الجمعة , أكتوبر 7 2022
علوان مهدي الجيلاني
علوان مهدي الجيلاني

مستطرفُ البَرَدُّوني  دخائلُ السّردياتِ وتَزيّداتِها / علوان مهدي الجيلاني

مستطرفُ البَرَدُّوني 

دخائلُ السّردياتِ وتَزيّداتِها

علوان مهدي الجيلاني

 

علوان مهدي الجيلاني
علوان مهدي الجيلاني

 

بعد بحث وتدقيق في نتاج الشاعر والمفكر الراحل “عبدالله البردوني”، وجمع شذراته المتناثرة على صفحات أحد الصحف المنشورة في تسعينيات القرن الماضي، يظهر لنا كتاب بردوني طريف، لم يتغيَّ الجيلاني من وراء مقدمته لهذا الكتاب التعريف بالبردوني، بل التنوير والإضاءة مدخلاً.. مع الاقتراب ذي المس الخفيف من كتابه هذا، لإبراز ما فيه من سمات تجعله علامة فارقة ومغايرة ومتميزة سواء عند مقارنته بالمستطرفات السابقة، أو بسائر مؤلفات صاحبه المعروفة بالجد والعمق والاختلاف والقدرة على إثارة الزوابع. وغير ذلك مما يتجلى في مقدمة “الجيلاني” هذه، لكتاب البردوني الجديد “مستطرف معاصر”.

                               

               “مدير تحرير نقش الثقافية”

 

لوحة الفنان مهران الوجدي
لوحة الفنان مهران الوجدي

 

-1-

يظل البردوني حالة مفارقة في تاريخ الأدب العربي، كما يظل حالة استثنائية في الحياة الأدبية اليمنية، والدارس المختص في حالة البردوني شأنه شأن القارئ العادي كلاهما على موعد دائم مع مفاجآته واجتراحاته البارعة.

ولعل كتابه “مستطرف معاصر” يمثل دليلاً ساطعاً على وجوهه الكثيرة، بمقدار ما هو دالٌّ على ذهنيته، وطبيعة اشتغالاته؛ حتى في مواضيع المرح والطرافة والتندر والتّفَكُّهِ. فالمغزى دائماً عميق، والمهمة كبيرة في كل الأحوال. إذ لا يمكن لكاتب يمتلك عقلية البردوني ووعيه أن يُقْدِمَ على كتابة عمل كهذا دون احتفال كاف بمبرراته. ودون يقين برسالةٍ مّا يريد أن يرسلها لأكثر من متلقٍّ. 

ولا يبعد اختيار الاسم نفسه عن قصديةٍ تراود مضامين معينة، وتستحث دلالات يمكن أن تتخلق منها. أتخيله قبل بدء الحلقات الأولى وقد استدعى الدلالات اللغوية للطُّرفة والملحة والنادرة والفكاهة في التراث الأدبي والمعجمي. فالطَّرِيفُ هو الغَرِيبُ المُلَوَّنُ من الثَّمرِ وغيرِه مما يُسْتَطْرَفُ به، والطَّرِفُ أَيضاً هو مَنْ لا يَثْبُتُ على امْرأَةٍ ولا صاحبٍ، والمِطْرافُ النّاقَةُ التي لا تَرْعَى مَرْعىً حَتَّى تَسْتَطْرِفَ غيرَه، والمُطرف من الخيل هو المختلف الألوان، واستطرف الشيء استحدثه أو اخترعه وافتعله “خيرُ الكَلامِ ما طَرُفَتْ مَعانِيه، وشَرُفَتْ مَبانِيه، والتَذَّتْهُ آذانُ سامِعِيه”.

وكل هذه المعاني تشبه مادة الكتاب ففيه غرائب وحكايات ملونة ومتعددة، والبردوني يتنقل بين الحكايات والمواقف تنقّل الرجل المطروف بين النساء، وإذا كانت الناقة المِطْراف لا ترعى مرعىً حتى تستطرف غيره، فالبردوني لا يطرق حكاية حتى يستطرف غيرها.

ويتضمن الاستطراف معنى الاختيار أيضا فطرّف الشيء أو تطرّفه اختاره، وكلُّ مُخْتارٍ: طَرَفٌ والجمعُ أَطْرافٌ، وهي تتضمن معنى المتعة والتسلية مع عدم الإمعان في موضوع بعينه:  

أَخَذْنا بأَطْراف الأَحادِيثِ بَيْنَنا 

 وسالَتْ بأَعْناقِ المَطِيِّ الأَباطحُ

وَطَرائِفُ الحَدِيثِ: مُختارُهُ أَيضاً كأَطْرافِهِ:

أَذْكرُ من جَارَتي ومَجْلِسِها

 طَرائِفاً من حدِيثِها الحَسَنِ

ومِنْ حَديثٍ يَزِيدُنِي مِقَةً 

 ما لِحَدِيثِ المَوْمُوقِ من ثَمَنِ

ومعاني المُلْحَةِ هي نفس معاني الطُّرْفَةِ فهي تجمع بين الملاحة بمعنى الحُسن، وبين تعدد الألوان في الشيء الواحد نباتاً كان أو لونَ حيوانٍ أو كساءً. والتعدد هو مصدر الجمال كما هو مصدر الطرافة في الملحة وجمعها مُلَحْ.  

أما النادرة فتقدم تنويعاً آخر على الدلالة فهي في أصل مدلولها الشيء الساقط القليل المتباعد والمتناثر، وهي المضحك بسبب كونه غير متوقع، ولذلك اعتبرت المرذولات ضمن النوادر كالصوت يخرج من جوف الإنسان في مجلس القوم. 

وتُكَمِّلُ الفكاهة مصفوفة المدلولات السابقة؛ فهي المزاح والضحك والعَجَبُ؛ فالرجل الفَكِهُ هو الذي يُحدِّثُ صحبه فيسعدهم ويضحكهم، وفَكِهَ منه بمعنى تعجب منه، وهذا معنى قوله تعالى: “فِي شُغُلِ فَكِهُونَ” يُقَالُ: تَفَكَّهْنَا على كذا وكذا أي تعجبنا؛ والتَّفَاكُهُ: التَّمَازُحُ. وَفاكَهَهُ مُفَاكَهَةً: مَازَحَهُ وطَايَبَهُ. والأفكوهة الأعجوبة؛ يقال جاء فلان بأفكوهة وأعجوبة، وتَفَكَّهَ بِهِ: تمتع وتلذذ، وأصل التّفَكُّهِ أن تضع على المائدة مجموعة من الفواكه يتسلى الضيوف بأكلها قبل الغداء. وهذا هو المعنى المقابل تماماً لمحتوى هذا المستطرف، فهو مجموعة سرديات صغيرة فيها إبداع وفيها تسلية وفيها ظرف ولطف وتحافة ونوادر مضحكة، وفيها تنوع مستحسن ومستملح وفيها طرافة تتعلق بتجوّز اختراع المواقف والتّزيد فيها، وتتميز بالتعدد والتلون والتنوع.

 وإذن فإن المستطرفات جنس نثري يقوم على طريقة سرد مخصوصة، ويتميّز في المقام الأوّل بالإيجاز من الناحية الكمية والفكاهة والهزل من الناحية النوعية. فالقارئ لمستطرف البردوني مدعو إلى مأدبة ثقافية متنوعة المطاعم تتخلّق البهجة فيها من لذة السرد، ومن مفارقات مزج الجد بالهزل، وتضاد الطباع وتصادم الأفكار.  

-2-

افتتح البردوني أولى حلقات مستطرفه بسطور قليلة برر فيها تسمية الكتاب ومنهجه فهو ينزع فيه منزع المستطرفات “التي كانت تحتوي على أندر الأخبار وأغربها إثارة، دون أن تتجاوز الأصل التاريخي إلا أنها أقرب إلى التاريخ الشعبي، فشكلت نقطة وسط بين الفن الشعبي الذي امتلأت به السير والأقاصيص وبين التاريخ الرسمي المقيّد باللغة القاموسية والتزمّت الرسمي”.

كما ذكر أنّ دافعه إلى تأليف هذا المستطرف ينبع من قوة الشبه في مواتِ وركود مشهد الحياة الأدبية والثقافية والسياسية بين ثمانينيات القرن العشرين والقرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وهما الزمن الذي كتب الأبشيهي صاحب أشهر المستطرفات كتابه لحظة ثمالته تقريباً، فقد عاش الأبشيهي بين ” 1388 – 1448م”. 

قال البردوني:

“دائماً كان ذلك العصر شبيهاً بالثمانينات من عصرنا التي توارى عنها طيف الماضي، وغام خيال المستقبل، فصارت كفترة استثنائية تشبه عصر المستطرف، الذي لا يشي بغد ولا يحمل عبق الأمس. ومن هذا المنظور تطل هذه السطور على غرار المستطرفات القديمة، ومختلفة قضايا ووجوهاً” 

لقد بدأ البردوني كتابة مستطرفه في أول التسعينيات من القرن الماضي، بعد انتهاء عقد الثمانينيات التي وسمها بذلك الوصف. كما بدأ الأبشيهي كتابة “المستطرف في كل فن مستظرف” في القرن الخامس عشر بعد انتهاء القرنين السابقين عليه والموسومين بذلك الوصف أيضاً. 

-3-

وإذا كانت مؤلفات البردوني تتميز في سائرها بالجد والعمق والاختلاف والقدرة على إثارة الزوابع. فإن هذا الكتاب يختلف في أكثر من سمة:

أولاها: إنه كما يتّضح من اسمه كان اشتغالاً مقصوداً على الطرافة، وخفّة الظِّل، والفكاهة، وعلى استدعاء المفارقات التي عرفتها حياة الشعراء والأدباء والمفكرين والفلاسفة والمبدعين في مختلف نواحي الإبداع.

ثانيتها: أن مواد الكتاب تتميز بالقصر قياساً على ما نعرفه من كتبه الأخرى، إذ لا تقل المادة في تلك الكتب عن ألفي كلمة وقد تزيد على خمسة آلاف كلمة، أما هذا الكتاب فتتراوح عدد كلمات مواده في معظمها بين ستمائة وخمسين كلمة كحد أدنى وثمانمائة كلمة كحد أقصى. وفي عدد قليل تتراوح عدد كلمات المواد بين ألف ومئة وخمسين كلمة وألف وثلاثمائة وخمسين كلمة. 

ثالثتها: أن المادة الواحدة تنقسم إلى عدة فقرات متفاوتة الطول في الغالب، قد تتكون المادة من فقرتين أو ثلاث فقرات أو أربع، لكل فقرة موضوعها؛ حيث تقدم الفقرة حكاية أو موقفاً أو مفارقة أو معلومة، أما الجامع بين فقرات المادة الواحدة فهو الطرافة، كما أن الطرافة هي الجامع الأهم بين مواد الكتاب جميعاً.

وإذا كانت تلك السمات الثلاث المذكورة آنفاً هي أهم علامات اختلاف كتاب “مستطرف معاصر” عن بقية كتب البردوني، فإن هناك ما يجمعه بها، ويدل على وجوه شبه بينه وبينها؛ مثل: إلحاح البردوني على كشف علل الوقائع والحوادث والطرائف والمفارقات التي يوردها من خلال تعقيباته الذكية اللماحة. كذلك عدم إفلات أي فرصة للتأشير على مفاصل التبدلات، أو السياقات المنتجة لكل حادثة أو موقف. ناهيك عن استدعائه للأشباه والنظائر من عصرنا ومن العصور السابقة. وهذه كما هو معروف من أهم وأبرز سمات الكتابة عند البردوني بشكل عام. 

غير أن وجوه الشبه المشار إليها بين هذا الكتاب وسائر كتب البردوني، هي نفسها وجوه الاختلاف بين مستطرفه والمستطرفات السابقة مثل “المستطرف في كل فن مستظرف” للأبشيهي، و”الفاشوش في حكم قراقوش” لابن مماتي وغيرهما مما كان يشكل على الدوام لحمة كتب شهيرة مثل “البخلاء” للجاحظ، و”الأذكياء” و” أخبار الحمقى والمغفلين” لابن الجوزي، و”بلاغات النساء” لابن طيفور، بل كان يشكل جزءًاً من لحمة كتب أخرى ذات شهرة مدوية مثل: “البيان والتبيين” و”الحيوان” للجاحظ، و”الإمتاع والمؤانسة” و”البصائر والذخائر” للتوحيدي، و”العقد الفريد” لابن عبد ربه، و”نثر الدر” للآبي، و”ربيع الأبرار ونصوص الأخيار” للزمخشري، و”المحب والمحبوب والمشموم والمشروب” للسري الرفاء، و”ثمرات الأوراق” لابن حجة الحموي وسواها.

 

 وقد أشار البردوني نفسه لذلك في غير موضع من مستطرفه هذا. وهو إن كان أكثر تركيزاً على المستطرفات المتأخرة، فإنه يضمن الحديث عنها التأكيد على مستقياتها ومرجعياتها فهي خلاصة ثمانية قرون سبقتها؛ يقول في الحلقة الثامنة والعشرين: 

“كانت المستطرفات القديمة فناً أدبياً خاصاً؛ لأنها تُشبه التاريخ من حيث سرد الوقائع والأخبار، وتشبه القصص من حيث اعتمادها على أطرف الأخبار، وكانت هذه المستطرفات خلاصة ثقافة ثمانية قرون من الجدل العقلي والفقهي والاصطراع النحوي، ولعل الأبشيهي كان أثقف مؤلفي المستطرفات؛ إذ كان يورد طرائف أبي دلامة وأبي نواس وأبي العبر إلى جانب تقصيه أخبار الضاحكين المضحكين في العصور السوالف. إلا أن هذه المستطرفات لا تعلل ظاهرة ولا تفسر نصاً ولا تبرهن على رأي. لأن المؤلفين كانوا رواة يدونون ما يروي الأعراب والمعمرون والمختلقون”.

-يجدر بنا الاستدراك بالقول إن توصيف البردوني لا ينطبق على اشتغالات الجاحظ والتوحيدي فقد كان تعليل الظواهر والبرهنة على الآراء في صلب اهتماماتهما. 

 وإذن فقد أخرج البردوني في مستطرفه الطُّرفة من كونها ذات دلالة تتساوى في الغالب مع سرديتها الساذجة، فقامت تحليلاته البارعة باستكناه دواخلها، بالأحرى الـتأشير على النسخ الداخلية منها، والطرق على المغزى بوجهيه الخبيث والمطوي على نقاء. فثمة صدأ ينقشع لمجرد أن البردوني هو من يروي الطرفة ويحاول جَرَّنا إلى التّفكّه بها.

-4-

بيد أن هناك سمة غير ملموحة يشترك فيها مستطرف البردوني مع المستطرفات السابقة. تلك السمة: هي تَكْيِيْفُ النوادر والحكايات واقتناص مواضع الطرافة من حيث لا يستطيع الآخرون اقتناصها؛ بل وحتى اختراع الطرافة والفكاهة والمفارقة من مواضع لا يسهل في الغالب اشتمامها منها لكل الناس. وذلك يحتاج موسوعية ثقافية هائلة؛ بمعنى آخر يحتاج ذاكرة واعية؛ واعية بمعنى الجمع وواعية بمعنى الفهم بقدر ما يحتاج إلى ذكاء خارق، وجرأة حقيقية قد تضحي –أحياناً – بصحة الوقائع لصالح متعة التفكّه والاستطراف. 

يعترف البردوني بهذا ولكن بطريقة احترافية وبارعة جداً. يقول في الحلقة الثانية والثلاثين:

 “كانت المستطرفات القديمة ضرباً من التاريخ من حيث إيراد القصص الخبري، إلا أنها تعتمد على الطرافة في كل ما ترويه، وكان سبب كثرة مؤلفي المستطرفات يرجع إلى سأم الفترة بحكم التداعي السياسي والاجتماعي، فأراد المستطرفيون أن يجمعوا بين الفائدة والتسلية. لأن ذلك الأدب العقيم الذي أنشأه المتأخرون كان أقرب إلى الهزل، فعملت المستطرفات على الجمع بين الهزل النافع وبين تلطيف الجد بإيراد الجوانب الضاحكة المضحكة، فتفنن المستطرفيون إذ كانوا يختلقون أشخاصاً ينسبون إليهم أفعالاً، وأحياناً ينسبون أفعالاً مضحكة إلى جديين كالقضاة. ونتج عن هذا ثلاثة كتب أهمها “الفاشوش في حكم قراقوش” الذي لم يقتدر النافون على نفيه، أو نفي ما نسبوا إليه لطرافة المرويات”.

 يضيف البردوني:

 “يتحدث المتأخرون كثيراً عن كتاب “الفاشوش” كمؤلف ثان وينسبونه إلى السيوطي أو ابن الزقاق، أما فاشوش ابن مماتي فهناك من يقول لعل مؤلفه من أشياع الفاطميين الذين أرادوا النكاية بالأيوبيين. إذ كيف يمكن لصلاح الدين الأيوبي أن يعين قائداً ووالياً من تلك العينة من الرجال” يقصدون قراقوش”ثم ينسبون إليه أحكاماً لا يمكن أن تصدر عن والٍ أو قائدٍ أو قاضٍ في أي زمان من أمثال هذا الخبر:

“شكا رجل بآخر مدين له، ولما جاء المدين سبق الشاكي بشكوى إذ ادّعى أنّه يستجمع نقوده وكلما قصد بيته أو دكانه لا يجده. فأمر قراقوش بسجن الذي يطالب بدينه لكي يتمكّن غريمه من إيجاده؛ لأن السجن أضمن مكان لإيجاده”. 

ويشير البردوني إلى قصة التنوخي مع العامرية التي أوردها المسعودي في “مروج الذهب” باعتبارها أكثر الأدلة على تفنن المستطرفيين في اختلاق أشخاص ينسبون إليهم أقوالاً أو أفعالاً. فقد تبلورت القصة من عدة مصادر روتها بطرق وألفاظ مختلفة، غير أن المستطرفات اللاحقة أضافت أشعاراً وأشخاصاً إلى الرواية القديمة، حتى البردوني نفسه أوردها بحسب ما استدعته ذاكرته منها. أما قوله على لسان المسعودي “إنّما روته العجوز من الشعر كان صحيح الرواية، إلا أن المستطرفيين أضافوا أبياتاً وأشعاراً، حتى لم يدعوا حيّاً من أحياء العرب” فليس اقتباساً حرفياً وإنّما هو ترجمة لمعنى ما أورده المسعودي على لسان أبي العباس السفاح أول خلفاء الدولة العباسية، الذي رُويت القصة في مجلس سمره، فقد عقب على رواية يزيد الرقاشي لها بقولة:

“لئن كُنْت عملتَ هذا الخبر ونظمت فيمن ذكرت هذه الأشعار فلقد أحسنت، وأنت سيد الكاذبين، وإن كان الخبر صدقاً وكنت فيما ذكرته محقاً فإن هذه الجارية العامرية لمن أحْضَرِ الناس جواباً، وأبصرهم بمثالب الناس”.

يضيف البردوني مؤكداً على بديهية تقبّل ما يرد من تَزيّدات في هذا النوع من التآليف قائلاً:

“وهذا من المعروف؛ لأن أغلب التفكّه كان ضرباً من الأدب، وكان التَّزَيُّدُ في مثل هذا ممكناً. إذ كان يكتب كل مؤلف في التاريخ باباً أخيراً يسميه الطرائف أو التفكّهات، أو الملح والنوادر. وقد عُني المستطرفيون بتدوين هذا الضرب في كتب مستقلة، ما دُوّن منه وما أهمل”.

وإذن فإننا نستطيع القول -من خلال المقتبسات السابقة- أن البردوني يتعامل مع مادة مستطرفه المعاصر – في معظمها على الأقل -بوصفها ضرباً من الأدب يعوّل على التّفكّه أكثر مما يعوّل على دقة النقل أو صدق الحكاية والنادرة فـ”التّزًيدُ في مثل هذا ممكن” كما يقول. ومن هنا نفهم إلى أيّ مدىً ساهمت المستطرفات في تشييد فن التخييل السردي، وفي تصور المشاهد الأخرى للوجود البشري والمشاهد المفارقة فيه. إن التخييل السردي أو “التّزيد” جزء من أصل الدلالة التي تحيلنا إليها تسمية المستطرفات، فلو عدنا إلى تتبع دلالاتها ومعانيها في أول هذه المقاربة التقديمية لوجدنا من بينها “استطرف الشيء استحدثه أو اخترعه وافتعله”.

والحقيقة أن تَزَيّدَ البردوني كثيراً ما كان اشْتِمَامَاً يستوحي ما يمكن استطرافه حتى ولو كان بعيداً. ويمكن للقارئ الحصيف الواسع الاطلاع أن يفهم ذلك وهو يقرأ بعض فقرات الكتاب. كما فعل في إحدى الفقرات التي تموضع الاستطراف فيها شاعرتين مشهورتين على هذا النحو:

“لعل من أطرف الأمور أخفاها، وعندما يبدو هذا الخفاء يلحق بالظرافة والطرافة، فلم يشر أي باحث إلى السباق بين الشاعرة نازك الملائكة والشاعرة فدوى طوقان، غير أن هذا السباق كان قائماً دل عليه توالي المجموعات الشعرية بين الشاعرتين، فكلما أصدرت إحداهما ديواناً، تلت الأخرى بإصدار ديوان، أحيانا تسبق هذه وأحياناً تسبق تلك. 

إلا أن السباق الملحوظ بدأ بإصدار ديوان “وحدي مع الأيام” لفدوى طوقان الذي صدّره الناقد أنور المعداوي بمقدمة ضافية امتدح فيها الشاعرة بدون دراسة وبدون برهنة من شعرها. حتى أن الناقد رجاء النقاش أصدر كتاباً بعنوان “صفحات مجهولة من الأدب المعاصر” وفيه أكد على وجود علاقة عشق بين أنور المعدّاوي وفدوى طوقان. مستدلاً على ما ذهب إليه بمقدمة الديوان التي كتبها أنور وبرسائل بين الناقد والشاعرة. والمهم أن أنور المعدّاوي ألمح إلى تفضيل فدوى على نازك بلا مسوغ وبلا موازنة بين عملين للشاعرتين. 

رغم أن نازك كانت قد أصدرت ديوانها “عاشقة الليل” وكان ينزع نزع فدوى، كلتا الشاعرتين تنزع من منزع الرومنتيكية الغربية التي سَخَتْ على شعر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، والعناوين تدل على المذهب الرومنتيكي وبالأخص عنوان نازك “عاشقة الليل”. أمّا فدوى فتجلت الرومنتيكية من خلال القصائد لا من إيحاء العنوان. 

ثم أصدرت نازك ديوانها “شظايا ورماد” وكان فذّا في كل قصائده من حيث الرؤية وتكثيف الصورة. 

 وأصدرت فدوى ديوان “وجدتها” وكان مستواه دون مجموعة نازك. تلا هذا ديوان “قرارة الموجة” لنازك فأبداها أجود الشواعر العربيات المعاصرات. فأصدرت فدوى مجموعة ” أعطنا حباً” ولم يبلغ مبلغ “قرارة الموجة” لنازك؛ فأصدرت فدوى “أمام الباب المغلق” وتبدت في هذه المجموعة في ذروة تطورها الشعري، إلا أنها لم تتفوق على نازك. 

وكانت نازك في بداية الإفلات من الشعر؛ لأنها أخذت تهتم بالنقد، إلا أن ديوان فدوى أخرجها من دائرة النقد، فجمعت قصائد أهملتها وقصائد لم تكتمل وأصدرت ديوان “شجرة القمر” ولكنه لم يصل إلى مستوى ديوان فدوى “أمام الباب المغلق”. 

بعد هذا واصلت فدوى إصدار ديوانين على حين أخطأت نازك وما شعرت أن فدوى قد فاقتها بديوانين “الليل والفرسان” و “على قمة الدنيا وحيداً”. 

ثم أصدرت نازك مجلداً تأملياً بعنوان “أغنية الحياة والإنسان” وفي أثناء إصدار هذا الديوان دخلت قلعة الزواج، فكادت أن تنقطع كشاعرة على حين ظلت فدوى تجدد مسيرتها الشعرية؛ لأنها متفرغة لم يشغلها زواج ولا عمل؛ وإنما كان الشعر كل أعمالها. فأصدرت مجموعتين في غياب نازك التي توقفت بعد المجموعة الخامسة. 

وفي منتصف الثمانينيات رجعت فدوى إلى نفسها وإلى ذكرياتها فأصدرت كتاباً عن سيرتها الذاتية بعنوان “رحلة جبلية رحلة صعبة”؛ ذلك لأن نازك أصدرت كتابين؛ الأول بعنوان “قضايا الشعر المعاصر” والثاني بعنوان “الصومعة والشرفة الحمراء” دراسة نقدية في شعر علي محمود طه. وكانت لنازك إلى جانب ذلك كتابات متفرقة واستجوابات صحفية. 

أما فدوى فلم يسبق لها مزاولة الكتابة، فكان كتابها “رحلة جبلية رحلة صعبة” مثابة الدهشة؛ لأنها تبدت كاتبة تملك أمر الكلمة”.

انتهت المقارنة، وهي مقارنة تتميز كما يلحظ القارئ بالروعة والإثارة أيضاً، ومن هنا تأتي طرافتها. لكن البردوني يعرف أن ما كتبه طريف جداً، بيد أن الاستدراك عليه بشيء من التحوّط واجب أيضاً. وهكذا فقد ختم الفقرة بتحوط لا يخلو من تبرير، وهو هنا يستبدل “التّزيّد” الذي قال بإمكان وقوعه بـ”الاشتمام” وهذا نص كلامه، بعد أن أنهى رصد السباق والمنافسة الطريفة بين الشاعرتين: 

“فهل كان السباق بين الكاتبتين ملحوظاً؟ لم تُنَبّه إليه كتابةٌ؛ وإنما يمكن للمتتبع أن يشم رائحة المنافسة النسائية من خلال متابعة الدواوين من هذه وتلك، فلا يمكن أن تتأخر إحداهما على الأخرى إلا ريثما تستجمع أمرها وتجمع ما تشتت من أوراقها ثم تصدرها في شكل ديوان”.

ثم يضيف:

“ليس هذا رأي مبرهن وإنما هو اشتمام من بعيد يعتمد على البداية التي أثارها الناقد أنور المعداوي في مقدمته أول ديوان لفدوى”

-5-

وثمة شيء أخر؛ لقد عُرف البردوني كشاعر وكاتب كبير، فريد الأسلوب في شعره ونثره، وكانت فرادته تأتي من اختلاف مقترباته الكتابية ومغايرتها للسائد لغة وتفكيراً ووجهة نظر؛ لكنه تميز إلى جانب ذلك بموسوعيته الثقافية، وتميز بحساسيته العالية تجاه النكتة والطرفة، متلقياً وراوياً بل وصانعاً للنكتة والموقف الطريف؛ كما تميز بحسه اللاقط للمواقف التي تشكل بؤراً دالة، أو تتفجر من تناقضاتها المفارقات المضحكة أو المبكية، أو حتى الصادمة بغرابتها وغرائبيتها.

لذلك كله كان هذا الكتاب اشتغالاً لازماً كونه يغطي جانباً مهماً من جوانب ملكات البردوني المتعددة؛ إلى جانب كشفه لضخامة دفائن البردوني وحجم الكنوز التي وسعتها ذاكرته. 

ويمكن للقارئ أن يلاحظ أنّ الكتاب يزخر بكثير من الحكايات والنوادر التي تصل منطوقاتها إلى القارئ مباشرة بحكم أنها رغم معاصرتها- تشكل امتداداً للمستطرفات التقليدية القديمة؛ لكنها تتجاور مع عدد وافر من الحكايات والنوادر التي لا يستطيع القارئ العادي أن يلمح بسهولة انتظامها في سلك الحكايات المستطرفة؛ أما القارئ المثقف أو القارئ الذي عرف البردوني معرفة شخصية، وكذلك القارئ الخبير بعوالم البردوني اهتماماً وتلقياً، فإنه سيتقبل بسهولة انتظامها في سلك الحكايات والنوادر المستطرفة؛ لأنها قامت على تناقضات تخلّقت منها مفارقات لافتة، أو لأن طرافتها جاءت من اختلاف مأتاها عن المآتي المألوفة، أو لقدرتها على اختصار وضع ممتد الأثر في سطور قليلة. 

وإذا كان البردوني قد صرح في غير موضع من هذ الكتاب أن مستطرفه يعتمد كتاب الأبشيهي “المستطرف في كل فن مستظرف” وأشباهه من الكتب نموذجاً له، وأنه لا يميز بين مستطرفه ومستطرف الأبشيهي إلا اغتراف مستطرف الأبشيهي من تراث ثمانية قرون سبقته، واقتصار مستطرفه على العصر الحديث. إلا أن مستطرفه لم يخل من مواضيع وفقرات تم اغترافها من الماضي، ومن مصادر مثل كتاب “مروج الذهب” و”الفاشوش في حكم قراقوش” وغيرهما.

 استدعاء الأشباه والنظائر كان يقود البردوني مراراً وتكراراً إلى الماضي، كما أن قدرته الثاقبة على لمح المتغيرات التي تحدث في الإبداع والكتابة والمزاج العام، كانت تقوده مراراً إلى إيضاح مفاصل التبدلات. فلكي يحكي نادرتين أبطالها الشعراء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران، كان عليه أن يبدأ من وقائع سابقة حدثت قبل الإسلام بين امرئ القيس وعلقمة الفحل، ثم بين جرير والفرزدق والأخطل والراعي النميري في العصر الأموي، وبين بشار بن برد وحماد عجرد في أول العصر العباسي، وبين ابن حجاج وابن سكرة الهاشمي في القرن الرابع الهجري؛ قبل أن يصل إلى ما يريد روايته عن شوقي وحافظ ومطران. 

كذلك تأتي طرافة الموضوع عند البردوني من طروئه على الساحة الثقافية دون سوابق تشبهه، كحديثه عن ظاهرة صدور ثلاث مؤلفات في سنوات متقاربة ألفتها ثلاث نساء عن أزواجهن، أو من صدور كتاب في النقد غريب المنهج لأنه يساوي في التقييم بين ثلاث تجارب أدبية شديدة التفاوت إجادة وموهبة. 

والبردوني لا يترك النادرة الطريفة تمر دون أن يقدم للقارئ السياق الذي أنتجها، أو الكواليس التي أفرزتها كتنويع على وضع كان أكبر منها، مثل قصة الشاعر محمود أبو الوفاء مع أحمد شوقي وطه حسين ومحمد مندور. 

فقد فسر قوة الظلم الذي لحق شعر “أبو الوفا” بكونه ناتجاً عن حكم أصدره شخص معتبر “يقصد طه حسين”. 

لقد تعرض أبو الوفا لحادث في طفولته أدى إلى بتر ساقه، ثم لحق به العمى في خريف العمر، وكان في شبابه فقيراً رثّ المظهر، وبلا روافع تعضده وتحميه، لذلك كان عرضة لسلسلة مظالم قاسية؛ أشهرها طرد أحمد شوقي له من حفل تنصيبه أميراً للشعراء بسبب عاهته ومظهره، ثم تجريد طه حسين له من الشعر تماماً عندما تناول ديوانه “الأنفاس المحترقة” في الجزء الثالث من كتابه “حديث الأربعاء”.

فعل شوقي فعلته الشنعاء بسبب ثقافته الارستقراطية المتعالية، لكنه بعد خمس سنوات ندم على ما فعل، وكتب قصيدة يمتدح فيها “أبو الوفا” ويشيد به وبشعره؛ بل وشارك في تكريمه، ما جعل “أبو الوفا” يتحول الى واحد من أكبر محبي شوقي، وأكثرهم وفاءً لتراثه، فقد تولى نشر “الشوقيات المجهولة” بعد موت شوقي، وأكمل مشروعه الشعري للأطفال.

أما طه حسين فقد فعل ما فعل عن ضغينة سياسية تتعلق بولاء “أبو الوفا” لتيار سياسي منافس؛ بل معاد للتيار الذي يمثله طه حسين. وقد أثبت طه حسين أن المواقف الناتجة عن العداء السياسي تكون ضارة، وأن الحقد السياسي يصعب التراجع عنه. فقد عاش طه حسين اثنين وأربعين عاماً بعد نقده الموجع لـ”أبو الوفا” دون أن يتراجع أو يحيد.

أما استدراك محمد مندور على طه حسين بعد أكثر من عشرين عاماً على ذلك الحدث، وإصراره على إعادة الاعتبار لشعر “أبو الوفا”، فإنه رغم وجاهة نقده واهتدائه إلى مكامن الجمال في تلك التجربة، إلا أنه جاء على خلفية صراعه المرير مع طه حسين الذي لم يقبله مدرّساً في الجامعة.

-6-

الغريب أنّ البردوني وهو يخوض هذه التجربة؛ بل بالأحرى وهو يخرجها من المشافهة في مجالسه الخاصة إلى صفحات صحيفة سيارة، لم يكن يخفي قلقه إزاء تلقيها. كان ذلك يحدث رغم أنه يدرك جيداً اتساع مقروئيته. مراراً أعرب عن توجسه ألا يجد القارئ فيها ما كان يجده في المسطرفات القديمة. مرة يقول “انتهى مستطرف هذا العدد؛ فهل يشبه أجداده من المستطرفات؟، لقد كان وراء المستطرفات القديمة ثمانية قرون من نوادر النحاة والأدباء والقضاة، أما هذا المستطرف البائس، فإنه لا يضحك بنوادره؛ لأنها شبه مألوف أمام غرائب حقائق هذا العصر الجبارة”، ومرة يقول: “إن هذه السطور استلهمت مادتها من العصر، وإيحاءها من كتاب “المستطرف في كل فن مستظرف”، ويؤسفني إذا فاتت الظرافة هذه الوريقات”. 

 بوسعنا ألا نعتبر ذلك توجساً أو ارتياباً حقيقياً، وأن نقرأه بوصفه لعبة يلعبها كاتب ذكي، حاذق ومتمرس، يريد أن يشرك القارئ في الفعل نفسه، أن يسمع صوته يرد مستنكراً: الله المستعان يا أستاذ عبد الله؛ كيف نملُّ وأنت الكاتب؟! 

وبوسعنا أن نتخيّل البردوني ضاحكاً بينه وبين نفسه، بعد أن ورّط القارئ معه وجرجره بعده ليس إلى طُرفِه واجتراحاته، أو تَزَيّداته البديعة في سردها فحسب، وإنما إلى استطراداته وإلى مقارباته لاختلاف وجهات النظر، وتعليل الظواهر، وتفسير النصوص، والبرهنة على الآراء. 

على أن جزءاً كبيراً من متعة مستطرف البردوني يتمثل في سمة لزيمة تظهر في مؤلفاته وسائر كتاباته كما لمسناها في مشافهاته، نحن الذين عرفناه عن قرب. والسمة المشار إليها تتمثل في طرائق استدعائه للأسماء والنصوص والآراء يستوي في ذلك القديم والحديث، فهي دائماً تتم عبر مسرد نسقي تتبلج فيه صورة الكلي من خلال الجزئي، أبيات من الشعر لشاعر أو أكثر من شاعر، مقولات تكشف خصائص لحظة تاريخية أو زمن مّا، مواقف دالة على تبدلات أو متغيرات هامة، والأهم من ذلك أسلوب مساءلته لما يستدعيه، إن طرائق استنطاقه للنصوص، وأساليب تنضيد مدلولاتها يغدو عملاً بالغ الإمتاع، شديد الجاذبية في كل حين.

-7-

يجدر بنا لفت الانتباه إلى أن نوادر وطرف وفكاهات ومفارقات مستطرف البردوني، لا تكاد تخرج عن عوالم المشتغلين بالإبداع والكتابة والعلم والصحافة إلا في حالات محدودة. وقد استحوذ أدباء وفنانو مصر والشام والعراق على معظم مادة الكتاب، فحضرت بوفرة أسماء عبدالحميد الديب، محمد إمام العبد، حافظ إبراهيم، أحمد شوقي، مصطفى صادق الرافعي، إبراهيم المازني، طه حسين، عباس محمود العقاد، مي زيادة، أحمد حسن الزيات، زكي مبارك، محمد عبده، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، محمود أبو الوفا، يحيى حقي، إحسان عبدالقدوس، يوسف السباعي، يوسف الشاروني، صلاح عبدالصبور، أحمد عبدالمعطي حجازي، أمل دنقل، سوزان طه حسين، عبلة الرويني، ناهد عز العرب، محمد عبدالوهاب، أم كلثوم، عفاف راضي، جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، أمين الريحاني، مارون عبود، بشارة الخوري، سعيد عقل، كوليت خوري، عمر أبو ريشة، خليل مردم، غادة السمان، عيسى الناعوري، فدوى طوقان، غسان كنفاني، جميل صدقي الزهاوي، معروف الرصافي، أحمد الصافي النجفي، محمد مهدي الجواهري، نازك الملائكة، بدر شاكر السياب، لميعة عباس عمارة، عاتكة الخزرجي، عبدالوهاب البياتي، عبدالرزاق عبدالواحد. هذا على سبيل المثال لا الحصر.

وفيما حضرت السودان من خلال الطيب الصالح وتاجوج، وحضرت الجزائر من خلال أحلام مستغانمي، وحضرت البحرين من خلال إبراهيم العريّض، وحضرت تركيا من خلال ناظم حكمت، وحضر حشد من الأسماء الغربية مثل: سقراط، جورج صاند، الفريد دي موسيه، نيتشه، سبينوزا، أوسكار وايلد، دستويفسكي، تولستوي، إميل زولا، البرتو مورافيا، فرانسوا ساغان، برنارد شو، مايكل أنجلو على سبيل المثال أيضاً. 

فإنّ الملاحظ أنّ حصّة اليمن كانت ضئيلة، إذ اقتصرت على بضع فقرات كان أبطالها الإمامان يحيى حميد الدين وأحمد حميد الدين والقاضي محمد أحمد الحجري، وعبدالله بن يحيى العلوي وعبدالله بن حسن الديلمي ومحمد محمود الزبيري وأحمد بن عبدالوهاب الوريث وحسن الدعيس. 

ويتزايد الحس بضآلة حضور الطرائف والنوادر اليمنية حين نستحضر معرفتنا –معرفتي الشخصية مثلاً- بما كان يرويه البردوني في جلساتنا ومثاقفاتنا معه من نوادر لا حصر لها، وهي نوادر أبطالها علماء وأدباء وكتاب ومشتغلون بالفن والإبداع في اليمن.

فهل ثمة حساسيات أراد تجنبها وهو يخص اليمن بهذا الحيز الضئيل في مستطرفه؟ أم أن فعل الكتابة نفسه كان يذهب به إلى الراسخ الشائع عربياً وعالمياً دون قصد أو تبييت نيّة؟

على أنّ البردوني كان كثيراً ما يجعل تعليله لظاهرة أو تفسيره لنص أو برهنته على رأي يتحول إلى رسالة تستهدف جهة تلقٍّ مّا داخل اليمن. فهو مثلاً يوجه رسائل نقد واضح للوضع القائم في اليمن أثناء توالي نشر حلقات مستطرفه إثر قيام الوحدة اليمنية مباشرة. فرمزية نادرة الكاتب الفرنسي مع الرئيس الأمريكي كانت موجهة دون شك لرأس النظام ولاعتمالات المشهد الديموقراطي الجديد على اليمن آنذاك. 

 

-8-  

لقد نشر البردوني تحت عنوان “مستطرف معاصر” ستّا وثلاثين حلقة في صحيفة “الوحدة” على مرحلتين. المرحلة الأولى بدأت في العدد رقم “27” بتاريخ الأربعاء 5 ديسمبر1990م، وقد توالت منها سبع وعشرون حلقة نشر آخرها في العدد “60” بتاريخ الأربعاء 7 أغسطس 1991م، ثم توقف عن الكتابة سنة وخمسة أشهر إلا أسبوعاً، قبل أن يستأنف النشر منذ العدد “129” بتاريخ الأربعاء 30 ديسمبر 1992م. حيث توالت تسع حلقات نشر آخرها في العدد رقم “138” بتاريخ الأربعاء 10 مارس 1993م. 

اكتفى البردوني بالعنوان العام “مستطرف معاصر” دون أن يخص كل حلقة بعنوان، 

 لهذا السبب ولسبب آخر هو كثرة تأكيده على التسمية، ومقارنة ما كان يكتبه تحت هذا العنوان بالمستطرفات التي عرفها التراث العربي، حيث فعل ذلك ثلاثين مرة، فقد قررنا نشر الكتاب تحت عنوانه الذي اختاره له.. ولكي تتميز المواضيع عن بعضها اكتفينا بترقيمها من “1” إلى “36” وفصلنا بين كل موضوع والذي يليه بصفحة بيضاء. 

أما بالنسبة لفقرات المادة الواحدة فقد وحّدنا الفصل بين كل فقرة والتي تليها بنجمات في سائر مواد الكتاب. إضافة إلى ذلك فقد حرصنا على تدقيق الأسماء والتواريخ وأسماء الكتب والأشخاص والنصوص الشعرية، وحرصنا على تذييل كل حلقة بإثبات اسم الصحيفة ورقم العدد وتاريخه. وهنا يجدر بنا لفت نظر القارئ إلى أن إدارة صحيفة الوحدة آنذاك لم تكن تهتم بتغيير رقم العدد وتاريخه دائماً، لهذا السبب سيجد القارئ أن بعض أرقام الأعداد وبعض تواريخها تتكرر مع أكثر من موضوع، كما سيجد أن الفوارق الزمنية بين تواريخ بعض الأعداد غير منطقية. لكننا وثقناها كما هي توخيّاً للأمانة ليس غير.

وإذا كان حماس وجدية الأستاذ عبد الرحمن مراد رئيس الهيئة العامة للكتاب هما المحفز والداعم لتحقيق هذا الإنجاز إذ هو صلب مشروعه ورأس أولوياته، فإن تفاني صديقي الشاعر جميل مفرح ومشاركته في جهد التصوير والتصحيح اللغوي والإملائي لا تقل استحقاقاً للشكر والتقدير، والشكر موصول لابنتي سعاد الجيلاني التي شاركتني صف المادة وتجهيزها في صورتها الأولى.

أختم بتهنئة القارئ العزيز بهذه التحفة البردُّونية التي نعدها إضافة مهمة لمنجزه المذهل، كما نعتبر نشرها اليوم خطوة أخرى على طريق إخراج تراث البردوني، وكسر ظلام الحيف الذي لحق به مدة ثلاثة وعشرين عاماً. 

 

نماذج مختارة

-1-

 

كان محمد أحمد الحجري من خريجي دار العلوم، ومن المعروف أنّ كلّ درعمي قاض أو مشروع قاض، وهذا ما يستلزم الوقار واجتناب الخفة. 

وكان محمد الحجري وقوراً بدون لوازم الوقار. فلا يلبس العمة الكبيرة، والقليس المديد الكميم، وإنما كان يلبس قميصاً عادياً تحت الجرم المصنوع من جلد الكباش، وكان لا يفارق الجرم، صباحاً أو مساءً، صيفاً أو شتاءً. 

وكانوا يقولونه له: إنّ الحر شديد الوطأة، فخفف عنك هذا الجرم، فيرد ما بقي من البرد بقي من الحر، وليست هذه مقولة صائبة. ولكنها مضحكة من فم الحجري الذي يُضحك بأي قول لأنه يؤدي أي قول وهو غير مبتسم، فيُضحك غيره ولا يضحك. 

قال الإمام يحيى للحجري: نريد مديراً لجمرك الراهدة. 

وكان هذا من اختصاص الحجري لأنه كان رئيس المحاسبة، وذلك بمثابة وزير المالية، فبحث عمن يصلح مديراً؛ وسأله الإمام: هل عثرت على مدير صالح؟

فقال: لا. 

قال الإمام: فابحث.

وفي اليوم الثاني سأله: هل وجدت؟

قال: نعم. 

قال الإمام يحيى: وكيف هو؟

قال: مناسب.

فسأله: كيف دينه؟

قال: والله أما هذا لا أعلم.

فسأله: هل يشرب الخمر مثلاً؟ 

قال: أظن أنه يعمل له حيسي يوم الخميس وحيسي الجمعة. 

قال الإمام: وكيف ترشحه لهذا العمل؟

قال: قلت مدير جمروك ولم تقل إمام محراب. 

وفي عام 1955م، حدث انقلاب مارس من ذلك العام وهو هناك، وعندما كتب الإمام أحمد تنازله لأخيه، كلف الإمام الجديد محمد الحجري بحمل ذلك التنازل المكتوب إلى صنعاء وتسليمه إلى العباس لكي يلصقه على أبواب الدوائر والمساجد. 

ولما انتصر الإمام أحمد على الانقلابيين بزعامة أخيه، أراد أن يسجن من شارك في القضية، وقبل أن يسجن الحجري، استدعاه لكي يوبِّخه قبل السجن. 

قال الإمام أحمد: كيف تفعل يا حجري، تنشر كتابنا الذي أردنا به إطفاء الفتنة، من قال لك ذلك؟

فقال الحجري: ومن قال لك تكتب التنازل؟ ما وزعنا إلا ما كتبت.

فضحك الإمام أحمد وقال: كنت أنوي سجنك.

قال الحجري: من حقك ما دام عندك أموال وعساكر. 

قال الإمام: فقط؟

قال الحجري: ونسيت الزامل.

فقال الإمام أحمد: لا تعد إلى مثل هذا.

قال الحجري: وأنت بطل تنازل، وإلا تنازل مرة واحدة، لأننا ستضطر لملصق جديد.

قال الإمام أحمد: لا تفعل غير ما أمرت.

قال الحجري: إنّ قصّتي أنا وأنت كالشيخ فلان وراعي غنمه.

قال الإمام أحمد: كيف؟

قال الحجري: كلما وفد على الشيخ فلان ضيف أغرقه في الترحيب والتسهيل والتحية، حتى ينادي راعيه: يا فلان اذبح العجل عندنا الشيخ فلان، ويشير إليه بعينه لكيلا يصدق فيذبح شاة. 

وذات مرة دعاه: اذبح العجل عندنا الشيخ فلان، ولم يحرك عينه فذبح الراعي العجل، ونزل الشيخ يراه وهو يسلخ العجل الذي يحبّه.

فقال الشيخ للراعي: وكيف ذبحته؟ 

قال الراعي: أنت قلت لي. 

قال الشيخ للراعي: والعادة؟ 

قال الراعي: كنت تغمز لي بعينك وهذه المرة ما غمزت. 

قال الشيخ: والله ارتبشت. 

قال الراعي: وربشتني من ربشتك. 

وكان محمد الحجري على هذا التفكّه في كل موقف حرج، ومع هذا كان من أفقه معاصريه، وكان متفرداً بتواريخ القبائل وبعلم الأنساب؛ حتى أن كتابه “العرب وشرف النسب” ما يزال مخطوطاً إلى اليوم، ولم ينتشر إلا كتابه “مجموع بلدان اليمن وقبائلها”.

وكان أهم كتاب على سلفيّة أسلوبه؛ لأنه كان يجمع بين الرواية والطرافة والتحقيق العلمي والأسلوب السهل، على خلاف النسابين أمثال ابن الكلبي وابن منبه، فتميز الحجري على النسابين بإشارته إلى انقطاع نسب بعض القبائل، وإلى ادعاء بعض الأنساب.

وكان أول من أشار إلى أن بيت المطاع عباسيون نسبة إلى العباس بن علي بن أبي طالب، وهذه النسبة تحتاج إلى تحقيق لكيلا يلتبس المنتسبون إلى العباس بن عبدالمطلب بالمنتسبين إلى العباس بن علي الذي لا يراه أئمة اليمن من وارثي الخلافة؛ لأنه علوي غير فاطمي كمحمد بن الحنفية، وكعمر بن علي والحمزة بن علي فإنهم من أولاد الباهلية. 

ويمضي الحجري معدداً الذين تزوجوا أكثر من اثنتين إلى أن وصل إلى الحارث بن سدوس، فحقق تزوجه بخمس وعشرين امرأة مؤصلاً نسب كل زوجة إلى بيتها وعشيرتها.

فمن كان يظن أن هذا الباحث يتفكّه ويُضحك كسائر المتفرغين لفن الإضحاك؟

 

                                                            

 

-2-

 

كان الشاعر عبد الحميد الديب أفقر أدباء زمانه، وكان له أخ أزهري يمدّه بما اقتدر عليه، فإذا انقطع مدده اشتغل أخوه الشاعر بهجائه، حتى شكّل هجاؤه أخاه ربع ديوانه، ولم يضق ذلك الأخ المهجوّ لأنه كان يدري أزمة أخيه، كما كان أصدقاء أخيه يتندرون بهجائياته في أخيه، فكان إذا اجتمع بأصدقائه استنشدوه ما قال في أخيه، وذات ليلة استضافهما حسين الصاوي في بيته، وكان يؤذيهم عواء كلب، فسألوا الصاوي:

-لماذا لا تطلب من جارك إسكات كلبه أو إبعاده؟

فقال الصاوي: ليس جاراً وإنما هي جارة إنجليزية، ولكلبها قصة. ذلك أن اللورد فلان أعجب بها في مصر، فأهدى إليها كلباً عاوياً.

والتقط عبد الحميد الديب الكلمة الأولى فوجدها شطر بيت؛ فأتم الشطر الثاني، فصار البيت هكذا:

أهدى إليها اللورد كلباً عَاوي

صحبته صحبتنا حسين الصاوي

وما انتهت السهرة إلا بانتهاء قصيدة في هجاء الصاوي، إذ ظل عبد الحميد الديب، يسلسل القصيدة، مأخوذًا بالمزاج الفني، غير عابئٍ بهجو أحنى صديق عليه؛ لأن الفن انتزعه إلى عالمه.

وكان الصاوي أول من عرف هذا. فضحك أكثر من رفاقه، وعند خروج الأصدقاء قال الصاوي:

-لقد أعطيتك يا ديب قافية ما سبق أن نظمت عليها. 

فاشتهر عبد الحميد الديب بالهجاء كشهرته بالبؤس، فما كتب أحد عنه إلا بدأ بصفته قبل اسمه “الشاعر البائس عبد الحميد الديب”، حتى أخبار الصحافة التندرية كهذا الخبر في صحيفة “المقطم”: تمكنت طائرة ألمانية من الضرب في القاهرة؛ ولكن قنبلتها انفجرت طبيخاً على بيت الشاعر البائس عبد الحميد الديب. 

وإذا استعرضنا الدراسات عن الشعراء، فسوف نلاقي عبد الحميد الديب أوفر شعراء جيله حظاً، إذ عنيت به عدة أقلام أهمها وأولها؛ كتاب الدكتور عبد الرحمن عثمان بعنوان “الشاعر البائس عبد الحميد الديب”، إذ رقى هذا الكاتب إلى الدراسات العظيمة التي كتب أمثالها طه حسين عن أبي العلاء، والعقاد عن ابن الرومي، والنويهي عن أبي نواس. 

ولم يحظ شاعر معاصر بأنضج من تلك الدراسة التي تناولت عبد الحميد الديب من كل الزوايا الأدبية والاجتماعية والسياسية، وذلك لأن عبد الحميد الديب اشتهر بالضحك والهزل في أوان الجد. 

في يوم إمارة شوقي على الشعر وقف الشعراء يهنونه؛ فألقى حافظ إبراهيم قصيدة تهنئة بإمارة شوقي على الشعراء؛ تلا حافظ علي الجارم الشهير بإلقائه الساحر وصوته الجهوري، بعد علي الجارم نهض عبد الحميد الديب فأدهش الحضور في الشطر الأوّل من أول بيت في قصيدته، ولما اشرأبت إليه الأعناق ألقى الشطر الثاني، فغرق الحضور في الضحك ونزل الشاعر من المنصة، تاركاً ضوضاء مرحه، فماذا قال الديب في ذلك اليوم؛ نادى هكذا:

يا رجال الشعر والفن الرصين

فشد إليه الأسماع، فأتم الشطر الثاني هكذا:

لعنة الله عليكم أجمعين

وعندما طلعت الصحف في اليوم الثاني، كان بيت عبد الحميد الديب عنوان أكبر المقالات؛ لأنه كسر جدار التزمت بذلك القول:

يا رجال الشعر والفن الرصين

لعنة الله عليكم أجمعين

فهل كان ينتظر الديب أنه سيلاقي أولئك الدارسين؛ مثل عبد الرحمن عثمان الذي أبدع في أجود دراسة معاصرة عن شاعر معاصر.

تلا كتاب الدكتور عثمان أطروحة نهاد علام “الشاعر البائس عبد الحميد الديب”، تلى هذا الكتاب كتاب ثالث لماهر حسن شحاته، وهو أطروحة دكتوراه بنفس العنوانين السابقين.

تلاه كتاب محمد محمود رضوان “شاعر البؤس عبد الحميد الديب”.

قال حسين مروة: أجود الدراسات عن المعاصرين؛ كتاب عبد الرحمن عثمان عن عبد الحميد الديب، وكتاب “حياة جبران” لميخائيل نعيمة.

 

-3-

 

نشأ الشاعر معروف الرصافي في ظل أب متصوف فسماه معروفاً تيمنا بالصوفي القديم معروف الكرخي، على أن معروف الرصافي جاء عكس أبيه؛ بل عكس ظروف مجتمعه وتقاليده.

واستدلوا على هذا بسكناه في حي الصابونجية الذي كان معروفاً في أيام الانجليز بحيِّ البغايا؛ فرأى البعض أنّ الرصافي اختار ذلك الحي تحدياً لتقاليد المجتمع؛ ورأى البعض أنه سكن ذلك الحي لأنّ بيوته أرخص إيجاراً، وكانت الشخصيات الثقافية والأدبية معجبة بشعر الرصافي، وبنضاله. فإذا أراد أي وافد زيارته لا يعدم من يخبره؛ أين يقع بيت الرصافي، وعن سمعة ذلك الحي، إلى حد أن الدكتور عبد الوهاب عزام والأستاذ أحمد حسن الزيات ظلّا يغالبان الشوق إلى زيارة الرصافي؛ فقال عزام للزيات: ما رأيك أن نغامر إلى زيارة الرصافي؟

فقال الزيات: قد نزوره ونلقى إحداهن في خلوة معه؛ أو داخلة إليه أو خارجة عنه. وأنت تعرف حساسية وضعنا كأستاذين في دار المعلمين العليا. فامتنعا عن الزيارة كما امتنع غيرهما. 

وكان الذي يزوره أكثر الأيام هو الشاعر محمد مهدي الجواهري، قال الجواهري: قصدته أول مرة فأحسن استقبالي وكانت في مطبخه امرأة حملت إلينا الشاي، فاستغربت لأني أعرف الرصافي أعزباً طيلة عمره، واستغربت أنه يخاطب تلك المرأة بلغة الأبوّة؛ “تفضلي يا ابنتي”، “خذي يا ابنتي”.

وكانت لا تتجاوز العشرين من عمرها، وفي المرة الثانية زرته وكان في مطبخه نفس البنت، وبعد شرب الشاي استدعت الرصافي صاحبته إلى باب الدار، فأرادت الخروج فأحرجت، ولما سمعت صوت البنت باكياً، وسمعت إلى جانبه بكاء الرصافي؛ تحركت لأعرف ما الأمر. فهرولت البنت خارجة، وسألت الرصافي: ما الأمر.

فقال: إنها مدينة بخمسين ديناراً، وإنها سألته هذا المبلغ. لذلك أجهش باكياً، وبكت هي لبكائه. 

فقلت: هل سوف تقاطعك؟ 

قال: كلّا.

قلت: فماذا يبكيك؟

فقال: عجزي عن إعطائها ما طلبت، فأثارت شجوناً وتساؤلاً؛ لماذا يملك الثروة من يملك القسوة؟ ويعز على الحنون خمسون ديناراً؟ لماذا لا يجتمع الحنان والقدرة والرحمة والثروة؟ أليس كثيراً من الأوباش يعبثون بالدنانير عبث الأطفال بالتراب؟ فما بكيت إلا من عجزي عن امتلاك ذلك المبلغ. أتراني ضعفت أمامها؟ 

قال الجواهري: لقد كان حالها أبأس من حالك.  

وهكذا كنت أخترق الموانع الوهمية، وأزور الرصافي لأنه كان في حيه متعدد العلاقات؛ كان صديقاً لإحداهن، وأباً لأخرى، وأخاً لثالثة، وكناساً لرابعة، فعجبت من قدرته على تنويع علاقاته كإعجابي بشعره، وصبره على مرارة النضال واحتمال ما لا يحتمله سواه. 

 

-4-

 

أصدرت غادة السمان عن دار الطليعة كتيباً صغيراً التفكير فيه أكبر منه، لأن غادة نشرت رسائل غسان كنفاني إليها ولم تنشر رسائلها إليه. 

ومن غير المعقول أن يراسل غسان التي لا تراسله؛ فلماذا طوت رسائلها ونشرت رسائله؟ 

إن العدالة الوجدانية والوجودية تقتضي نشر رسائل الصديقين كما فعلت سلمى الحفار الكزبري عندما أصدرت رسائل جبران ومي؛ وكما فعل الرافعي الذي سمى كتبه “أوراق الورد” “السحاب الأحمر” “رسائل الأحزان” رسائلها ورسائله، وكانت رسائلها أقل، وكان بعضها استنتاجاً من موقف أو حكاية، فيؤلف الرافعي رسائل عن مي. لم تنكرها مي عند صدور الكتب الثلاثة. 

فلماذا لم تنشر غادة رسائلها إلى غسان كنفاني؟ 

ولماذا أخرتها إلى بعد موت غسان بعشرين سنة؟ 

وقد تنامت طبيعة نشر الرسائل حتى لو كانت دون مستوى النشر كرسائل محمود درويش وسميح القاسم، فإنّها أشبه بالرسائل الإخوانية العادية.

فهل نشر الرسائل اليوم بمثابة التفات إلى العصور الأيوبية والمملوكية، حيث النشر الفني ما حملته الرسائل الإخوانية. وكان لهذه الرسائل تفسير زمني إذ أن الأيوبيين والمملوكيين بمنأى عن الفن الأدبي إلا النادر؛ فعوض الأدباء الرسائل إلى الملوك بالرسائل إلى الإخوان، وكان أغلبها تهاني أعراس أو أعياد أو تعازي مآتم. إذ كان الأديب يشارك الأديب فرحه بعزل سلطان كان يؤذيه، أو اقتلاع والٍ لا خير فيه. 

فسبب تلك الرسائل غياب الممدوحين الأجواد الذين كانوا يتسمون بالثقافة العليا والحس النقدي من أمثال سيف الدولة وعبد الرحمن الناصر. وسائر الملوك والخلفاء، فإن ثقافتهم كانت تعلو على ثقافة الأدباء لامتلاكهم نوادر الكتب التي تمتلئ بها دكاكين الوراقين.

إن هذه الظاهرة تستدعي التغيير لأنّها وقعت في زمننا الضائع المضيع.

عن admin 1

شاهد أيضاً

وداد أبوشنب

المتخيَّلات السّردية (الكذب السّردي) والإيهام بالحقيقة في أجراس القبار للروائي مجدي دعيبس/ وداد أبوشنب

  المتخيَّلات السّردية (الكذب السّردي) والإيهام بالحقيقة :  رحلة (الحقيقة واليقين) في الرواية التاريخية: “أجراس …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: