الأحد , سبتمبر 26 2021

صورة فلسطين في أدب الطفل “روضة الهدهد انموذجًا”/ بقلم هبة الجيوسي

هبة الجيوسي
الكاتبة روضة فهيم محمد الفرخ كاتبة أردنية من أصول فلسطينية، اشتهرت باسم روضة فرخ الهدهد، حاصلة على بكالوريس حقوق كما أنها درست ثلاث سنوات تخصص صيدلة في جامعة القاهرة، بدأت بالسبر في أغوار الكتابة للأطفال عام 1979، كان الدافع من وراء ذلك حبها الشديد للأطفال؛ مما جعلها تكتب لهم، باشرت بدراسة التاريخ الفلسطيني قبل كتابة أدب الأطفال وركزت على دراسة شخصيات هامة كان لها الأثر الكبير في التاريخ لتكون محور الحكايات البطولية التي تؤلفها للطفل.
شغلت روضة العديد من المناصب منها:
رئيسة منتخبة لهيئة المديرين في مدارس المنهل العالمية
عضو منتخب للهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين
وحصلت على العديد من الجوائز منها:هبة الجيوسي
جائزة الدولة التقديرية في أدب الأطفال
جائزة إربد عاصمة الثقافة الأردنية لأدب الطفل
تحتل القضية الفلسطينية حيزًا كبيرًا في موضوعات القصص الموجهة إلى الأطفال لروضة الهدهد فهي ترى أن قصصها يمكن توصيفها بأنها النبض الحي للقضية الفلسطينية، فتحاول من خلالها الجهاد في إيصال الفكرة ليس لأطفال فلسطين فحسب بل لكافة الأطفال في العالم، كما أن الموضوعات الفلسطينية في مُجمل قصصها متنباينة، فتاررة تكتب عن قصص بطولية لقامات بشرية، وتارة نكتب عن معاناة الأطفال داخل فلسطين، وأخرى تذكر فيها حقائق الهجرة في 1948، كل هذه الموضوعات قولبت بقالب يمكن إيصاله للطفل بطريقة تتناسب مع الفئة الموجهة لها القصة فتصل فكرة العنف والقمع الذي يتعرض له هذا الشعب على أرض الواقع بطريقة سلسلة.
تحتل اللغة المرتبة الأولى في عناصر البنية السردية في الأعمال الأدبية، وتقع على عاتق كاتب أدب الطفل مسؤولية أكبر في انتقاء ألفاظ اللغة في عمله؛ “لأن الكتابة للأطفال هي حصيلة دراسات مختلفة، وكاتب الأطفال يجب أن يدخل في اعتباره مختلف العوامل التربوية والسيكولوجية والأدبية والتقنية مع مراعاة المستوى المعجمي للقصص”.
كتبت روضة الهدهد قصصها باللغة العربية الفصيحة، مع مراعاة تناسب المعجم اللغوي للكلمات مع المعجم اللغوي للطفل، حيث تنبهت الكاتبة إلى الفرق بين مراحل الطفولة المبكرة والمتوسطة والمتأخرة، يظهر ذلك في انتقاء الألفاظ الجزلة في حكايات الطفولة المتأخرة، والألفاظ الميسرة للمرحلة المتوسطة، يتراءى لمتلقي هذا النتاج الأدبي أن الكاتبة استخدمت لغة مألوفة من محيط المكان والشخصيات في القصة مثل شهيد وسياج ومدفعية والبيارة، أرادت الكاتبة من هذا التوظيف لهذه الكلمات التي يعرفها كل طفل في أرض فلسطين فهي جزء من قاموسهم اللغوي الاجتماعي أن تنشر عبقها وتعلمها لكل أطفال العالم بوضعها داخل قصص الأطفال، ونلحظ أن سلسلتها الأخيرة ( ذاكرة الزمان والمكان) قد ترجمت إلى اللغة الإنجليزية، بُغية إيصال هذا الأدب إلى أطفال العالم أجمع، لتنقل حقائق قد تغيب عن أطفال الغرب.
كان للغة العامية ظهور في قصص روضة، حين ذكرت المقاطع الغنائية للأسرى في سجون الاحتلال، مثل مسرحية سر الشياطين الحمر، فقد نقلت الكلمات كما هي دون تحويلها للفصيحة، حتى تكون أبلغ في إيصال صورة المعاناة، ونقع أيضًا في قصة (أنا أُحب البندورة، أنا أُحب النحل الطنان) على حوارات كُتبت باللغة العامية.
عند الوقوف على اللغة في قصص الأطفال نجد أن الرسومات تمثل جزء من البنية السردية اللغوية في العمل الأدبي، وذلك لأن الرسومات موازية للغة النص، فالرسومات تعد شرحًا مبسطًا تقوم على غاية إيصال الفكرة للطفل بسهولة، كما أنها تعد أوعية تعبير ذات أهمية كبير بالنسبة للطفل وتتزايد هذه الأهمية كلما كان الأطفال أصغر سنًا، وأقل معرفة بالقراءة حتى لكأن الرسم وحده يصبح لغة معبرة” في أعمال روضة الهدهد الطفولية نلحظ أن الرسومات كانت تتناسب مع المرحلة الطفولية للمتلقي فهي لا تتبع كاريكاتير موحد لقصصها، ففي قصص البطولات والحروب تكون الرسومات مختلفة تمامًا عن رسومات القصص الاخرى مثل قصة ليلى والكنز، كما أن روضة اتخذت في قصتين من قصصها سلوك مغاير عن سلوك الكُتاب الآخرين في رسوماتها، ففي قصة لماذا قذيفة المدفع؟ وقصة رفرفة الجناحين شغل أطفال مدرسة المنهل دور الرسام وقاموا بترجمة الكلمات والمواضيع إلى رسومات من مخيلاتهم.
تبوأت الشخصيات مكانة بارزة في قصص روضة الهدهد فهناك سلاسل قامت على عنصر الشخصية بعنوانها ومضمونها، ومما ميز عناوين قصصها أن معظمها لم تأت باسم الشخصية مباشرة بل تعطي رمز ودلالة عليها مثل قصة (السجين الفنان) وهو السجين زهدي العدوي أول وأصغر سجين فلسطيني في سجون الإحتلال، وقصة (قافلة الفداء) أبطالها الشهيد محمد الحنيطي والشهيد سرور برهم، بطلان حاربا معًا واستشهدا معًا،مما يعمل على إضافة عنصر التشويق لقراءة واقتناء قصصها.
سعت روضة الهدهد إلى تسليط الضوء على شخصيات حملت سيرة عطرة أرادت أن تنشر هذه الروائح بين الأطفال فهي تراهم بناة الغد وصناع المستقبل فإن تربوا على مثل هذه الشخصيات النموذج فسيستقيم حالهم وسينبتون نباتًا حسنًا، يتضح لنا من خلال استقصاء قصص روضة الهدهد أنها موجهة للأطفال في مرحلتهم المتوسطة والمتأخرة، فيكون أثر الشخصية النموذج كبير في تنشئته، “لهذا يعتبر البطل في قصص الأطفال ركنًا مهمًا وضرورة تربوية، لأن الطفل في مرحلة تكوين الشخصية، أي مرحلة الطفولة المتأخرة يحتاج إلى قدوة، فيميل إلى الاستهواء والتمثيل والتقليد والتقمص”.
يتضح لنا أن الكاتبة تضفي قُدسية لشخصيات قصصها من خلال وسمهم بأسماء تحمل دلالات دينية عريقة ومن هذه الأسماء: (مناف، محمد، صلاح الدين، عثمان)، فتحاول بذلك استحضار قصص هذه الشخصيات المؤثرة في التاريخ العربي.
نلحظ في قصص روضة الهدهد أنها تقوم على عنصر الراوي بشكل ملحوظ، فغير قصة كان السرد فيها عن طريق راوي خارجي يسرد الأحداث ويوضح الحقائق، يتراءى للناقد أن حيز الراوي في القصص شغلته الكاتبة روضة الهدهد، فنجد في قصة لماذا قذيفة المدفع؟ مقدمة تقول فيها الكاتبة “كتبت هذه القصة بعد سماع محاضرة السيدة آن جوين من فريق الإغاثة الطبي لنصرة الشعب الفلسطيني”، أظهرت هذه المقدمة حال الراوي في القصة، أي أن الكاتبة هي المتلقية لأحداث القص وهي من قامت بسردها للطفل.
تقع هذه القصة تحت صنف الراوي المهيمن “الواقع خارج الأحداث، وهو العليم بكل شيء، والمحيط إحاطة كاملة بكل دقائق القصة وتفاصيلها”.
أما الحدث في قصص روضة فقد ابتدأ في معظم أعمالها منذ تهجير أهل فلسطين في 1948، فذكرت الأحداث التي عاشها الناس منذ خروجهم من منازلهم و الاحداث التي عاشها الناس في بعدهم عن بيوتهم وأراضيهم، مما يوضح لنا أن الحدث في مجمل قصص روضة كان في أزمة حبكته فالأحداث لم تأت منذ دخول اليهود للأراضي الفلسطينية بل جاء الحدث صاعدًا، ففي قصة ( أصوات الظلام) صاغت الكاتبة حدث بارز يعيشه أهل فلسطين بشكل متكرر وملحوظ وهو الاستيلاء على أراضي الناس دون وجه حق وفي المقابل يتمسك صاحب الأرض والبيت بممتلكاته حتى يحافظ عليها أو يُعتقل أو يتشهد.
نلحظ أن عنصر المكان الذي شغل مكانًا ملحوظًا في أدب الطفل، إذ أنه يظهر بأبهى الصور وأبهى حلة، كالشاطئ والمدرسة ومدين الملاهي، ففي قصص روضة الهدهد ظهر المكان موازي للألم والحصار الذي يعيشه أهل فلسطين، فغالبية الأمكنة التي ظهرت عند الكاتبة كان لها حدث تاريخي مهم مرتبط بجهاد أو كفاح، فنقع في قصة في إحراج يعبد على وطن غير فلسطين وهو سوريا، إلا أن أحداث القصة كانت تدور حول حياة عز الدين القسام، ونجد في قصة أخرى كقصة مهمة في الأغوار التي دارت أحداثها داخل الأردن، تمحورت مجرياتها أيضًا حول نضال أبناء الأردن في معركة الكرامة ضد اليهود.
يتضح للمتلقي أن المكان المتمحور حوله غالبية قصص روضة الهدهد هو فلسطين وضواحيها، فغير قصة في إصدارات روضة حملت اسم منطقة في فلسطين مثل صائم في سجن عكا، أسد فوق حيفا، الزمن الحزين في دير ياسين، كما أن المكان الفلسطيني حاضر بشدة في السير الذاتية للكاتبة إذ إنها وسمت كتب السيرة باسم اليافاوية1، اليافاوية 2، حددت الكاتبة في معظم أعمالها المكان منذ العتبة الأولى التي تواجه المتلقي وهي العنوان، بذلك تحدد الحيز المكاني في ذهن المتلقي منذ البداية.
اشتملت قصص روض الهدهد على مكان مفتوح وآخر مغلق أما المفتوح فتمثل بالمدينة والشارع والأرض مثل مسرحية شارع اسكندر عوض وقصة صراع في الغابة أما المكان المغلق فيتجلى بالسجن المعتم الذي عانى منه الأسرى كما في قصة صائم في سجن عكا والسجين الفنان.
أما الزمن فنجد أنه كان حاضر في قصصها إما بالعنوان مثل قصة (كنعان وحنظلة في نفق المسجد الأقصى 2006، أو في مضمون النص الأدبي يتبين لنا أن سنة 1948 هي السنة الغالبة في قصص روضة، فتبدأ معظم قصصها بأحداث عاشها البطل أو البطلة في القصة، وهذا دليل على عمق تأثرها بمجريات هذه السنة، ومما يؤكد هذه الفكرة أنها في سنة 2020 أصدرت قصة ( طاقية من اللد)، وذكرت في البداية أن القصة تدور حول حال أم محمود التي عانت من الهجرة القسرية سنة 1948، كما يتبين لنا أن سلسلتها الطويلة بعنوان (حكايات بطولية للأطفال) كان ظهور الزمن والمكان جلي جدًا للمتلقي، حيث أنها سردت معارك ومواقع وأحداث، فكان لزامًا عليها ذكر الزمن والمكان الذي حدثت به المجريات، كما أن وقت الليل أيضًا من السمات الملحوظة في محتوى قصصها، وذلك لأن الليل هو البداية للظلم وفرصة يقتنصها العدو في فرض سلطته الزائفة.

هبة الجيوسي

عن وداد أبو شنب

تعليق واحد

  1. أحمد بن عفيف النهاري

    المبدعة وداد أبو شنب .. أنت ملهمة حقيقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *