، نظرا لما يحمله من جينات الحداثة وتجذُّره فيها. وقد اكتسب هذا الوعي المديني عند أمل دنقل بُعدا فنيا عرف كيف يُدرجه في رؤيته للعالم استحال إلى بعد نقدي اشتغل عليه جابر عصفور كما أسلفنا. ذلك أنّ في التحديد العام، الشاعر لم يكن يختلف عن سائر الشباب العربي من حيث انتماؤه الاجتماعي الذي يشكل الريف مصدر علاقاته ونظمه وأعرافه وتقاليه، ((والمجتمع العربي الريفي يستند في كل تفاصيله إلى الشرعية السماوية وقياس جدارة الفرد وعائلته بمستوى الالتزام بهذه الشرعية [..] ولم تكن الأربعينات حكم المدينة المعاصرة بل إن المدينة تعتمد في إرساء بنيتها الجديدة على الوافدين من الأرياف كطاقات عضلية للعمل في مختلف الميادين، أو كطاقات ذهنية تساهم في إرساء برامج النمو التي تحددها سلطة المدينة وفق الطبيعة التاريخية لعملية التطور والبناء، فظل ريف مصر هو مصدر الاعتزاز المعنوي للأفندية [ شباب الريف الذاهبين إلى المدينة ] الذين غادروه استجابة لنظام التوازن الحديث الذي فيه المدينة تلبي طموحات يفتقر الريف حتى إلى التسليم بها كحالة إنسانية)). ومن هنا نشأ هذا المزج الذي يبدو وللوهلة الأولى غرائبيا في بناء شخصية “الأفندية” الجدد ولاسيما الجنوبيين.

 

2 الوعي المديني وعياً وجوديا

1.2 وعي المكان من خلال الاغتراب

لقد مُنِح مقام المكان في شعرية أمل دنقل منزلة فريدة تظهر في جماليات التعبير عن المتناقضات البليغة واللانهائية. وعليه، فمِن الخطأ النظر إليه على أنه مجرد خلفية للاستئناس، أو لسدِّ فراغٍ ما، أو لتوقيع أحداث درامية من خلالها. وليس من قبيل الصدفة أن يشتقّ الشاعر وينحت من بنيات الأمكنة الوجودية المختلفة ـ ولا سيما المدينة العريقة (القدس) أو المعاصرة ـ حقولاً دلالية على مقاس مقولات الأسماء والأفعال والصفات والظروف الدائرة جميعها وبمختلف الصيغ حول تيمة المدينة المستفرَغة من الحمولات الدلالية الإيجابية لفسح المجال أمام تراكمات الماضي التي تجاوزتها المدينة قفزاً إلى غاية لا تُدرَك أبداً. وليس من الغريب أن يتوهّم الشاعر أبعاداً مكانية أخرى مرتبطة بأزمنة غائبة لكنها مستحضَرة عبر صلات تقابلية (مع الريف)، هي الأخرى من وحي مخيلته الشعرية المشبَعة بصور الحياة الماضية ـ أو بالأحرى الغابرة. إن تعليل لجوء الشاعر إلى الإطار المَدِيني وجيهٌ من هذا المنظور. يمكن لإيحاءات المكان أن تطلق شرارة من دلالات تذهب بعيداً جداً عبر التاريخ وما يكفله من استحضار البطولات الخالدة، كما تشهد لوحات قصيدة “قالت امرأة في المدينة” التي مطلعها:

(((1) سيفُ جدّي / على حائط البيت يبكي / وصُورتُه في ثيابِ الركوب / [..])).

 

كأنّا بشاعِر يريد أن يخرج من اغترابه المديني نحو عالَمٍ آخر، فلجأ إلى مكان خاص مشحون بالطاقة اللازمة والممكِّنة من التكثيف الدلالي المتعالي في الوجود، لمعايشة الهموم إيجابيا، على شاكِلة بعض الكتاب الذين يرتادون أمكنة خاصة يجدون فيها ضالتهم مما هو حريٌّ بالاستلهام، فيعتكفون فيها ويتّصلون بها اتّصالا روحانيا ـ ويُصلّون فيها ـ حتى يضحون كأنهم عاجزون عن الانفصال عنها إلا بإخراج العبارة التي سيكون لها مفعول إحالة الفرد إلى وعيه التاريخي والفكري مستغرباً على غرار هذه المرأة المستنكرة:

(((2) قالت امرأة في المدينة: / مَن ذلك الأمويّ الذي يتباكى على دم عثمان؟! من قال إن الخيانة تنجب غير الخيانة؟! / كونوا له يا رجال! / أم تحبون أن يتفيّأ أطفالكم / تحت سيف ابن هند؟! / ربما ردت الريحُ ـ سيدتي ـ نصف ردّ: / ضاع َوابتلعته الرمال! / نحن جيل الحروب / نحن جيل السباحة في الدمِّ / ألقتْ بنا السفنُ الورقيةُ / فوق ثلوج العدم / قبضات القلوبْ / وحدها حطمتها / ومازال فيها الأسى والندوبْ/ نحن جيلُ الألم / لم نرَ القدسَ إلا تصاوير / لم نتكلمْ سوى لغة العرب الفاتحين / لم نتسلم سوى / راية العرب النازحين / ولم نتعلم سوى / أن هذا الرصاص / مفاتيح باب فلسطين [..])).

 

ههنا الاستفهامات والنداءات تتكرر كمقدمة لسلسلة من تحفيزات وتعليلات وتوصيات اجترأت بها امرأة اعتلت منبر التحسيس والتكريس الرمزي بكل ما للاستخدام التراثي المعزِّز مِن أبعادٍ تاريخية واجتماعية وقومية ووجودية. ذلك أن ((الفكر الرمزي يهدف إلى إعادة الوحدة إلى عالم جرى التمييز بينه بواسطة الذهن)). ولا ريبَ أنّ استدعاء المدينة التي انطلق منها صوتُ المرأة المستغيثة والمتأملة والنادبة، هو أعظم من أن يكون من قبيل التأثيث، وإنما هو من صميم تأنيب أهل المدينة المسرفة وتحميلهم مسؤولية التفريط في أداء واجبات الوطن. فكل ما جاء بعد هذا المطلع المَنبري من أوجه التثوير والتهويل، كما يبدو من هذا التسلسل النصي:

((/ فاشهد لنا يا قلمْ / أننا لم ننمْ / أننا لم نقف / بين “لا” و”نعم” / ما أقل الحروفَ / التي يتألف منها / اسمُ ما ضاع من وطنٍ / واسمُ من مات من أجله / من أخٍ وحبيبْ ! / هل عرفنا كتابةَ أسمائنا بالمداد / على كتبِ الدرس؟! / [ ..] / إلى أن تغيبْ / قالت امرأةٌ في المدينة: / من يجرؤ الآن / أن يخفضَ العَلَم القرمزيّ / الذي رفعته الجماجمْ / أو يبيع رغيف الدم الساخنِ / المتخثرِ فوق الرمال / أو يمدّ يداً / للعظام التي ما استكانتْ / وكانت رجالْ / كي تكون قوائمَ مائدةٍ للتواقيع / أو قلماً / أو عصاً في المراسمْ؟! / لم يجبها أحدْ / غيرُ سيفٍ قديمٍ / وصورةِ جَد! / آه لو أملك سيفاً / للصراعْ! / آه لو أملك خمسين ذراعْ!)).

 

تنم هذه العبارات كلها ـ وغيرها المحذوف ـ عن شدة الاغتراب الذي يعبر عنه الشاعر على لسان المرأة توحي بافتقارها إلى أشكال الحياة الروحية التي من شأنها أن تصنع الإرادة الفولاذية.

 

2.2 وعي المكان من خلال الآفاق اللامتناهية

إنّ رغبة دنقل في تكثيف الحسي مع المجرد جعلته لا يسرف في التأملات والتداعيات الميتافيزيقية، بل يلتزم بإخراج المشاهد الصورية وتحميلها مسؤولية التعبير الفني، فالصورة هي التي ينبغي أن تتكلم عنه، لذلك نلفيه يستعين بأهم ما تتشكل منه الصورة الفنية التي يقتبسها ويستعيرها من الواقع المدينية انطلاقاً من الوعي الذي تكوّن عنده أثناء اختمار تجربته الشعرية كما يشهد المقطع الآتي:

((آه.. ما أقسى الجدار / عندما ينهض في وجه الشروق / … … / ربما ننفق كل العمر.. كي ننقب ثغره / ليمر النور للأجيال.. مرة! / ربما لو لم يكن هذا الجدار.. / ما عرفنا قيمة الضوء الطليق!!)).

 

لنتأمّل كيف اعتبر الشاعر الجدار كما لو أنه يقف عائقا أمام النور المسدود في وجه الأجيال ومع ذلك لابد أن يكون ـ أي تكون له كينونة ـ لأنه مصدرٌ عاكسٌ للضوء (ربما الأمر كذلك.. مَن يعلم !؟). على هذا النحو، حيث القوى الجذبية التي تجذب في كل اتجاه، يكون النص دوما بدعة وخروجاً عن الدوكسا (La doxa). ((إنه قدرة على خلق المفارقات Para-doxes)). هذا النص الذي ليس له سوى قواعد التركيب الضمني لعناصره الداخلية المحسومة بلغة النمذجة المكانية، نكتشف الشاعر ـ من خلاله ـ مركِّزاً على وحدته وفرديته وحياته المشتّتة المعوِّلة على إمكانات المعادل الموضوعي أن يجمع شملها، لا لأنه حريصٌ على التعبير وحسب عن نفسية قلقة متألمة كثيرا تحت معاناة الطوق النفسي من مثل “قهر الفهم” و”الحرمان” و”العصاب” مثلا، وإلى حد ما، كأنه في حاجة إلى التنفيس والتخفيف عن آلام ما؛ بل لأنه تتنازعه عواطف معقدة التركيبة مما هو عادة من قبيل الباتوس في منحاه الموضوعي (الخطابي) الذي هدفه أعذاري ومبرراتي؛ إذ مهما تكن حياته بائسة وتعيسة وميؤوساً منها، فهو كشاعر ملتزم يحتاج إلى أن يُحوِّل انتباه القارئ إلى أشياء أخرى غير ذاته وفرديته البؤرية التي ـ كشاعر وجودي ـ لا تعني أكثر من كونها مصدر إلهامٍ وإشعاعٍ وجداني وفكري. ((فالعثور على (المعادل الموضوعي) ـ كما يرى إليوت ـ هو سر بقاء القصيدة وخلودها، وليست العبرة في سكب وتكثيف العواطف الذاتية فيها)).

 

وجاء في قراءة سامح الرواشدة أنّ ((الجدار في النص رمز القهر والقوة التي تعمل على حرمان الإنسان من رؤية النور والخير، لأنه ينهض في وجه الشروق، فيحول بين الناس ورؤية الشمس، ويحجب عنهم الصباح الجديد، ولأنّ الإنسان مفطور على حبّ الحرية يبذل قصارى جهده لإزالة هذا الجدار، أو يثقب ثغرة صغيرة تسمح للأجيال القادمة أن ترى النور، إنّ الدلالة السابقة تحمل بُعداً سلبياً لكنها تتحوّل إلى بعد إيجابي بعد أن تكتمل الصورة، فلو لم يكن هذا الجدار، ما عرف الإنسان قيمة الحرية)).

 

3.2 وعي المتجانس والمتغاير

1.3.2 التجاذب مع تيار الذكريات الجميلة

إنّ المدينة التي يراد أن تكون متجانسة لأنها أصبحت موضوعا فنيا بامتياز، لا يصفها الشاعر كما يصف الريف وعناصره. ولكن هذه المقارنة لا تعني شيئاً ذا بالٍ، من غير الاهتداء إلى الأسباب والنتائج عبر قراءة المكان الفني. ففي المدينة يصارع أشواقاً تأخذه إلى أحلام الريف كما في قصيدة “أيدوم النهر” (1980) التي يستوقف الشاعر نفسه في خيبة أمل ضمن مقطعها الأول المنسكب تياراً جارفاً من أسئلة وجودية، تتجه مضامينها الإدراكية وأبعادها الاجتماعية وخلجاتها النفسية من الأحسن أحوالاً نحو أسوئها بحيث ننصت إلى صوت حزين يتباكى:

 

((أيدوم لنا بستان الزهر / والبيت الهادئ عند النهر / أم يسقط خاتمنا في الماء / ويضيع.. يضيع مع التيار / وتفرقنا الأيدي السوداء.. / ونسير على طرقات النار.. / لا نجرؤ تحت سياط القهر / أن نلقي النظرة خلف الظهر / ويغيب النهر [..])).

 

إن بنية المكان الفني متجانسة الوحدات والعلاقات، يوازيها بناء درامي سرعان ما يؤول إلى بروز المدينة كعنصر يزعزع تكوينه النفسي (الفطري)، ويكسر أفق انتظار القارئ الذي سينطبع بتحول النغمة النستالجية (القروية) إلى النزعة التشاؤمية التي تومئ إليها “الأيدي السوداء”. فالمسار واضح المعالِم عبر الانتقال من بستان الزهر إلى سياط القهر، ومن البيت الهادئ على شطّ النهر نحو المسير على طرقات النار (ويغيب النهر خلف الظهر)، كل ذلك ليس سوى نتيجة تفاعل أحوال الحاضر مع ذكريات الماضي. والبنية ذاتها تتكرر ضمن أسطر المقطع الثاني:

 

(([..] أيدوم لنا البيت المرح / نتخاصم فيه ونصطلح / دقات الساعة والمجهول / تتباعد عني حين أراكِ / وأقول لزهر الصيف.. أقول / لو ينمو الورد بلا أشواكِ / ويظل البدر طوال الدهر / لا يكبر عن منتصف الشهِر / آه يا زهر.. / لو دمت لنا.. / أو دام النهر)).

 

هكذا يتشكّل نظام مميَّز لتنظيم عالم الريف الذي كان نسق وحداته الحصيفة وعلاقاته الوظيفية (البيت المرح، زهر الصيف، التخاصم والتصالح) يميِّزه التناغم والمجانسة في مقابل العالم الفوضوي ـ عالَم المدينةـ الذي انتقل إليه (فنَما الوردُ بأشواكه وانحسر البدرُ بعدما كبر في منتصف الشهر). ولكن هذه المرة يُدخل عنصراً آخر هو شريك معه في المعاناة الداخلية نتيجة ارتكاس الأوضاع فيناجيه بضمير المؤنث للمخاطبة استسلاماً أمام الواقع الجديد. وكذلك، فإنّ دقات الساعة والمجهول، هي العناصر الوجودية التي تقرر المصير: مصير تلاشي الزهور وانعدام النهر ـ وليس جفافه ـ بل هو عدم الديمومة تحت وطأة المدينة التي لم يذكر اسمها لكن ظلالها تحوم من حول سلسلة الأحداث الدرامية (سُنَّة الكون) التي تضمنها المقطعان. ذلك أنّ هذا المكان (المكان الفني) ((من صفاته أنه متناه، غير أنّه يُحاكي موضوعاً غير متناهياً هو العالَم الخارجي، الذي يتجاوز حدود العمل الفني)). وكما أنّ المدينة صارت أيضاً قابلة للتشخيص والتأويل، ومفعمة بالرمزية، ومشحونة بالاستعارات والمجازات، فهي أيضا خاضعة للإمِّحاء ومجالاً لعددٍ مِن التوريات، ومدلولاً عليها ومشاراً إليها بالإسقاطات. بل غالبا ما أخذ الشاعر يقاربها بمجموعة من مفارقات.

 

2.3.2 التنافر في وجه تيار الذكريات السيئة

ولكن الشوق إلى الماضي لا يعني دائما الشوق إلى الجميل، نلاحظ أنه يتبرأ وتعتريه حساسية ضد كل ما يؤسس لكلمات تذكارية. يذهب في هذا إلى حدّ اتخاذ موقف تجاه عادة “الأوتوجراف” أو الإمضاء الشخصي التذكاري التشريفي. ويجنح بهذا التصرف إلى بناء موقف فكري تجاه الظاهرة. ولا ننسى أنّ الصورة الفنية التي نحصل عليها وفق معيار المعادل الموضوعي هي التفاعل بين الحس والفكر.

((لن أكتب حرفا فيه / فالكلمة ـ إن تكتب ـ لا تكتب / من أجل الترفيه)).

 

تأمل في هذا المقطع كيف يصرف الشاعر بواعث النشوة إلى التعبير عن فلسفة معتمداً أولا ذلك المعادل الموضوعي المُنَمِّط لتلك الغبطة التي من المفروض أن تثيرها في الذات كل دعوة إلى كتابة أوتوجراف ويتحمّس لها كلُّ فنّانٍ معتزّاً بنجوميته. وعلى الرغم مما قد يجول في خاطر المرء من ابتعاد المشهد عن الحقيقة أو الواقع المعيش، فإن ارتجال المناسبات الذي يشير إلى المظهر النثري للأشياء من شأنه أن يسجل التفاصيل بصدق، حتى حينما يكون المشهد عبارة عن سيناريو منسوج من بنات مخيلة الشاعر. وهنا نستحضر مقولة شعبية ونقدية في آن مؤداها أنّ “أعذب الشعر أكذبه” والتي يفهم منها الناس أن الشعر والدجل شيء واحد كما علّق عليها سيد قطب مفنِّداً الزعم الأخير: (([..] لا. لا نريد ذلك. بل نحن نعتقد أن الشاعر أعرف بالحقيقة من الفيلسوف. ولكنه يختلف عنه في التعبير لأنهما يختلفان في إدراك هذه الحقيقة، وفي طريقة إدراكها)).

بناءً على ما تقدّم، يمكن الخلود إلى أنّ ما انتهى إليه بعضُ المهتمين بسيرة أمل دنقل من أن بنية المكان الصعيدي ((استطاعت أن تخلق شخصية حدية ذات طابع خاص في معتقداتها الفكرية وممارساتها وأنماط حياتها على نحو مغاير لشخصيات أقاليم أخرى))، يفارقه ما تنبِئنا شعرية هذه الأسطر من الإنعام بحياة الريف السعيدة.

 

4.2 الوعي المديني والالتزام الوجودي

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ موضوع الالتزام واحد من القضايا التي عني بها النقاد والدارسون في سجل التناقضات والمفارقات التي اكتنفت شعر أمل دنقل، بل عمت جوانب حياته. فأمل دنقل تحدوه مواقف جوهرية ((يرى [من خلالها] التناقض والاختلاف في كل ما يحيط به، فإن ذهنه قد بني على قناعة تؤكد وجود التنافر في كل شيء، ويؤكد ذلك صراحة قوله: “نشأت في الصعيد، من الصحراء الجادة الغربية والوادي الضيق والقبائل العربية التي استوطنت هناك منذ أيام الفتح العربي، كل هذا أكسبني حدّةً في التعبير، وحدّةً في الإحساس بالصورة، والتناقض بين الأشياء”)). من تلك المفارقات التي غالبا ما تأتي ضمن قصيدة واحدة، الجمع بين الانشغال بقضايا الوطن (الالتزام) والتعبير عن العاطفة من الحب خاصة وغير ذلك من الانفعالات التي من شأنها أن تعيد الحيوية إلى المجال الضيق للالتزام المدحور. بالفتور.

 

تبرز وحدة هذه الثنائية في أبعاد الالتزام الوجودية، بحيث تمضي رمزية “زرقاء اليمامة” ـ مثلاً ـ في التشكيك المزدوج: دحض أقوال العرّافين المقدَّسين وبأس الجاحدين وبؤسهم. وهذا الموقف يتماشى وتيارات التناص التي تنتمي إلى التقليد الحداثي السائد في الخطاب الشعري العربي والتي كانت تعتمد نمطاً مركزياً هو الأسطورة المستعملة في هذه القصيدة كما كان إليوت يستخدمها وفق نظريته في المعادل الموضوعي. وذلك باعتبار الشاعر المعاصر، السائر على النمط الإليوتي، والواقع تحت تأثير المناخ الإليوتي ــ عن وعي أو عن غير وعي ــ يرمي إلى سد الثغرة التي تفصل بين عالم الخراب، كما يراه، وبين العالم كما يريده ويتمناه أن يكون وكما يتصوره؛ إذ تسوده القيم والتقاليد التي يدعو إليها ويعتقد بأنها طريق الخلاص. أي أن الشاعر يصور لنا العالم الأرذل، ويغني العالم الأفضل، عابراً من التصوير إلى الغناء على جسر الأسطورة والرمز.

والأرجح أنّ هناك مساراً واضحاً لوحِظ فيه تحوّل شعرية دنقل من الوعي القروي نحو الوعي المديني بشكل أوضح إلى حدِّ أن هذا الأخير كدّر صفو الاهتمام بالديباجة المصقولة والبراعة التي كان يتسم بها شعر شبابه. ولكن من القصور أن يقرأ هذا التحوّل على أنه تحوّل من المستوى الأدنى نحو الوضع الأحسن أو العكس. ننتقي من المفارقات التي استخدمها الشاعر في وصفه لهذا المسار المعقَّد، ما استدعاه من رمزٍ تراثيٍّ متمثلٍ في شخصية النبي يوسف عليه السلام وقياس مصيره بتحوّلات هذا الأخير الاختبارية والمصيرية؛ ويعبر عن تجربته العميقة المليئة بالإيحاء والإيعاز في ضوء الأسطورة التي تظل عصارة التجارب الإنسانية ((شريطة أن يوحي الشاعر بالعناصر الأسطورية إيحاءً سريعاً ولا يعرضها عرضا في شكلٍ قصصي فجٍّ)). فقد التزم الشاعر حدود هذا الشرط بإيجازه الإلماعي الآتي:

(([..] وأنا “يوسفُ” محبوبُ “زليخا” / عندما جئت إلى قصر العزيز / لم أكن أملك إلا.. قمرًا / (قمرًا كان لقلبي مدفأة) [..])).

 

بهذه الأسطر الوجيزة والحصيفة استطاع الشاعر أن يحدس كنه الأشياء ويدفع الغرور، تاركا المجال ـ مع ذلك ـ لشيء من الالتباس التي تعكسها مفارقة التحول ((” لم أملك إلاّ [..]” ثم يتضح أن ما يملكه ليس إلاّ ـ أو هو بقدر ومكانة قمر سيدنا يوسف عليه السلام ينبئ عن دائرية مسار التحول عنده)). وهذا القمر الذي كان هذا الأخير يتملكه ـ كما تُطلِعنا جميع الكتب السماوية ـ ويعني به فطنته وموهبته على تأويل الرؤيا، كان دائما معه وضحى من أجل أن يحتفظ به وكان سبب كل المحن التي تخطاها. بين تلكم الرحلة النبوية وهذه المسيرة الشخصية، ستكون ملامح الملاقاة قد ارتسمت عبر انبثاق قصيدة الالتزام التي استطاعت أن تتألّق في ضوء هذا الوعي المتحول من فضاء القرية نحو فضاءات المدينة، وذلك بما أضفى عليها أمل دنقل من الجدية والعمق والإحساس. بيد أنّه، وإذا كان الالتزام الذي كان أمل يؤمن به بمثابة تقدير مبدئي لرسالة ما، فإنّ أي محاولة ـ دعنا نقول “مجازفة” ـ تروم تحويل الأداء الشعري الذي أصبح جزءا من حياته إلى مهمة اجتماعية أو أخلاقية قد تقلِّل مِن قيمته الفنية إن لم نقل تسيء إليه بطريقة أو بأخرى. ذلك أنّ التعبير عن الالتزام بوصفه خطابا استثنائيا يسوده كثير من المنطق العقلي، قد يجعل المنظور الشعري في القول هزيلاً، وذلك بما ترِد الإحساسات فيه فاترة لا حرارة فيها، والإيقاعات مفتعلة، واللغة مزيفة والمعاني ملفقة: فيصبح لذلك عائقا أمام الإبداع. وكما سبق لمحمود قرني أن سجّله على بعض التصنيفات.

 

إذا سايرنا هذا الضرب من التفكير الشكوكي، فلن نُفلح في العثور على أثرٍ للالتزام في السطور الشعرية التي خطّها أمل دنقل أوعيةً كاشفةً عن فكره وما تضطرب به نفسه من هموم الحياة، وكتبها بألم وفرح متعايِشَيْن طيلة تجربته الشعرية الثقيلة والثرية بمثل هذه التناقضات والمفارقات! في هذا السياق، وإذا جاز وصف أمل بالفوضوي فمع ذلك يحكمه منطق ما، يبدو بسيطا لكنه في تركيبية شديدة، هو ((صريح وخفي في آن واحد، انفعالي متطرف في جرأة ووضوح، وكتوم لا تدرك ما في داخله أبدا)). فهل يمكن أن نحرِّم على شاعر حسّاس وخبير كدنقل اشتغاله ضمن ثنائية (التمازج الفكري مع الوجداني) الذي سمح له بأن يعبِّر عن الشيء وضده؟ بيد أنّ ما يمكن أن يصنعه أي دارس معجب ومنصف في آن ـ تدرجا على الاستفهام المطروح والمثير، هو نَمْذَجَة هذا الالتزام المشوب بالتصنع ضمن مفهوم المعادل الموضوعي لتأسيس الصورة ـ أو بالأحرى إعادتها إلى وضعها الطبيعي، أي الصورة المزودة بإطارها الصحيح، حيث استطاع شعر دنقل أن يربط بشكل خاص بين الالتزام الوجودي وشعره الذي ينفر عن “الالتزام” في حدِّ ذاته.

ولغلق أبواب هذه القراءة المشرَّعة، نخلص إلى أن أمل دنقل طالما كان مقاوِماً في تشبثه بمواقفه، فهو لا يعلق كثير الآمال على التمرّد الصريح أو الضمني الذي وقف عنده أغلب الدارسين والنقاد، بل غالبا ما ينتابه إحساس بأن ذلك لا فائدة منه. لذلك فإنّ وعيه المديني الذي تطوّر إلى ضربٍ من التزامٍ، إنما يرقى بلا شك إلى النّمط الوجودي الذي غالبا ما يغلفه بالتعبير عن العواطف مثل: الحب والأسى والتشاؤم …الخ؛ ولا سيما بعد يقينه بأنّ مصير كل المتمردين أمثاله إما لعنة الإقصاء من نعيم الملوك كما حصل لشيطان سبارتاكوس، أو الفشل والموت كما في وضع ابن نوح. ومع ما يمكن أن يقال من كون الالتزام الوجودي من شأنه أن يقزِّم من شاعرية أمل دنقل، فإنّ هذا الالتزام ينصهر ضمن نصوصٍ من الواضح أنها تستدعي إسهام المتلقي بقراءة متعدِّدة، علاوةً على ما قد يُصرَف إليه مع صُنافات القصيدة الدُّنقَلية من الأغراض الشعرية المتنوعة التي استطاعت أن تؤكِّد بأنّ قرارة نفسيّته لا تُدرَك إلا بالتعويل على ما يمكن أن يتيح الغوص الداخلي بعيدا عن السطوح المتعثرة. كما أنّ المتأمِّل في تلك النصوص سيجد أن الالتزام صار بداخل العاطفة وتجربته الشعرية بمثابة المعادل الموضوعي الذي يدلنا على أنه لا توجد قطيعة بين الماضي والحاضر وبين الريف والمدينة بل هناك تواصل ديمومة بين هذه الأطراف، ذلك أن أهل المدينة متشوقون إلى الحداثة التي لا ينبئهم عن بلوغهم لها سوى الوعي المديني الشاعري كما حاولنا أن نرسم له بعض الملامح من خلال شعرية أمل دنقل رحمة الله عليه.

 

هومش ومراجع (أنظر مجلة نقش العدد ٦)

 

عن admin 1

شاهد أيضاً

أسيد الحوتري

رواية (المؤابي): المسكوت عنه في ثورة الكرك/ أُسَيْد الحوتري

  رواية (المؤابي): المسكوت عنه في ثورة الكرك بقلم: أُسَيْد الحوتري قام الكاتب الأردني سامر …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: