الثلاثاء , مايو 24 2022
سمير أحمد الشريف
سمير أحمد الشريف

حافة النهر رواية أغفلها النقد /سمير أحمد الشريف

2

سمير أحمد الشريف
سمير أحمد الشريف

 

حافة النهر رواية أغفلها النقد

سمير أحمد الشريف

 

ما من مرّة أعاود فيها قراءة “علي حسين خلف” حتى أدرك الغبن الذي حلّ بالرجل، والتقصير الذي لقيه أدبه، “علي حسين خلف”، الأديب صاحب التّجربة الطويلة المضنية، مؤلف ((الصهيل، الغربال، مدن وغريب واحد، خذوني إلى بيسان)) وغيرها، يطّل علينا برواياته ويُدخلنا فضاءات عالم رحب –عالم السجون والقمع والامتهان، وقبح العسكر الذين منونا بالخلاص.

رواية “حافة النهر” تحديدا، لم تأخذ حقّها كنصّ له خصوصية التّقنية الرّوائية التي يمكن القول معها إنّ مؤلفها تجاوز المألوف.

الرواية، جولة هادئة في عذابات يسوم العسكر بها كل صوت يتجاوز النوتة، وصرخة بوجه قتلة النقاء ومشوهي البراءة وهادمي أحلام البسطاء، المصادرين لأرواحهم.

حمل الكاتب عدسته، أوغل في الأقبية مسجلا حركات العسكر، راصدا خلجاتهم، راسما نبضهم واختلاجات أرواحهم، مصورا تضاريس أجسادهم التي حرثتها سياط الجلادين.

تفحص الرجل الصدر، عاوده حنين للبكاء، هل يعقل أن تستخدم كماشة؟ عظام الترقوة مهشمة، وخزات سكين فوق مقدمة الكتفين، دم جاف بارد يتكتل تحت الإبطين بفعل طعنات تشبه ضربات مفك، البطن تتوسطه خرمشات أظافر، وقبضات شد وتمزق.. هذه السلطة التي توظف سجانها لتشويه الكمال الآدمي، كيف يكون شكلها، وما هو مستقبلها؟ هل نصدّق أنها تعمل لمصلحة الإنسان؟ أية كذبة هذه التي يضحكون بها علينا؟ الإنسان هو أداة قياس النقاء لكل السلطات، فكيف جاءت صورتها في هذه الرواية، وبماذا رمز لها؟

يقترب طول الضابط “عزام” من المترين إلا قليلا، وزنه يتجاوز المائة وستين كيلو غراما، ثلثه في كرشه، وثلثاه الآخران في أكتافه حتى قدميه، رأسه مثل بيضة القبان للترجيح، رأس صغير على جسد دبّ ضخم، يرعب الناظرين ويحظى بتعليقات المارة.

هذه الصورة الكاريكاتورية، تزداد وضوحا وتشخيصا وعرضا للحال عندما لا تنطلي ألاعيب السلطة وأدواتها حتى على زوجات رموزها، فهل يمكن مجرد تخيّل، سلطة دموية تقوم على الكذب؟

تقول زوجة الضابط:

– أين تختفي في الليل؟

– مهام كثيرة …الوضع خطير، وأولاد الحرام يجهزّون الانقلاب.

– إذا كنتم تعاملون زوجاتكم بهذه الطريقة، كان الله في عون الشعب.

يبتسم:

– طفح الكيل يا رجل

– أصرت معهم؟ …….

لكن أين هو الأمن وأين هي الطمأنينة التي يتمناها المواطن في بلد الثورات؟

هل ينام المواطن مرتا ح البال أم صريح كوابيس الانقلابات وتهديد العصابات… قال المحامي إن البلد تتلقى إنذارات على الهاتف وعلى شكل قصاصات ورق، هو نفسه تلقى إنذارا خطيا لسحب يده من إحدى القضايا.

السلطة هذه لا توفّر الأمن حتى لقضاتها فكيف توفره لشعبها؟ قضاة السلطة حائرون بين مطرقة النظام وسندان العصابات.

-أرادوا تزوير التقرير

– من هم؟

– مجهولون … هاتفوني في البيت، هددوني

– هكذا بكل وقاحة؟

– دسوا ورقة تهديد من تحت الباب …. ولكن الله أعانني على قول الحق.

– نحن في غابه، هذه ليست دولة.

– بل دولة، ولكن دولة لصوص ……

وليس هذا فقط، بقي الكثير من الوسائل الدنيئة التي تُستخدم للإيقاع بالأبرياء عن طريق النساء، لإرغامهم على التعاون وكتابة التقارير.

“حافة النهر”، نص يمتلك أدواته ويقف جنبا لجنب مع الأعمال الإبداعية التي تناولت هموم السجين السياسي، إن لم تتصدرها، لكن ما يلحظه المتلقي، فجائعية الحدث وبشاعة التفاصيل ولا إنسانية الجلاوزة، مما ألح على ذهن الكاتب واحتلّ وجدان المتلقي الذي انساق وراء الحوارات الطويلة، ودنا من الخطابية وشارف حدود المباشرة في بعض المواقف.

اتّكاء النص على تفاصيل وثائقية، غلّف الحدث الروائي بإطار بوليسي، ساهم في لفت انتباه المتلقي لمتابعة مأساوية الواقع وحجم بشاعته، وليظل “علي حسين خلف” بعمله وأعماله السابقة، علما أضاء شمعة على طريق الأدب العربي.

*رواية حافة النهر دار ابن رشد، عمّان 1989.

علي حسين خلف
علي حسين خلف

عن admin 1

شاهد أيضاً

أسيد الحوتري

تمظهرات الموت في (ليل طويل حياة قصيرة) لمجدي دعيبس / أسيد الحوتري

تمظهرات الموت: في المجموعة القصصية (ليل طويل حياة قصيرة)، للكاتب الأردني مجدي دعيبس. أسيد الحوتري. …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: