الخميس , أكتوبر 6 2022
الروائي سامر حيدر المجالي
الروائي سامر حيدر المجالي

الروائي والمفكر سامر حيدر المجالي / تحاوره وداد أبوشنب

الروائي سامر حيدر المجالي
الروائي سامر حيدر المجالي

الروائي والمفكر سامر حيدر المجالي لنقش الثقافية

تحاوره: وداد أبوشنب

نزل المهندس سامر حيدر المجالي ضيفا على نقش مرتين، الأولى في عرض لكتابين، والثانية في إعلان عن إصداره الجديد: “مع الحياة: نظرات في صفاتها وأسرارها”. وها هو الآن يتصدر المجلة في حوار خاص بنقش.

الروائي سامر المجالي ما زال يشعر أنه مجرّد ريشة في هذا الكون، أو أقل خفّة منها، ومع مفارقة الريشة، بين خفتها لترتفع وتسمو، أو ثقلها بمفهوم التحميل بعبء الفكر والأفكار.. 

 

1 – أهلا وسهلا بك مهندس سامر على متن نقش الثقافية، أهلا بك دائما ومجددا.. بالنسبة لمفارقة “الريشة”، لن أقول كيف يرى سامر المجالي نفسه، أو أين يراها، لكن أين سامر من مفهوم الريشة وكيف ولماذا؟

الروائي سامر حيدر المجالي
الروائي سامر حيدر المجالي

أتمنى أن أحقّق بعض صفاتها؛ لنفكّر معًا: أنا وأنتِ والقراء جميعًا بالرمزية الثاوية هناك، عسى أن نكون كما الريشات التي تخطُّ الجمال فوق صفحة هذا الوجود. فهي؛ أي الريشة، من أقدم وسائل الكتابة، غير أنها تعدَّت الوسيلة لتكون أيقونةً للكتابة وانثيال الأفكار، وهذا شيء عابرٌ للثقافات، فالبشر مجمعون على هذه الرمزية لما تحيل إليه من دلالات إنسانية جامعة.. إنها تمتصُّ الحبر لتخطه فوق الورق، فتنثر ما كان مكثفًا، وتظهر إلى العلن ما كان باطنًا. وهذا لا يكون إلا حيث تكون الرشاقة ويمكن الطيران!

يقول الحلاج:

من أطلعوه على سرٍّ فنمّ به        فذلك مثليَ بين الناس قد طاشا

الكتابة هكذا، أسرار وتبليغات يطيش به المرء فوق أثقال الأرض.. إنه لشيء عجيب أن يتّخذ الإنسان وسيلة كتابته الأولى من أجساد الطيور.. لا يمكن للمثقل أن يكتب كتابة حقيقية؛ ولا يمكنه أن يعرف، وأن يصعد في معارج الروح.. سواء أكان مثقًلا بشهوات جسده، أم مثقلًا بالإكراهات (اجتماعية، سياسية، أيديولوجية… إلخ)، الكتابة رشاقة وحرية وتحليق وجمال، والريشة تحمل في ذاتها هذه المعاني جميعها.

 

2- يُعَد “شياطين في حضرة الملكوت” من أولى مؤلفاتك، هل توقعت أن تصل إلى مؤلَّف “مع الحياة”، وكيف بدأت رحلتك نحو إنجاز الكتاب العرفاني “مع الحياة: نظرات في صفاتها وأسرارها”؟

لم أتوقع في يوم من الأيام أن يكون لي كتاب! كنت متأمّلًا، مناكفا، مجادلا، أكتب مقالات متفرقة هنا وهناك، وأحبُّ أن أعرف كل ما يمكن معرفته.. خلال ذلك، خرج “شياطين في حضرة الملكوت” إلى الدنيا من تلقاء نفسه، وعبَّر عن العمر الذي سبقه. يُقال إننا نعبر عن قلقنا حين نكتب، وهذا صحيح، فلمّا وقع أمر الله، تعمَّقت التجربة، وكان لا بد لها من أن تسلك دروبا جديدة، وتخطَّ مساراتها على مهل، وأن تمتلك قصدية تبلغ بها مرحلة أعلى من المعرفة، لذا جاءت الحياة لتكون موضوع كتاب “مع الحياة”، ففيه منهجية تخصُّه، وسؤال واضح متشعب.

 

3- قد تبدو أسئلتي مقتضبة بعض الشيء، لكن إن حدّدتُها أكثر، لن أحصل على استفاضة في الردود، لذلك أقتضب أنا لتسهب أنت.. أين فكر المهندس سامر المجالي ورأيه من كتاب مع الحياة ومجمل ما ورد فيه من آراء وأبحاث؟ 

هذا سؤال مركب، رغم أنه يمكن القول ببساطة إنّ مؤلِّف الكتاب، أي كتاب، موجود في كلّ صفحة من صفحاته. سبب الصعوبة أنّ ثمّة وجودين يزاحمان بعضهما بعضًا في كل عمل أدبي: وجودًا مزامنًا للكتابة، ووجودًا تاليا لها. أمّا المزامن فيمكن له أن يكون وجودًا غفلًا، فقيرًا، يكتفي الكاتب فيه بنقل الأفكار دون أن يضيف لها موقفا مسائلًا أو ناقدًا أو شارطًا. وهذا يكثر في الكتب التعليمية، والملخصات، والأدب الرّديء، وما شابه ذلك. ويمكن لهذا الوجود المزامن أن يكون غنيًّا ومؤثرًا، عبر اختيارات الكاتب التي تعكس سياحته الطويلة بين الأفكار وفي بطون الكتاب، ثم حسن استدلالاته وموازاناته بين الأفكار، واتّخاذه موقفا، يضيف، فيؤيد أو ينقض، بشروط فكرية سليمة، يلتقي فيها الذوق الاستدلالي السليم، مع الحساسية التي تعرف الفرق بين الغثّ والسمين. وهذا؛ أي الوجود المزامن بصوره كافة يؤكد ما ذهب إليه دي بوفون في عبارته الشهيرة: “الأسلوب هو الكاتب”. ولقد حاولت في هذا الكتاب أن أنوِّع زوايا النظر، وأعكس تجربتي الإنسانية المنفتحة على كل الفلسفات ومدارس الأفكار، بيد أنّني في الوقت نفسه انطلقت من أساس يمثل الثقافة التي أنتمي إليها، والتي أعتنق منها ما أراه يعبر عنّي، ويجسد معاني إنسانية عابرة للتجارب، وهذا فيها كثير، بل هو قوامها، ذلك أنها تستند إلى رسالة إنسانية جامعة، توحّد وتبني في الإنسان موقفا إيجابيا من العالم.

أما من ناحية الوجود البعدي، فلعل الأمر فيه أعقد لأن المؤلف ينسحب تاركا المجال للقارئ أن يشكِّل النص ويُعمل فيه رؤاه. وهو مطالب في هذه الحالة بإفساح المجال للقارئ، ومنحه الهامش الذي يمكن له بواسطته أن يسهم في إحياء النص وإثرائه، وذلك يكون بالابتعاد عن إعطاء التفسيرات الجاهزة، أو محاولة توجيه القارئ، ورسم خطوط ومحددات له. لكن هذه العلاقة محفوفة بالمخاطر من قبل القارئ نفسه؛ إذ يُخشى من تعسفه وشططه في التأويل، متجاوزا بنى النص وسياقاته التي وضعها المؤلف (كالزمان والمكان في الرواية، أو المنهج الفلسفي في الكتب الفكرية) ما يجعل الأمر أحيانا قريبا من العبث. من وجه آخر، المؤلف –بحسب سارتر- بحاجة إلى حرية القارئ لمنح النص حياة إضافية، ومحاولة الحجر أو أدلجة أو انتزاع هذه الحرية من صاحبها تعود بالضرر على النص نفسه، ما يعني أن على الكاتب –مرة أخرى- أن يكون مدركًا للحدود التي يستطيع الحركة خلالها بعد خروج نصه إلى القارئ، وأن يقدس حرية التفسير والتأويل، ويكون واسع الصدر أمامها، وقادرا على تحمل تبعاتها، لكن بشرط، أن لا يتنازل عن شخصيته وخصوصية الحالة التي أدت به إلى اجتراح نصه. هذه موازنة صعبة، تحتاج كاتبا واعيًا وقارئًا حصيفًا.

 

4- هل تعتبر الكتابة في موضوع “الحياة” مغامرة من حيثُ كونها موضوعا مستهلكا، وكم لزمك من شجاعة للخوض فيه بنجاح مشهود له؟ 

ليس هناك موضوع مستهلك، بل هناك تناول مستهلك، وتقليد، وأدلجة، وجمود.. تتناول هذه كلها مواضيع بعينها فتراوح مكانها ولا تنتقل إلى جديد.. أما الحياة فهي أوسع ما يمكن للمرء أن يتناوله، وأحسب أنها لا تبلى ولا يُحاط بها.. إنها أم الأسماء الإلهية، بحسب وصف علماء الكلام المسلمين لها؛ أي هي منجم الحكم والمعاني والتجليات. ولعل زاوية واحدة من زوايا النظر؛ أقصد الإدراك والفعل، اللذين أرساهما علماء الكلام وصفين للحياة، هذه الزاوية كفيلة بابتداع رؤى حضارية جمة، تبث الطاقات في أجساد تكاد تموت كسلًا ونكوصًا عن أداء واجبها الإنساني والحضاري.

 

5- الما بعد حداثوية، معضلة العصر، ورؤى لا تكاد تستوعبها العقول البشرية العادية، فكر فلسفي حداثوي، وقد تطرقت إليه في كتابك “مع الحياة”، كيف تخدم الما بعد حداثوية الواقع الراهن، وما رأيك بظرية السايبرغ، وبالميتافيرس؟ 

الحقيقة أن السايبرغ والميتافيرس تمثلان نشوة الإنسان بمنجزاته التقنية ورغبته في تحطيم الحواجز جميعها.. هذه الظاهرة نتيجة للحداثة وشعور الإنسان بأنه امتلك مقاليد السيطرة على ظواهر الوجود. أما ما بعد الحداثة –بحسب فهمي الخاص لها- فهي ارتداد أو ثورة على ضيق الأفق الذي تسبب به العلم التجريبي، وكان من نتيجته استعباد الإنسان من قِبل التقنية والعلم، وتجاوز الحدود بالاعتداء على خصوصياته وحريته، وفقدان الأشياء لمعناها ما دامت محوسبة ومؤتمتة.. إن كونًا كهذا يفقد المعنى الثاوي الذي نبحث عنه، هذا كون يحرمنا الفضول، ويأخذ منا الدهشة، ويحوّلنا إلى كائنات سايبورغ مسيرة ضعيفة الإبداع قليلة العاطفة. كون كهذا سيكون خاليا من المفاجآت. ولعل هذا يربطنا إذا عدنا إلى كتاب “مع الحياة” بما يمكن أن نفهمه من نظرية “الإنسان الكامل” عند ابن عربي، تلك النظرية التي تتصوّر كونا أخلاقيا كبيرا، يتجاوز الكون الميكانيكي الذي يتحرّك بلا روح ولا غاية.

 

6- يقول جورج لوكاش: ((التاريخ هو رواية ما كان، والرواية هي تاريخ ما يمكن أن يكون)) يحاول كاتب الرواية التاريخية إثبات هويته أو سرديته الصغرى من خلال النسق التاريخي للرواية؟ كيف كان الأمر مع المؤابي وسامر المجالي؟ هل تجربتك هذه، محاولة لإثبات سرديتك الصغرى، أم هي تسجيل الذاكرة المؤابية للتاريخ، وإن كانت مسجلة فعلا ولن تغيب؟ ونحن نعرف أنك مؤابي-كركي-نشمي. وإن لم تكن مؤابيا، هل كنت لتبدع في هذه الرواية؟ 

كل رواية ترمي في حقيقة أمرها إلى تقديم رؤية ما، والهوية جزء من هذه الرؤى التي نحاول فهمها، سرديا أو بطرق أخرى. في المؤابي أردت الوصول إلى ملامح مرحلة من أدق المراحل التي مرّ بها شرق الأردن عامة، ومدينة الكرك خاصة، لا سيما أن تلك الفترة التي عالجتها الرواية غير متناولة نقديا؛ أي أنها خاضعة لرؤى (تقديسية) سواء على مستوى الحدث أو الشخصيات، وسواء في مستوى التوثيق الأكاديمي أو التناول الشعبي الشفوي. حاولت أن ألج إلى الزمن بعين ناقدة، تجرد الشخصيات من هالتها وتحاسبها بوصفها بشرا من لحم ودم. أما كوني مؤابيا يكتب عن مؤاب، فلا شك أن فيه أمرا شخصيا ورغبة في نقل واقع محلي إلى ما هو أوسع من محليته، لكنه أيضا ناتج عن عمق المعرفة بالموضوع المعالج، إذ وجدت المادة الكافية لتكوين رؤية جديدة من الحدث. الكاتب كالتاجر، يذهب إلى السوق التي يحسن فيها صفقته، وأنا بوصفي كاتبا، وجدت أن أدواتي المعرفية بخصوص تلك المرحلة تؤهلني للكتابة عنها، ولعل صفقتي فيها (مع الموضوعية والأدب) تكون ناجحة.

 

7- لننتقل إلى نوع آخر من الأجناس الأدبية، والذي أجدك تتقنه تماما: جنس المقالات، رغم كثرتها، وتنوعها بين أغراض تعليمية وأدب ساخر ونقد، هل تجد أنها تؤثر فعلا في المجتمع؟ هل ترى لها أصداءً غير متعة اللحظة بها؟ 

المقالة اليوم من أخطر الأدوات، بسبب شيوعها ووصولها إلى أكبر شريحة من الناس، ولما يغدق على كتابها من رضا سلطوي يمكنهم من إيصال ما تريده تلك السلطة إلى عامة الناس. يدخل تحت هذا البند المقالة السياسية، والأدبية، والفكرية، وحتى الرياضية، فكلها أدوات في يد من يسيرون الصحافة (ورقية وإلكترونية) إلى غايات محددة.

ولا شك أن لها إن أُحسِن أداؤها غايات تفوق المتعة بكثير، وربما حرّرتها من هيمنة السلطة عليها إن وجدت كتابا مسؤولين أمام ضمائرهم. إنها أدوات تنوير، ووسيلة حوار، بل إن سجالاتها عدت في فترة من الفترات سجلًا أدبيًّا معرفيًّا راقيًا، ناقش كثيرًا من القضايا في الصحافة المصرية وغيرها، كسجالات العقاد وطه حسين والمازني والرافعي، وهي سجالات تناولت قضايا فنية وجمالية ولغوية وتراثية وفكرية وسياسية، كل ذلك كانت المقالة أداته، وما زال محفوظا بأبلغ عبارة، وأدق فكرة. وتلك واحدة من أهم خصائص كتابة المقال، فهي تقوم على العبارة البليغة والفكرة الواضحة والاقتصاد في الكلمات، وتلك مهمة احترافية تتطلّب كُتّابا على سوية عالية. إن القارئ عجول وملول، ولا سبيل إلى إيصال الفكرة إليه بغير الومضات المقالية التي تحسب حساب كل حرف من حروفها.

 

8- هلاّ حدثتنا عن الأدب الإلكتروني والأدب الورقي وأدب البصريات والسمعيات، وماذا يمكن أن تقدم من نصائح لمجلة إلكترونية كـ “نقش الثقافية”؟

لست متأكدا من معلومتي، لكن أظن أن أدب البصريات والسمعيات هو بعض من الأدب الإلكتروني، وهي وسيلة ناجعة لإيصال الأدب إلى شرائح الشباب والمراهقين الذين بات الكتاب الورقي غير معروف بالنسبة لهم، لا سيما في ظرف كورونا حين غدت العملية التعليمية نفسها قائمة على الدراسة عن بعد.. بيد أن لهذا الأدب تجليات أخرى، وطرقَ تلامُسٍ مع المستمع تختلف عما عهدناه في الأدب الورقي، كالنصوص المسموعة، والصورة ثلاثية الأبعاد، ما يؤدي إلى امتزاج الأدب والفن، ونشوء ثقافة جديدة، لا نستطيع رصد نتائجها في الوقت الحالي..

أما مجلة نقش، فهي من التجارب التي تبشر بخير عميم، وقد حوى العددان الأول والثاني منها مواد على غاية في الجمال والعمق.. ما يهم دائما هو امتلاك رؤية والاتجاه نحوها، مع الحفاظ على خصوصية الأدب واحترامها مهما تبدلت الأوضاع والأحوال.

 

9- المهندس والروائي سامر المجالي، مدير المحتوى في دار “الآن ناشرون وموزعون”، ما هي استراتيجية هذا المسمى الوظيفي، هذا الاشتغال الذي تفتقر إليه معظم دور النشر، هل هو ضروري؟ 

الحقيقة أنه ضروري جدا إذا ما أردنا الارتقاء بصناعة النشر، وخدمة الكاتب القارئ، لأن المحتوى يعني الاشتباك مع الكاتب في النواحي اللغوية والمعرفية، وربما الأسلوبية لنصه قبل خروجه إلى القارئ، ما يعني أننا نشتغل مع الكاتب على مستوى أعلى من الإبداع.. ولا شك أن دور النشر العربية بشكل عام تفتقر إلى هذه المهنة، وإن أُدِيَت فإنها تؤدى بشكل انتقائي وخارج إطار العمل الرسمي للناشر، وبتكاليف إضافية يتكبدها الكاتب. وأريد هنا أن أؤكد أن إدارة المحتوى لا تعني بأي حال من الأحوال التدخل المباشر في النص، وإنما هي عملية استشارية فحسب، وهي كذلك عملية نصية تعقيبية، تفحص النَصَّ بعد وروده من المؤلف، وتُجري عملياتها عليه من نواحٍ خمس:

أولاً: تدقيق النص إملاءً ونحوًا وصرفًا، ووضع علامات الترقيم في مواضعها المناسبة التي تُسهّل على القارئ استيعاب الفقرات، وربط الجمل بعضها ببعض.

ثانياً: التحرير، وهو إجراء يقوم على ضبط منطق اللغة، وجعل العبارات متسقة ومفهومة بعناصرها من حامل ومحمول وعلاقات بنائية وسببية وزمانية.

ثالثاً: تنقيح النص من الأخطاء اللغوية الشائعة، مع المحافظة على وضوح المعنى عند كل فئة من فئات القُرّاء.

رابعاً: رصد علل النص، وهي الخطوة الأدقُّ والأصعب؛ ذلك أنها تبحث عمّا يختفي داخل النص من تناقضات. وهو أمر بحاجة إلى خبرة وإحاطة بالجو العام للنص. ورصد العلل مُستَمَدٌ من تراثنا في علم الحديث النبوي الشريف، إذ كان علماء الحديث قادرين على رصد العلل المختفية داخل المتون، حتى لو صحَّ سند الأحاديث.

خامساً: رصد الأخطاء المعرفية، وهي خطوة تشمل كل ما قد يرد داخل النص من معلومات، مهما كان مجالها. علمًا بأن هذه الخطوة تتطلب دراية خاصة واطلاعًا واسعًا، وحرصًا على مساءلة كل معلومة ترد داخل النص.

هذا النوع من الضبط قلَّ من يؤديه على أكمل وجه، بل إنه شبه مفقود في صناعة النشر في بلادنا.

يبقى أن أشير مرة أخرى إلى أن هذه العمليات جميعها تتمُّ بالتنسيق المباشر مع الكاتب، وإبلاغه بالملاحظات جميعها أولاً بأول، مع ترك الخيار النهائي دائماً له هو في الموافقة على أي تعديلات يتطلبها النص، وإن تمت أي تعديلات فإنها تكون بلغة الكاتب، وبمحض اختياره.

 

10- الأدب رسالة، والفن رسالة، ولكل إنسان رسالته على وجه الأرض، ما هي رسالة الأدب؟ (سؤال كلاسيكي، لكنني أعوِّل على إجابتك المختلفة، كما عهدناك! وأعلم أنها ستكون انزياحا في عالم المفاهيم المعهودة).

الإجابة أيضا ستكون كلاسيكية لأننا نتحدث هنا عن قيمة، قيمة الأدب، وقدسية الحرف. رسالة الأدب أن يكون صادقًا، حقيقيًّا، لا يجامل.. لكن في الوقت نفسه عليه أن يكون مدركًا لديناميكية الحياة، وأنها لا تبقى على حال، فيزرع في الإنسان الأمل والرغبة في التغيير.. الأدب بهذا نظر في الماضي بهدف العبرة، واستشراف للمستقبل بهدف بلوغ الأفضل.. الأدب من أجل الأدب كما راج في عصر النهضة رفاهية لا يستطيع الإنسان أن يدفع ثمنها، الأدب موقف من الحياة، حرية وإبداع ومحاكمة وإشارة وقلق وترويض وعبادة وإخلاص..

 

11- كيف ترى مكانة الأدب العربي عالميا، مقارنة بالآداب الأجنبية الأخرى؟ وكيف ترى تطوره بالنسبة لتطور الآداب الأجنبية أيضا؟

ثمة هموم كثيرة.. المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية لا يعكس مكانة اللغة العربية، ولا عمقها الحضاري أو إمكانياتها الثرية.. هذا لا شك يخبرنا عن مكانة الأدب العربي؛ ذلك أنه أدب غير مخدوم، يقبع في الظل، فإن أفلتت منه بادرة عدت استثناء لا يقاس عليه..

المشكلة حضارية بالدرجة الأولى، نحن لا نخدم أنفسنا، وننظر بشك إلى منتجنا القديم والحديث. وتأخذنا المركزية الغربية إلى مزيد من التهميش وازدراء الذات وجلدها. وهناك تيارات تشتغل على هذا الجانب، ظهرت منذ بواكير عصر النهضة العربية، كما فعل سلامة موسى حين هاجم القدماء من الأدباء العرب والمحدثين، عادًّا الأدب العربي أدب قصور وجوار لا يعبر عن حقيقة التجربة الإنسانية. وهذا برأيي حرف للواقع، وإمعان في استنطاق الشاذ والغريب من أدبنا.. البروباغاندا تصنع كل شيء، تجلب الأضواء لنفسهاـ وترسل إلى الظل ما سواها..

 

12- لمن تقرأ وكيف تقرأ؟ (لا بأس، سؤال كلاسيكي آخر)

أقرأ في كل الاتجاهات، ليس عندي مواقف مسبقة من أي معرفة أو كاتب، وأؤمن أن الحكمة منبثة في كل مكان، وكل يؤخذ من قوله ويرد، والناس يسرون إلى منابع النور بحسب طاقاتهم وطبيعة عقولهم.

 

13- ما الذي جعلك تنتقل إلى المجال العرفاني؟ وهل بهذا الانتقال تجاوزت الكتابة في الحقول والأجناس التي كتبت فيها سابقا؟ وهل ستعود إليها أم تبقى في مجال العلوم العرفانية؟ 

لم أنتقل.. أنا أصلا باحث عن الحقيقة، مأخوذ بجمال هذا الوجود، وكل محاولة يدلي بها كاتب (شعرا، نثرا، فلسفة، إلخ) هي في حقيقتها خطاب يجابه به ذاك المبدع الوجود..

 

14- ماذا بعد “مع الحياة: نظرات في أسرارها وصفاتها”؟ 

لا أدري على وجه التحديد.. هذه أرزاق، لكني مشغول حاليا ببول ريكور وتصوراته النقدية، كذلك يبدو المؤابي واقفا على شرفة تاريخ بلدي الأردن منتظرا مزيدا من الإسهامات في هذا الاتجاه.. كذلك أحب أن أدون تجربتي في إدارة المحتوى، لا سيما مع الكاتبات وخصوصياتهن الإبداعية التي أطلعت على كثير من تفاصيلها، وقد أدونها رواية على الأغلب..

الروائي سامر حيدر المجالي
الروائي سامر حيدر المجالي

 

15- كلمة في ختام الحوار من “سامر المجالي” توجهها لمن تشاء.

أوجه الكلمة لكِ دكتورة وداد، مثمنًا ما تبذلينه من جهد ثقافي عظيم في مجالات شتى، من ضمنها هذه المجلة التي تقدم محتوى متميزًا، والتي أعلم حجم الصعوبات التي تكتنف كل عدد من أعدادها، لكنك مصرّة على إتمام مشروعك هذا، ولا بد أنّك ستنجحين.. أتمنى لك مزيدا من التقدم والعطاء..

عن admin 1

شاهد أيضاً

د. أماني محمد ناصر

الفنانة السورية بادية حسن في حوار مع د. أماني محمد ناصر

  حوار الفنانة السورية بادية حسن: الفن النظيف هو الذي يحترم ذائقة الجمهور ويلامس مشاعره …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: