السبت , نوفمبر 27 2021
وداد أبوشنب

حنظلة النعيمي.. سردية /انتقائية الحياة والموت / وداد أبوشنب

وداد أبوشنب

حنظلة: 

سردية/انتقائية الحياة والموت

رؤية وداد أبوشنب

“حنظلة”، الرواية اللغز أو الرواية اللغم، لصاحبتها بديعة النعيمي، صادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، ممتدّة على 190 صفحة على مسار الكتاب ذي القطع المتوسط بين دفتين سوداويتي اللون، تستدرجان المتلقي إلى استحضار ناجي العلي وأسطورته حنظلة. 

بديعة النعيمي

هجرة العتبات بين المداخل الملغومة (الوهم) للرواية: 

يبدأ التواطؤ في هذه الرواية من تصميم الغلاف إلى آخر حرف خطّته الروائية، ما بين الروائية التي ألقت لمتلقيها طعم الوهم أو الإيحاء بأن الرواية ترمي إلى حياة حنظلة بعد ناجي العلي، ذلك الحنظلة الذي لم يكبر، فالتقم المصمّم الطعم وأبدع في إنجاز الغلاف الذي عزّز مكيدة الروائية في الإيقاع بقارئها وجذبه ليقرأ الرواية من أولها إلى آخرها. 

من عتبة العنوان: “حنظلة” إلى عتبة اللوحة السوداء التي تنبثق من وسطها خارطة فلسطين باللون الأبيض ومشهد القدس الذي يطلّ عليه حنظلة العلي حاملا علم فلسطين!! إلى الغلاف الخلفي حيث اختارت نصّا كمينا يحيل مباشرة إلى عودة الأمل وعودة حنظلة العلي: ((عاد حنظلة يا ناجي وقد كبر، يحمل في قلبه ثورة، فكّ قيده، أدار وجهه للعالم، وحمل في يده قنبلة. قال حين وقف على تراب يافا.. كم هو غريب ذلك الإحساس حينما تلامس قدماك الأرض التي ولدت عليها، تنفّست هواءها، بعد الضياع في أرض كرهتك منذ خطواتك الأولى عليها، منَّت عليك بذرات هوائها، أخذت شبابك، وفي النهاية اشتهت جسدك، وأرادت الاحتفاظ بك داخل أحشائها…؟؟؟)). في هذه الفقرة التي انتقتها الروائية إيهام صارخ بأنّ البطل ما هو إلا حنظلة العلي الذي لم يكبر وبقي يطالع بيارات البرتقال وقت النزوح القسري!! 

إلى تقسيم الهيكل أو الشّكل الروائي إلى ثلاثة أقسام:

 القسم الأول: تقديم لذكريات حياة، ووصية ناجي لابنه حنظلة بفتح صندوق أمّه (ميراثه الوحيد، شرارة المقاومة) بعد التخرج، كما عرضت الروائية علينا في هذا القسم سفر حنظلة إلى نيويورك كي يستكمل دراسته، ومجموعةَ أحداث في نيويورك تضمنت عرضا تاريخيا (غرضه تعزيز المقاومة في روح المتلقي وتجديد التاريخ الفلسطيني له)،  وأدخلته (العرض التاريخي) في متن نصها عبر أسلوب عجائبي فريد، وهو العودة إلى زمن مضى (الانتقال عبر الزمن) حيث علق حنظلة وصديقه الأسود مارتن، وكانت هنا لعبة العرض التاريخي الذي قدمته الروائية للقارئ بكل مهارة ليتعلق بالنص القديم (تعاليات نصية أو على سبيل التعميم كنوع من التناص، أو التعالق النصي) فيتبع بكل انتباه العرض منتظرا مآله بطريقة عجائبية أيضا، واضعا تأويلات مختلفةً، ليتفاجأ في آخر العرض بأنّ المشهد التاريخي العجائبي كان محض كابوس استيقظ منه صاحبه حنظلة على صافرة القطار. 

أما القسم الثالث فهو نتيجة للقسم الثاني وهو مرحلة ما بعد فتح الصندوق (صندوق المقاومة).

القسم الثاني: 

وهو الجزء الأكبر من حيث عدد الصّفحات ومن حيث الأحداث. هنا تكمن الرواية الأمّ، أو السبب، أو الحافز، هذا التضمين السردي الذي لجأت إليه الروائية يحمل أبعادا متشعبة: تاريخية، ونفسية، وأيديولوجية، وسردية، و…، رواية حياة كامنة بين قسمين يُعنيان بحنظلة ومسار حياته وتطورها (مقدمة وخاتمة)، تلك الرواية التي تعتمد تقنية التضمين السردي إضافة إلى كونها متضمَّنة في رواية عامّة أصلا. في القسم الثاني نجد نقلة نوعية في أسلوب العرض وفي محتوى القصص المطروحة وطريقة طرحها. وطريقة العرض هنا كانت بوضع عناوين فرعية لكلّ فصل على خلاف القسمين الأوّل والثالث حيث اكتفت بالترقيم وتصفير الترقيم مع بداية كلّ فصل. 

تلك العناوين الفرعية ليست اعتباطية، إنّما جاءت لتروي حكاية هامشها الحياة كلها، حياة تلخص حكايا المعتقل التي كانت قبل عقود من الزمن، حنين حياة لمن تركتهم خارج قضبان معتقل الرملة، حكايا “مقبولة” المؤلمة التي كانت تُعرض أحيانا بقالب ساخر، وأحيانا أخرى كانت تسردها بواقعية مؤلمة جدا، كما تخطف الصحافية دون اسم معروف بعض حياة المعتقل، قبل انتحارها وبعده، ودلال التي كانت تبثّ بيانات ثقافية وأخرى وطنية بين المعتقلات، فمن دخلت المعتقل جاهلة خرجت منه مثقفة. 

عناوين القسم الثاني الفرعية تدلّ على كون هذا القسم قنبلة موقوتة، عن طريقه يتجدّد الوعي القومي عامّة ووعي الشعب الفلسطيني بخاصة، ممثلا بحنظلة ناجي/ابن حياة المقدسية. 

الالتفات السردي والتحوّلات السّردية

سأعود إلى تقنية التضمين السردي التي ميّزت فعلا هذا العمل الروائي، كما ذكرت، رواية حياة الكامنة بين قسمين (مقدمة وخاتمة تخصّان حنظلة بالدرجة الأولى) جاءت في صندوق ذكريات استحضره حنظلة بناء على طلب أمه حياة حين أوصت زوجها ناجي قبل وفاتها، صندوق المقاومة الذي قلب حياة حنظلة رأسا على عقب، فحرّك فيه الجينات الوراثية للمقاومة التي بداخله بعدما كان يستغربها. 

قسم يحمل في ثناياه سيرة ذاتية لحياة، وسيراً غيرية للصحافية ولدلال ولمقبولة، علما بأنّ مقبولة كانت تروي سيرتها أيضا في شكل حكايات ليلية مع حكاياها الشعبية التي تسردها للمعتقلات. 

كانت السادرة “حياة” ساردة من الدرجة الأولى تحيل السرد إلى مقبولة على سبيل المثال، وهي (مقبولة) ساردة من الدرجة الثانية، والتي تحيل السرد بدورها أحيانا إلى الجدّة حلوة التي تغدو ساردة من الدرجة الثالثة. وكانت الروائية بديعة النعيمي تنتقل عبر مستويات السرد بطريقة كتّاب الواقعية السحرية، اعتمادا على الالتفات السردي، لا سيما الكاتب خوسيه ساراماغو، كما في روايته العمى على سبيل المثال، فكان يحوّل درجة السارد عن طريق تقنية الحوار، والذي يكون واضحا لدى القارئ دون أن يسبِّب له لبسا، لأنّ في اللغة اللاتينية ننتقل بين المعاني عن طريق الحروف الكبيرة capital letters  ، بينما بديعة النعيمي  استخدمت تقنيةَ الكتابة المتمثّلةَ في الانتقال إلى فقرة جديدة، دون التنويه بالانتقال من سارد إلى آخر، ومثال ذلك ما جاء في الصفحات 95 – 96 – 97 – 98 حيث كانت حياة هي الساردة:

 ((كثيرة هي حكاياتك البريئة (…) لو تدري يا ناجي لقد غدونا كالأطفال نسعد عندما يأتي الليل، ويحين موعد حكايات مقبولة (…) لم تكن تعي الكثير عن الثورة والثوّار.

(لقد كنت كالقطّة المغمضة) قالت ذات مرة، استيقظنا تلك الليلة على صوت زوامير سيارات اليهود (…) واستحفظت وحيدها لله وظلّت على أمل أن يعود لتتلقاه بين ذراعيها يوما.

كانت مقبولة تقول إنها إذا ما خرجت من هنا بسلام (…) لأنها تهدم كلّ شيء (…) حين تتكلّم مقبولة فتخرج الكلمات من بين أسنانها كالحملان البريئة.

زوّجوني وأنا كارهة برجل من عمر جدي.

قلت له من الباب للطاق بأن ترهلات جسده تخيفني (…) لأرى مالذي ستفعله تلك الكرة المجعدة من دونها ..؟؟

لله درّك يا مقبولة (…) الآن في مستشفى المجانين.

كنّا نصفق لنص نصيص في حكايات جدّتي حلوة (…) ينتصر الرجل الحصان في المعركة عند الفجر.

وكانت تردف بعد إكمال الحكاية (…) لأنها باتت تعرف كلّ شيء)).

(الخط العريض للساردة من الدرجة الثانية: مقبولة)

هذا نموذج عن تحويل السرد من درجة إلى أخرى في رواية حنظلة، وهو معتمَد في السرديات عامّة، حتّى إنّ الروائية كانت تنتقل بسلاسة كبيرة وتِلقائية وإتقان في إحالة السرد إلى الساردين، لا سيما أنها كانت تحترم الأصوات واختلافاتها، فلغة مقبولة على سبيل المثال تختلف تماما عن لغة حياة، وهذا كان دأب الروائية في الرواية كلها، ومع محاولتها الجيدة في إتقان الالتفات السردي أو تحويل الضمائر السردية (السرد) من درجة إلى أخرى، إلا أنّها أخفقت عندما وقعت في فخ المبالغة عند نصب كمائن لمتلقيها بغرض الانتباه وشدّه في روايتها، فكانت علامات الترقيم وتقنيات الكتابة تخونها كما في النص الآتي:

((نضحي بقوّتنا أحيانا ونركلها بعيدا من أجل من نحبّ (…) يومها بكت مقبولة، لامتني كثيرا، احتضنتني، غمرتني دموع صدقها وبراءتها، وهذا يكفيني. لمن سأخرج يا حياة؟ لا أحد سيكون هناك في العراقيب بانتظاري سوى ذلك العجوز الأناني. (…) هل كرهها بالفعل؟ هل انعتق من سحر جسدها؟ بكت مقبولة وكانت الدموع تنسرب من عينيها (…)))(152-153).

الكتابة بالخط الغليظ هي للساردة من الدرجة الثانية التي انتقل إليها السرد بطريقة أخفقت الروائية في انتقائها، بحيب لا يجوز هذا للكاتب العربي، لا شيء يوحي بأن مقبولة التقطت السرد لتقوم بمهمة السرد بعد حياة!!

سيمياء الأسماء 

في الرواية زاوية أجادت الروائية نسجها وإهداءها إلى القارئ، وهي زاوية الأسماء والشخصيات، فتلك الأسماء لم تكن أبدا اعتباطية، إنّما هي منتقاة وبعناية فائقة، ويتجلّى ذلك في اسم حنظلة الذي لا يشبه حنظلة العلي في شيء غير حلم أشجار البرتقال اليافاوي، واسم الأب المنتقى بكل عناية لأبعاد ترمي إليها الروائية. ناجي اليافاوي هو الناجي الوحيد، الذي كان يخرج باستمرار من المعتقل كلما اقتيد إليه ((كبرت في بيت عمتي فغالبا ما كان أبي يُعتَقل لأشهر))(11)، وحياة التي لم ترَ الحياة إلا في معتقل عانقته ورفضت الخروج منه إلاّ إلى القبر، ومقبولة تلك التي عاشت نكاية في الموت لا أكثر، مقبولة فحسب! ليست بالسامية ولا بالدانية! ومارتن الأسود الذي اغتيل والده الصّحافي لأنه يؤمن بالقضايا التحرّرية لا سيما القضية الفلسطينية! مارتن الأسود الذي أنقذ حنظلة الفلسطيني، إحالة واضحة إلى صاحب القبضة السوداء “مارتن لوثر كينغ”، كما أن الشخصيات المعرّاة من الأسماء تحمل أبعادا وظيفية في مدلولات أسمائها، كالصحافية التي انتحرت، والسمين الذي اغتيل، واليهودي ذي الذقن الطويل، لكن السؤال هنا: لماذا أقرنت الروائية اسم الجزائري بجنسيته (أحمد، الجزائري) ولم تتجاهل أحدهما؟؟ وهو شخصية عابرة في نصها الروائي؟؟

لن أطيل في سيمياء الأسماء وأكتفي بالإشارة إليها بالبنان لأنّها دوال ومدلولات واضحة تلمس بسهولة روح المتلّقي وفكره!!

 

أفق الانتظار:

تراوغ الروائية بديعة النعيمي عن طريق تقنيات سرد مختلفة، فتحيِّر قارئها، وتشدُّه إليها دون رحمة، فلا شيء يُجنى مجانا، لكنها ترهقه أحيانا إذ تلجأ إلى طرح قضايا ثم تسكت عنها تاركة له حرية التفسير، ومثل ذلك موت حياة، فقد تَقَرَّرَ إطلاق سراحها بعد التأكّد من إصابتها بسرطان الدماغ، لكنها رفضت، وأوحت بديعة للقارئ عن طريق مناجاة حياة لناجي وطلب معطفه الذي شهد حبّهما وميلاد طفلهما حنظلة، -أوحت للقارئ- بهذا الحنين، بأنّها ستخرج لا محالة من أجل ذلك الطفل الذي لا تغادر رائحته جوارحها، ومن ناحية أخرى تُقَرِّر الموتَ في السجن، ولم تفصِل بديعة في هذا التذبذب، ولم تصرِّح لمتلقيها بموت حياة، ولا ببقائها في السجن أو خروجها منه، وكان هذا نوعا من مجمل الدهشات التي سجلتها الروائية في مرمى متلقيها فاتحة أمامه باب التأويل بمصراعيه.

ومثل ذلك حنظلة الذي تغيّر تماما وعاد أمريكيا بشهادة هندسة نووية أهّلته لتفجير أهم مفاعل نووي هناك (ديمونة)، لم تسرد بديعة ذلك، إنّما أوحت بذلك لمتلقيها بإعطائه بطاقة عن حنظلة، وله حرية التأويل!! وإنتاج المعنى بين المقصدية (الروائية) والتأويل (المتلقي).

وتكمن مفارقة صغيرة في سرّ اللعبة التي جلبها حنظلة، والتي كانت تبادلة الحياة، كما كان يظن، في الوقت الذي كانت تعمل (اللعبة) على تركيب الموت، بلغة الصمت، فالحياة كانت وهما لديه، ولعبة طفولته لم تفِ بدور الأمومة، ولعبته كبيرا لم تجلب له غير مشروع الموت الذي صدم القارئ وقت تصريح مارتن بأنها جاسوسة مزودة بجهاز تسجيل وعدسة مراقبة، ذلك الصمت الذي لا يفسَّر بغير الموت كما في دراسة جيرار جينيت في البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست، كل صمت دلالته الموت، فلم تنجُ الصحافية بصمتها، وعاشت مقبولة بثرثرتها. 

 

تيمة القلق وتمييع الزمن

سأنوِّه بداية بزمن لا أقصده هنا، وهو الزمن السردي حيث بدأت الرواية بزمنٍ عامٍ، كان قبل انتقال حنظلة إلى مكان آخر “نيويورك”، ثم بسابقة كبرى تمثلت في القسم الثاني الذي أعادنا عقودا إلى زمن مضى، وختمت بالعودة إلى الزمن الحالي، عن طريق تقنيتَي السوابق واللواحق. كما لعبت الروائية بخاصية السفر عبر الزمن من أجل استعراض مرحلة تاريخية عبر تحويل الشخصيتين مارتن وحنظلة إلى شاهدين حيَّين لأحداث تلك الفترة…

أمّا الزمن الكرونولوجي، فلم يكن ذا قيمة حقيقية لدى الروائية، فلم تحدّده إلاّ في بداية القسم الأخير:

((الساعة الثانية والنصف صباحا، المدينة لا تزال تمارس عهرها في الخارج (…) فصول تولد وأخرى تموت.

الساعة الرابعة صباحا، دخان يتلوّى، فوق الأوراق …))(171).

لم يكن للزمن الحقيقي أهمية لدى الروائية، وربّما في هذا نوع من العبثية، إذ إنّ كلّ وقت سيمضي بشكل أو بآخر ((فالوقت عادة لا يعترف بأحلامنا، ننقاد له، يضيِّعنا ويضيع بدوره من بين أصابعنا كذرّات تهرب، مسرعة من عنق ساعة رملية في عماء أيامنا))(9)

((هاهي ساعة منتصف الليل تدقّ بلا عقارب ولا وقت، فالعقارب أصابها العطب والوقت مات وسط زحمة الرتابة..))(91).

((كل شيء هنا يشيخ باكرا وبطريقة استفزازية للوقت الذي يضطر بأن يكسر العقارب في ساعاته الدائرية، المربعة، المثلثة، ليتمكن من اللحاق بزمن هذا المكان))(154).

((فأيقنت بأنّ الاعتماد على الوقت أمل هشّ، هشّ جدا لدرجة أنه قادر على كسر الإرادة في النهاية))(167).

الوقت مائع جدّا في هذه الرواية لأنه يمرّ على شخصيات في زنزانة، وغالبيتهن لا أمل لهن في رؤية سماء الحرية، كما اغتال الوقت أمل حنظلة قبل عودته، وهو بين أذرع تلك المدينة الأخطبوط، العاهرة كما يسميها، ساعة تدق بلا عقارب، هي ساعة ميتة ودقاتها مجرّد إيقاع مستفز.. 

يتصل القلق الوجودي المرتبط بالإنسان بزمن الرواية المتعلِّق بالشخصيات، وقد صرّحت الروائية بذلك في الصفحة 154، عبثية يائسة تطفو على روح المقاومة التي تحملها بديعة على لسان حياة ودلال وناجي وحنظلة، تلك الحياة التي وقَّعَت على يأسها الصحافية بالانتحار، واستسلمت بل وأصرّت حياة على الموت بين أحضان زنزانة باردة عفنة بدل أحضان الابن والزوج، ذلك لأنّ الوقت مائع جدا حدّ الثبوت وعدم الحركة، وحدّ الانسياب السريع هربا من صمود البشر، ومن آمالهم المتعلّقة بالوقت.. 

ذلك القلق الذي يتسرّب تناظريا من الزنزانة إلى خارجها ومن الخارج إليها، هو الذي يحرك الشخصيات، ويعبث بالوقت الذي لم يعد أحد يسأل عنه، ويكفي أن يُعرف بأنه صباح أو مساء أو صيف أو شتاء أو …، ذلك لأنّ ((معاركنا خاسرة أمام الوقت))(87) وهذا عنوان فرعي يؤكد على خذلان الوقت المقنّع بالأسى للإنسان، ويدعم ذلك المفهوم عنوان آخر ((مؤلم أن تسقط الأيام منّا ونحن في زنزانة))(115). 

الوقت والقلق في رواية “حنظلة” صنوان يُعَدّان ملحا يرش على جرح ذاكرة الشعب الفلسطيني بخاصّة وعلى القومية العربية عامّة.

رواية “حنظلة” وشم في ذاكرة الإنسان العربي كي لا ينسى تاريخه وقضاياه لا سيما القضية الفلسطينية التي تحاول الروائية إثبات سرديتها الذاتية (الصغرى) من خلال مفاصل الرواية واستراتيجية شخصياتها وتداعيات أحداثها، ومن خلال تاريخيتها، وقوميتها، وأيديولوجيتها التي تنحو منحى الحركات التحررية في العالم. 

ولمن لا يعرف بديعة النعيمي فهي روائية أردنية مشرَّبة بالقومية العربية، ويسري في عروقها الدم الفلسطيني، لديها أربع روايات كلهّا تصب في القضية الفلسطينية: فراشات شرانقها الموت، مزاد علني، عندما تزهر البنادق، حنظلة. والرواية الخامسة قيد الإنجاز … تلك هي بديعة النعيمي بسرديتها الصغرى التي لن تتخلى عنها!!

حنظلة

عن admin 1

شاهد أيضاً

تيسير الشماسين

إشهاد إبداعي بحق فاتن أبي شر خ / الشاعر تيسير الشماسين

الحضور الكريم، الزّميلتين، صاحبة الفكرة و العبرة الأديبة المتفردة النظّرة العطرة أستاذتتا الفارعة فاتن أبو …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: