الثلاثاء , مايو 24 2022
أسيد الحوتري
أسيد الحوتري

معالم الوجودية في رواية ١٩٠٠ مونولوج عازف البيانو في المحيط/أسيد الحوتري

أسيد الحوتري
أسيد الحوتري

معالم الوجودية في رواية (١٩٠٠ مونولوج عازف البيانو في المحيط)

للكاتب الإيطالي أليساندرو باريكو

رؤية: أسيد الحوتري

 

معالم الوجودية في رواية (١٩٠٠ مونولوج عازف البيانو في المحيط)

للكاتب الإيطالي أليساندرو باريكو

رؤية: أسيد الحوتري

 

الوجودية ليست فلسفة واحدة بل هي كثرة في واحد. من حيث الإيمان، تقسَّم الوجودية إلى وجودية مؤمنة وأخرى غير مؤمنة. يمثل الوجودية المؤمنة الفيلسوف الدنماركي (سورين كيركجارد)، أما الفيلسوف والكاتب الفرنسي (جان بول سارتر) فهو أفضل من يمكن تقديمه كممثل للوجودية غير المؤمنة.

الوجودية هي فلسفة القرن العشرين الذي شهد حربين عالميتين، وتتمحور عموما حول تحليل الوجود البشري، والطريقة التي يجد بها البشر أنفسهم في العالم، إذ يوجد الإنسان أولاً ثم يقضي كل فرد حياته في تغيير جوهره أو طبيعته. وهكذا، فالوجودية تقول بأن الوجود يسبق الجوهر. بمعنى أن الإنسان يوجد أولا في هذه الحياة، وبعد ذلك هو من يحدِّد معنى الحياة: لماذا يعيش، وكيف يعيش، ولمن يعيش وهو من يحدد أيضا ماهية الصواب والخطأ، فلا يلتفت إلى ما يعلّمه ويتوارثه المجتمع في هذا الشأن؛ وهكذا فالوجودي هو من يصنع مصيره بنفسه.

الوجودية المؤمنة ترى أن القدير خلق الإنسان ورمَى به في تِيه يعيش فيه بين قلق وخوف وألم. وهذا ما نراه جليا في رواية (١٩٠٠ مونولوج عازف البيانو في المحيط) حيث يُعتقد أن أسرة مهاجرة فقيرة رمت وليدها في قاعة رقص الطبقة الأولى في الباخرة (فيرجينيا) التي تمخر عباب المحيط جيئة وذهابا. إنّ شخصية (داني بوودمان ت. د. ليمون ١٩٠٠) تحاكي ما يدعيه الوجوديون المؤمنون، لأن (١٩٠٠) طفل مسيّب، متروك، مرمي كالإنسان الذي رماه الخالق في التيه. لم تختلف حياة (١٩٠٠) عما وصفه الوجوديون، فلقد عاش (١٩٠٠) الخوف والقلق والألم كما سنرى بالتفصيل.

يصعب الجزم بنوع الوجودية التي يمثلها (١٩٠٠)، لأن الكاتب قد عرض أدلة متناقضة تثبت أحيانا بأن (١٩٠٠) وجودي مؤمن وأحيانا أخرى تؤكد على عدم إيمانه، وسنأتي على توضيح هذا لاحقا.

لقد تصرف (١٩٠٠) تماما كما وضّح الوجوديون، فلقد حدّد هو بنفسه الصواب والخطأ، ورفض ما أُملي عليه وما وُجّهَ لعمله، ويبدو أنه ورث هذا السلوك عن والده بالتبني (داني بوودمان)؛ فعندما قال قبطان السفينة لـ(داني بوودمان) أن تبنيه للرضيع مخالف للقانون، رد (داني بوودمان) قائلا: ليذهب القانون إلى الجحيم! وهذا بالضبط ما يؤمن به الوجوديون، فليذهب القانون إلى الجحيم، فالوجودي هو أمير دولة نفسه، وهو صاحب السلطة التشريعية، أنه هو من يصنع القانون! لقد سار (١٩٠٠) على خُطا والده، فعندما اختفى بعد موت والده، ثم ظهر وهو يعزف على البيانو، قال له قبطان السفينة: هذا مخالف للنظام! فقال (١٩٠٠): ليذهب النظام إلى الجحيم! القبطان هنا يمثل السلطة وما تفرضه على الإنسان من قوانين وقواعد، ولكن هيهات فـ (١٩٠٠) وجودي بالفطرة، هو من يقرر النظام والقانون المناسبين الذين يخدمانه ويخدمان وجوده. لم يتوقف (١٩٠٠) هنا عند رفض قوانين السلطة، بل تعداها ليرفض الذوق العام، ففي الفترة التي كانت فيها موسيقى الجاز منتشرة انتشار النار في الهشيم، قال (١٩٠٠): فليذهب الجاز إلى الجحيم! وذلك عقب انتصاره على (مورتون) الذي تحداه بالعزف على البيانو. لم يتوقّف (١٩٠٠) عند هذا الحد أيضا، بل رفض كلّ محاولات الإقناع التي مورست عليه بشكل مباشر أو غير مباشر لمغادرة السفينة. فالوجودي حرّ لا يخضع لأحد، وهو الذي يحدد الصواب والباطل فيما يخص حياته ومصيره.

يؤكد الكاتب فكرة أن الوجودي مسؤول عن قراراته ويتحمل كل نتائجها بطيب خاطر. في مشهد فك فرامل البيانو حين أجلس (١٩٠٠) عازف البوق بجانبه بعد أن فك فرامل البيانو، ثم أسلما نفسيهما والبيانو إلى أمواج البحر، تحركهم جميعا كيفما تشاء. انتهت هذه المغامرة التي قرّر (١٩٠٠) خوضها بقرار منه، انتهت بكارثة حين اصطدم البيانو وراكبيه بـ(بار) صالة الرقص محطما إياه تحطيما. بعد هذا الاصطدام قام قبطان السفينة بمعاقبة العازفين، فأنزلهما إلى مراجل السفينة ليملآنها بالفحم. تقبل (١٩٠٠) هذه العقوبة بصدر رحب وكان هو وصديقه عازف البوق يمرحان ويضحكان أمام هذه المراجل اللاهبة. هذا هو الوجودي يتّخذ القرار، ويتحمّل العواقب بصدر رحب.

هذا المشهد يحمل معنى آخر من معاني الوجودية ففك فرامل البيانو يشير إلى التحرر من القيود، فالوجودي حر دائما وأبدا، والوجودي مسؤول كذلك، فلقد تقبّل (١٩٠٠) عقوبة إتلافه لـ(بار) صالة الرقص دون أي اعتراض.

يؤكد الوجوديون أن الإنسان الوجودي قلق باستمرار، لأنه يجد نفسه دائما مجبورا على اتّخاذ قرارات متعلِّقة بحياته ومصيره. لقد كان (١٩٠٠) قلقا في مواقف عدّة، وكانت هذه المواقف مفصلية في حياته. عندما قرر (١٩٠٠) الفرار من طاقم السفينة التي كان يسعى لإنزاله عن ظهرها يفترض أنه كان قلقا قبل أن يتّخذ قراره بالفرار؛ وعندما عاد ليظهر من جديد كان قلقا أيضا، فعودته للظهور من جديد كانت تشكل خطرا على بقائه في السفينة التي يعتبرها وطنه، ولكن مهارته بالعزف على البيانو أنقذته من مصير كان محتوما. كما نرى علامات القلق بادية على (١٩٠٠) بكل وضوح في اللحظة التي هم فيها بمغادرة السفينة والنزول منها. وقف (١٩٠٠) والقلق يأخذ منه كل مأخذ عند الدرجة الثالثة من السلم النازل إلى اليابسة. بدأ (١٩٠٠) يعيد حساباته، يفكر ويدبر ويراجع قرار المغادرة، ليكتشف أنه قد أخطأ في هذا القرار، فيعود أدراجه إلى الخلف، ليدخل في فترة من قلق ما بعد اتّخاذ القرار. هكذا هو الوجودي قلق باستمرار لأنه مجبور على اتّخاذ قرارات ستؤثر بالضرورة على حياته ومصيره. وهذا القلق يتمثّل في البحث عن القرار الأصوب والأنجع.

في المشهد الأخير من الرواية، يلتقي (١٩٠٠) بصديقه عازف البوق، تبدو علامات القلق عليه لأنّه قد اتّخذ قراره الخطير بعدم مغادرة السفينة التي تمّ تلغيمها بالديناميت، ذلك القرار الذي سيودي بحياته ويحيله إلى أشلاء! تحوّل قلق (١٩٠٠) إلى خوف، الخوف الذي قال الوجوديون أنه حُكم على الإنسان به عندما رمي في التّيه. واجه (١٩٠٠) هذا الخوف بآلية دفاع نفسية تجلّت في شكل سخرية. فأخذ (١٩٠٠) يتخيّل ماذا سيحدثه له بعد أن تنفجر السفينة به. سيصعد إلى السماء وسيُسأل عن اسمه وعما حدث معه، فيخبرهم باسمه، ولكن أحدا لن يتعرّف عليه، فهو غير مسجل في أي قيد! ثم يخبرهم بأن ذراعه الشمال قد قطعت، فيُعرض عليه بدلا عنها ذراع يمين! وهكذا يصير عازف البيانو بذراعين كلاهما يمين! وهنا يقوم (١٩٠٠) برسم الصليب بكلتا يده. مشهد ساخر يواجه به (١٩٠٠) الخوف المكتوب على كل البشر، يواجه به خوفه الذي نتج عن قرار مصيري اتخذه ولا رجعة فيه، قرار سيقوده إلى حتفه لا محالة. هذا المشهد يسلط الضوء من جديد على وجودية (١٩٠٠)، فهل هو وجودي مؤمن أم غير مؤمن؟ قد يزيد هذا المشهد من غموض الإجابة. فعند الحديث عن الدار الآخرة وعن ملائكة الحساب يتبادر للقارئ أن (١٩٠٠) شخص مؤمن، ولأن الحديث كان يفوح بالسخرية، أجد من الصعوبة بمكان الجزم بكون (١٩٠٠) مؤمنا حقا. هنا يترك الكاتب أليساندرو باريكو الباب مواربا على الوجودية المؤمنة وغير المؤمنة، ليكون (١٩٠٠) إنسانا وجوديا شاملا لكلا الفلسفتين.

أكد سارتر على أنّ الإنسان الوجودي إنسان حرٌّ، ولكنه مسؤول في الوقت نفسه. فالوجودية غير المؤمنة كما يوضح سارتر، تبنت فكرة “موت الإله” لكنها لم تتبنَ فكرة موت القيم، بل اعتمدت القيم وشدّدت عليها. إن الإنسان الوجودي الحرّ عندما يقوم بأي عمل يقوم به على أساس أنه مثال يحتذى به. وهذا ما لاحظناه على (١٩٠٠)، الذي لم يرتكب أي عمل ينافي القيم أو الآداب أو الأخلاق: لم يسرق، لم يقتل، لم يزنِ، لم يحقر من أحد، لم يطمع فيما ليس له ولم تكن له أي هفوات أو نزوات أو عداوات تُذكر. لقد كان (١٩٠٠) مثالا للإنسان الخلوق والمحترم والمبدع في مجاله.

المفارقة الكبرى في هذه الرواية تتجلّى في كون (١٩٠٠) إنسانا وجوديا غير موجود! في الواقع، هو موجود دون شك، أما في الوثائق والأوراق الرسمية، فلا شهادة ميلاد، ولا هوية، ولا دفتر عائلة، ولا قبيلة، ولا عشيرة، ولا وطن! (١٩٠٠) كان وجوديا، موجودا وغير موجود.

عن admin 1

شاهد أيضاً

أسيد الحوتري

تمظهرات الموت في (ليل طويل حياة قصيرة) لمجدي دعيبس / أسيد الحوتري

تمظهرات الموت: في المجموعة القصصية (ليل طويل حياة قصيرة)، للكاتب الأردني مجدي دعيبس. أسيد الحوتري. …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: