الإثنين , أكتوبر 18 2021
وداد أبوشنب
وداد أبوشنب

وأمّا قبل .. ناقد وبعد .. مقال – وداد أبوشنب

 

ليست المسألة في الحقيقة مسألة تقييم أو تقويم. إنما علينا إعادة النظر في ضبط المفهوم والمصطلح، في كل ما يتعلق بالأدب، وعندما أقول أدب فأعني أيضا النقد.
معضلتنا هي أننا أصبحنا نتشدق بمصطلحات فضفاضة غير مضبوطة، كأن يقول أحد المبدعين: أنا أتقبل النقد البناء فقط وغير ذلك فأنا أصم!! ماهو النقد البناء؟ وماهو النقد الهدام؟؟ حقيقةً إن المشكلة هي في النفس أو النفسية البشرية، حيث يقوم من يسمى بالناقد –عن هذا العصر أتحدث- بتحطيم المبدع –تجاوزا فلنسمه مبدعا فليس كل من خطّ حرفا أبدع- طبعا هذا التحطيم ليس مبنيا على غير الأحقاد والفشل الحقيقي الذي يحيط بناقدنا الافتراضي، فيمارس نقده طعنا في الظهر بمعوله الهدام والغاية ليست تقويمية ولا تقييمية. هذا نوع، أما النوع الثاني، فيستعير معزفة المديح ويعزف سيمفونيات إطراء لناص نصه يحتضر، ولا يمتلك أيا من الوسائل الموضوعية.
الناقد شخص مبدع، هو كاتب قبل أن يكون ناقدا، وإن عرّفه بعضهم بأنه كاتب فاشل، لم يبدع في الكتابة فاتجه إلى نقدها!!!
سأستطرد ولن أتبنى منهجا معينا في الحديث هنا، موت الناص في الدراسات البنيوية، والتفكيكية، يسهِّل الدراسة دون محاباة أو تحيز، لكن للأسف، ينطلق الناقد المعاصر من المناهج الألسنية بحجة أنه سيتبنى الموضوعية في تحليله ودراسته، وما يلبث أن ينزلق في الجانب الاجتماعي وصولا إلى التصفيق والتطبيل لصاحب النص، لأنه يهمه، فتضيع الموضوعية، ويغرق الناقد في درك من الظلمات لا يحسد عليه. تلك الحلقة السيئة هي التي جعلت النقد ينحدر، وجعلت ساحة النقد العربية تندب حظها. حلقة محكمة الإغلاق، فالنّاص وناقده وصاحب الجلسة أو الشهادة أو الندوة، أيا كان المسمى، هم أصدقاء مصلحة، لا يجمعهم علم، بل هدفهم هو الارتقاء على حساب جودة المنتج الأدبي نصا أو نقدا، فيدرس الناقدُ النّصّ ويكلله بأسمى صيغ المدح والإطراء والمجاملة و.. النفاق!!!! كي يعيد له المنتقَدُ الجميلَ في عمل قادم سيتحف الساحة الأدبية العجفاء به.
الخلل لم يكن يوما في مناهج النقد لأنها متنوعة ومتطورة، الخلل كله في التسابق نحو إنتاج الرداءة وتعزيزها بالمجاملات.

إن فرقنا بين النقد التطبيقي ونقد النقد، علينا توخي الموضوعية في كل الحالات، وفي كل المناهج، سواء تلك المتفرعة عن الشكلانية الروسية التي نادت بموت المؤلف، وأخذت النص منفصلا عن المحيط، إن كان فرديا ممثلا بالمؤلف، أو جماعيا ممثلا بالمجتمع، ومثال ذلك باختين الذي ركز على أعمال دوستويفسكي الروائية، واعتمد الحوارية وتعدد الأصوات والتعدد اللغوي!! التركيز هنا كان على أصوات العمل الأدبي، مجتثا إياه من محيطه كاملا. ثم تطور الأمر مع رومان جاكبسن فأنشأ شعرية أو إنشائية كما يحب بعض النقاد تسميتها، جاء جاكبسن بترسيمة أو مخطط يهتم بالمرسل والمتلقي والموضوع والرسالة والوظائف المنوطة بهم: إنشائية وانتباهية وإفهامية إلخ … وتودوروف وجينيت الذي جاء بأعظم منظومة لدراسة النصوص، إن كان على مستوى جامع النص أو العتبات، وتعمق كثيرا في “البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست، مستنبطا عناصر كانت مخفية. لن أطيل وإن عزّ علي أن أتجاوز غريماس الذي طور ترسيمة جاكوبسن وأسماها الترسيمة العاملية … هذا لمن شاء التطبيق، أما من حيث التنظير فمن عباءة باختين تخرج جوليا كريستيفا بتطوير مفاهيم النص إلى أن جاءت بمصطلح التناص !!
لست بصدد إلقاء محاضرة في النقد البنيوي وتطوره، لكن الحديث عن نقد النقد المحتضر يستدعي أن أذكر أعمال البنويين والسيميائين والتداوليين .. من الحرف والنص المغلق إلى فلسفة التأويل والحجاج بكل رواده غربا وعُربا، لأنهم كانوا علميين، ودراساتهم لم تُبْنَ على علاقات أو مصالح شخصية.
أعلم أنني أسهبت كثيرا في معلومات معروفة لدى الجميع، لكن القصد هو أن أولئك، علماء اللغة والتداولية، لم يجعلوا دراسة النصوص أمرا شخصيا، ولم يجاملوا بعضهم، فارتقى هذا العلم وارتقت سمعة المناهج إلى مكانة سامية، رغم أنها لم تعجبهم إذ شعروا بالتقصير. الآن في وقتنا هذا، وهو ليس ببعيد عن وقتهم، وبعيدا عن المغرب والجزائر وتونس، هنا في وسطنا هذا، أين الموضوعية؟؟ نادرا ما تجد ناقدا درس نصا بطريقة حيادية!!! فقد كان النّاص مدللا يستمتع بكل أسباب الدلال كطفل بين أحضان أمه، جميل ورائع وإن أرداه الزلل “فاشلا” ..
نقد النقد يحتضر فأنعشوه بموضوعيتكم .. نقد النقد، كالنقد والقصة والرواية والقصيدة والنثيرة، جنس أدبي يحافظ على سائر الأجناس ويطورها .. فأنعشوه .. أنعشوه … إنه يحتضر!!
سيبقى دور الناقد قاصرا مادام سوط المحاباة والضغط، في يد الناص.
وختاما بالنسبة لي كناقدة، فإن وظيفتي تقييمية لا أكثر، أضع الإصبع على موطن الجمال، أو على موطن الوهن النصّي لأتيح الفرصة لصاحبه أن يتفضل بتقويمه. فالنقد معناه هو فرز صالح الشيء من طالحه، وإن لم يذكر الطالح (( السير بمحاذاة الخطأ مع عدم ذكره: أسلوب أنيق للتصويب)). كل شيء سيتحسن إن استخدمنا غربال الموضوعية .. !!
وإن كان أساس النقد هو الذائقة المبنية على ثقافة الفرد وثقافة الشعوب وأيديولوجياتهم المختلفة، إلا أنني أنادي بالموضوعية قدر الإمكان .. كي لا نترك مجالا لاتساع الرقعة الضحلة لرداءة النصوص عامة.
*كم كررت لفظة الموضوعية!! كأنني أريد إيقاظها..!!
ملاحظة: ليس علينا أن نحظر كل من يهدي إلينا خللا في نصوصنا .. أتحدث عن النصوص الخالية من الأخطاء اللغوية!!! لأنني لن أضيع وقتي بالتطرق إلى الإهانات والسقطات اللغوية التي تعذب النصوص المتراقصة ألما أمام أعيننا.

عن admin

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: