الأحد , نوفمبر 28 2021
وداد أبوشنب

صورة القلق في “تمتمات روح مؤرّقة” لفاتن أبوشرخ/الناقدة وداد أبوشنب

وداد أبوشنب

القلق تلك الكلمة التي كلما ضاقت اتّسع الشعور بها، ويبدأ القلق عند فاتن أبوشرخ قبل هذه التمتمات، القلق عندها يبدأ من حيث تأخرُها في إصدار كتابها البكر الذي بين أيدينا!! والقلق حافز للكينونة والإبداع، فلولاه ما أبدعت فاتن!

النصوص التي بين دفتي الكتاب، نصوص عميقة جدا يمكن انتقاء تيمات مختلفة منها، على أقل تقدير تيمة الاغتراب، لكنني ارتأيت أن أخوض في تيمة القلق في نصوص فاتن أبو شرخ، لأنها تيمة جزئية تتغلغل في عدة بنى واسعة، مثل الخوف والاغتراب والحب .. القلق بنية جزئية دقيقة من كل التيمات.

“تمتمات روح مؤرقة” حصاد قلق سنين مضت على صفحة عمر الكاتبة فاتن أبوشرخ، هي قبل البداية، مجرد تمتمات، لكن ما يميزها هو أنها لروح مؤرَّقة. قبل البدء عليّ التنويه بأن هذه التمتمات صادرة عن دار العنقاء للنشر والتوزيع، في 112 صفحة من القطع المتوسط، يغلب على غلافها اللون الأزرق، ذلك اللون الذي يدل على السلام والهدوء والعمق والسكينة، حيث تخفي فاتن خلفها القلق الذي يسكنها، وربما هذا ما تصبو إليه (السكينة والسلام والهدوء)، وصورة تتصدر الغلاف لحمائم سلام تحيط بامرأة وتمنع إحدى هذه الحمائم الرؤية عنها، كأنما السلام والحقيقة اللذان يشغلان الكاتبة غطيا عن بقية مناحي الحياة، وفي هذا تشاؤم أساسه القلق!

على الغلاف الخلفي تنتقي الكاتبة حروفا ترسم هويتها وتعلنها:

((على صدر السراب

كبُرْتُ

وستائر التعب

تنهك أجساد قصائدي

الغافياتِ في سلة نور

كبرَتْ

نوتاتُ بكائي ملوِّحةً للغائبين

الذين خلفوا أوردة تتلوى وجعا))

ليس في النص غير كلمتي “سلة نور” تحيلان إلى الأمل، وهي عبارة مخدِّرة لروحها المؤرَّقة، لأنّ الأصل والمراد هو أن أجساد القصائد التي تحمل الكثير، غافية في سلة نور. النور وراحة البال مجرد وهم، ومحض سراب يخدر الواقع المعيش.

كعادة كلّ كاتب، البداية إهداء، هنا في الإهداء بعض الأسى وبعض الشجن، تصله بكل تفاؤل بسلسلة إهداءات: الإبن والبنات، إلى روح الأب وإلى الأم، وإلى الصديقات والأصدقاء.. كأنما هذا الكيان هو بلسم جراح روح فاتن أبوشرخ، في الإهداء فقط نجد محطة تفاؤل.

فاتن أبوشرخ

نص “نقش” أعتبره أولَ نصوص الكتاب، لأن النصين اللذين يسبقانه كانا محض إهداء لروح الوالد وللوالدة وللأبناء..

في “نقش” كما يوحي العنوان، تسريب لحفنة فأل، كنقش حناء في ليلة مفرحة، أو نقش حرفي حبيبين على صخرة أو جذع شجرة للذكرى.. لكن فاتن أبوشرخ تصدم متلقيها بالمعجم المثقل  بالحزن والقلق والعبثية فتبدأ بتعليق أسئلتها على جدار الريح، فلا الريح تحافظ عليها لعلّ عابرَ سبيلٍ يمرّ ويضع الإجابة لينشلها من الحيرة، ولا الريح أيضا تُذهب شجنها مع الأسئلة!! السجن، القهر، الضياع، وحتى الدوح آل إلى القفر، الأرزاء، الحزن، الظلم، صروف المحن، طبول الذل، المعول، الكفن (ترى في البياض كفنا لا أملا) وفي هذا دلالة على القلق من الموت، الحب لديها لواعج (حرقة وألم)، تخلد فاتن إلى الخيال كنوع من الراحة، فالواقع يخذلها دوما، رعب وذهول، خفوت الضوء أو بعده وكثرة العبث، هنا يزرع القلق نواته في العبثية/العدمية التي تسكن الأديبة فاتن، كل شيء بعد قميص أمها يلوح بالموت وتختفي الأحلام تحت ثقل كف الليل.. كل شيء إلى عدم..!

في هذا النص نلاحظ كمية الشحن بفلسفة الوجود، أو القلق الوجودي من باب التخصيص، حيث أنها تختار الأمل لكن الواقع يخذلها، فهي كما يرى جان بول سارتر حرّة في اختيار الفرح لكنها مجبورة على هذه الحرية، وهي تئن وتختار بكل حرية الأنين، لكنها مجبرة على اختياره إذ لا مآل لها غيره ..

تمضي الأديبة في التعبير عن روحها المؤرَّقة، فما تكاد ترسم حرفا من أمل حتى تفاجئ قارئها بصفعة من قلق وخوف وألم ويأس كما هو الحال في نص “حنيني” حيث الأمل والجمال اللّذان تختمهما بخيبة انتظار حقيقية نقديا (أفق الانتظار كما يحدده “ياوس”)، وشعوريا فتسجل هدفا في شباك الدهشة: ((أنتظر.. فتجيبني اللاءات: لن يأتيك أحد!)).

تيمة القلق، تيمة تطوَّرت تصاعديا مع تطوّر التكنولوجيا، خوفا أو قلقا من عدم المواكبة، أو خوفا من ازدياد برودة المكان والأرواح التي باتت شاغرة خاوية لا دفء حب، ولا حياة اجتماعية سوية كما كانت من قبل، تلك البرودة التي يحفزها القلق تظهر تصريحا في نص “سهو” عندما استرسلت متنبئة متوقعة آملة أنه سيأتي يوم على التكنولوجيا وتختفي وتلقى الكيبوردات كخشبات ميتة، ونتدارك واقعنا المأفون زهرا وأملا كما كان. وفي هذا النّص تعبير عن أمل وقلق، يتطوران كرونولوجيا على مسار خطيّ للعبة الزمن، فهي تصبو إلى اختفاء التكنولوجيا، وتخشى استمراريتها، لأن ما ضاع سهوا، قد يضيع مرّة أخرى سهوا أيضا!!

“ما عدنا نعتذر”، نص عن هواجس الطفولة، حيث الزمن والخرافات، والأشياء الجميلة والعبثية في آن واحد، تتصاعد الحركة في ذكريات الطفولة، إلى أن تنتهي بالبرود التام كما يظهر من السطر الأخير والذي يمثل العنوان أيضا: ((ما عدنا نعتذر))، هل عدم الاعتذار هو تشبّع بالقلق حدّ اللامبالاة؟

فلسطين حاضرة في نص “يخيفون الخوف” ذلك النص الذي يتحدّى الواقع الراهن، يعلن المقاومة من رحم الخوف، من بؤرة القلق، يعلن الحرية التي ما فتئ الإنسان مذ خلق يدّعيها، الحرية القسرية وإقصاء المحتل، ورفضه بطريقة أو بأخرى، لا سيما طريقة النفي بكوننا لسنا أيتاما لنستجدي العطف!! نص يرفض الأنظمة المستعارة (تعبير خاص بي)، يرفض القلق من ردود الفعل، من المقاومة ..

على سبيل الموسيقى في النص الشعري  –وقد حضر في هذا الكتاب نصان- من ناحية الأسلوبية قد نجد مبررا لقصيدة “صوتك عبر المحال” تلك القصيدة أو بالأحرى أسميها مقطوعة شعرية إذ لم يتجاوز عدد  أبياتها ستة  والتي نسجتها على بحر المتقارب، هنا لحقت علّة القصر بتفعيلة الضرب على طول المقطوعة فلم تأتِ تامة: فعولن = فعولْ، وكان بإمكانها بحركة إشباع للكسرة أن تكون تامة، مع أن جميع كلمات القافية جاءت مجرورة باستثناء واحدة ((على نبض حب يفوق الخيال)) ولدى فاتن من الثراء اللغوي ما يؤهلها لإيجاد بديل مجرور، لكن النفس الموسيقي حسب الأسلوبية النفسية، يخضع لنفسية الشاعر، أو الكاتب فيختار لا شعوريا لحنا أو إيقاعا دون آخر، وليس بمقدور إنسان قلق كفاتن أن يأتي بتفعيلة تامة ساعة كتابة ذلك النص والقلق يأكل حواسها ويسكن جوارحها..

وما بين “حفلة على الورق” و”عتمة الروح” و”هواجس” و”لي بين دمعتين” وغير ذلك من عناوين لنصوص فلسفية عميقة، تتلوّن باللون الرمادي، يأسا حينا وأملا حينا آخر، تجتاز فاتن شواطئها المتتالية فتصل، ويقذفها الموج ثانية نحو ضياع اليم العميق ما بين نوتة موسيقية تُجدِّف بها وهي تصبو إلى إرساء قاعدة حقيقية تقطع عندها الشك باليقين، لكن هيهات، فكل انتفاضاتها الوطنية وكل احتجاجاتها على الوجع الإنساني، تنتفض وتنثرها رياح الواقع الصادم فتعود فاتن دون يأس نابذة صوت القلق الكوني الذي جُبل عليه الإنسان، تتحدى وتتصدى لأصوات المغرضين الناهبين للأوطان .. ويعود القلق من جديد ..!!

تمتاز نصوص فاتن أبوشرخ على اختلاف أجناسها الأدبية، بأسلوب سردي شيِّق، تتخلله رمزيات كثيرة، والسرد لديها يتبع الحكي أو القص، فأن نرى في نصّ نثري سردا مشغولا بطريقة رمزية، هذا يعني أن نعمل أفكارنا وأخيلتنا فاتحين أبواب التأويل على مصراعيه، وفي ذلك إثراء للنص نتج عن تواطؤ بين المرسل والمتلقي كما يسميه منظرو نظريات القراءة ومنهم غادمير وياوس ..

وختاما أعود إلى البدء لأقول إن فاتن أبوشرخ ترفض جميع أنواع الاستيلاء الكامن في البلدان العربية، كالقضية الفلسطينية، والمغرب والجزائر. إنها لتحاصر الواقع بفلسفتها العميقة، فتعمد إلى الفلسفة والرمزية حينا، وتكتب بصريح الكلام حينا آخر، مراعية مقتضى الحال من جهة، وواقع المتلقي العربي من جهة أخرى.

تلك الكاتبة التي تعنى في نصوصها الجريئة، بالوضع العام للبلاد العربية، تعرج على بنات الجائحة التي تفرض علينا ما لم نكن نتوقعه يوما ما، فتعرض وترفض وتستنكر بكل موضوعية، تاركة الرأي الأخير لمتلقيها.

فاتن أبوشرخ، صاحبة القلم الحر الذي يبكي كلّما جرح إنسان في غزة، وكلّما عثر آخر في بغداد، وكلّما ناءت ليبيا بحمولها، وكلّما دمعت الجزائر لوهنها، فاتن تلك الإنسانة المجبولة بأوجاع الوطن من المحيط إلى الخليج، وهي تلك التي تستحضر طفولة كلما ازدادت سنة من عمر الوعي المحسوب عليها زمنا، فتدرك أن العبرة في الحرف الذي ستورثه للأجيال القادمة، ليصنعوا به مفاتيح عودة، ومقاليد عالم جديد تضع هي وأمثالُها من أصحاب الوعي الحقيقي لَبِنات الإصلاح والتأسيس لعالم أفضل.

“تمتمات روح مؤرقة”، أفكار في حروف، ترسم الحقيقة، وترنو إلى البحث عنها في أروقة حياة، الحقيقة: التصور والواقع! تلك هي فاتن أبو شرخ بالتصريح والتلميح، فتلقي نصها وتقول: لكم التأويل، وعليكم استمرارية البحث.. وإن هي إلا تمتمات لبدء طريق الاستجابة لصوت الحقيقة التي تأمل فاتن أن تجدها في جوف فكرة ما، اختبأت إلى حين وصول الوقت المناسب..

تمتمات في فلسفة وتأملات بين دفتي نتاج جديد للأستاذة فاتن أبو شرخ.

فاتن أبوشرخ

 

عن admin 1

شاهد أيضاً

هاني علي الهنيدي

بعض تقنيات القصة القصيرة جدا في مجموعة “ماذا لو” للقاص “سمير الشريف”/ هاني علي الهندي

بعض تقنيات القصة القصيرة جدا في مجموعة “ماذا لو” للقاص “سمير الشريف”. هاني علي الهندي …

تعليق واحد

  1. مبارك گل الأمنيات…بالتوفيق

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: