الخميس , أكتوبر 6 2022
آحمد اانظامي
آحمد النظامي

القاص والروائي مصطفى لغتيري لنقش الثقافية/ حاوره أحمد النظامي

المشهد الثقافي في المغرب العربي في تطور ملموس ويحقق إنجازات جيدة”

القاص والروائي المغربي مصطفى لغتيري لـ”نقش الثقافية”:

الكتابة مسَّتني بسحرها الأخّاذ

حاورهُ/ أحمد النظامي

 

آحمد اانظامي
آحمد النظامي

لم تعد كل «الطرق تؤدي إلى روما» كما يقال.. لكنها هذه المرّة تؤدي بنا إلى مجرة ضخمة من مجرات الأدب والإبداع والوهج الثقافي.. إلى القاص والروائي المغربي مصطفى لغتيري..

هبط إلى الدنيا في صباح أبيض وفي الدار البيضاء من العام 1965م، ليكون ذلك العام إيذاناً بميلاد أديب مبدع متعدد السطوع والحضور والعطاء.

وبالتالي فالحديث معه معناه الصعود في معارج الكلمة الصادقة والثراء المعرفي العميق والرصيد الثقافي المشرق.. لشخصية تتماهى وجداً وحباً للكتابة مخلصةً لكل ما تكتب؛ لدرجة أن الكتابة مسته بسحرها الأخّاذ.

أثرى المكتبة والمشهد الثقافي بما يزيد عن 34 كتاباً ما بين القصة والرواية.. ناهيك عن بعض كتاباته وتناولاته الأخرى.

كُتبت عن إصداراته عددٌ من الدراسات وتُرجمت بعض قصصه وكتبه إلى اللغة الفرنسية والإسبانية والإنجليزية.. ونال العديد من الجوائز..

يُقطر قلبه شغفاً مع كل كتاب جديد ينجزه حيث تتجدد خلاله أبعاد الذات وينفتح طريق الحلم باتساعٍ رحيب.

ربع قرنٍ من العطاء والحضور المشرق وما يزال لغتيري بحجم ألف عام.. مؤكداً أنه يختزل الزمن في نصوصه وأحلامه ليراه مجسداً في إصداراته وكتبه.. ذلك لأن الزمن نسبي لا يهمه في تعاقبه الكرونولوجي..

 

مصطفى لغتيري
مصطفى لغتيري

 

في مجلة “نقش الثقافية”.. كان لنا وارف الاعتزاز بإجراء هذا الحوار معه، فكانت الحصيلة:

 

1- بداية الترحال في زوايا هذا اللقاء الجميل بجمال ضيفنا المشرق.. رحِّب معي بكائن عطري يسكنك/ يشبهك تماماً يكتب بأصابع الروح وتجليات المخيلة فضاءات السرد قصصاً وروايات… رحِّب معي ولترحب مجرات الدهشة بالقاص والروائي مصطفى لغتيري.

• طبعا كل السعادة تغمرني وأنا أتشرف بحط الرحال في هذه الرياض الغنّاء، مجلة “نقش” الغرّاء، حيث جميل القول ورقة الأحاسيس، والقضايا الثقافية الجادة، وحفاوة الترحاب، كيف لا وأنا أحل ضيفا على رفاق الدرب، الذين جمعني به الشغف بالكلمة الراقية والمواقف النبيلة، وسعادتي تتضاعف بكون هذا المنبر الإعلامي الثقافي تمتد أحد خيوط انتمائه إلى بلد أخصّه بكل الحب والتقدير، فقد جمعني ويجمعني بأدبائه من شتى الأجيال كثير من التقدير المتبادل، ففي مسيرتي الأدبية قرأت كثيرا من نصوص الأدباء اليمنيين، وكتبت عنها، كما حظيت نصوصي كذلك بقراءات عميقة وجميلة من عدد من الأدباء اليمنيين، الذين تجمعني بهم بالإضافة إلى ذلك علاقة إنسانية باذخة، لا تزيدها السنين إلا قوة وترسيخا.

 

2- كسؤال تفرضه لحظة الفرح بوجودك معنا في هذا اللقاء.. أين يجد مصطفى لغتيري نفسه اليوم بعد 21 عاما من العطاء الأدبي؟

• هنا تحدثني عن الزمن، ما هو الزمن، كيف يمكن التحكم فيه؟ هل حقا هو تراكم الأعوام والشهور والأيام، أم هو تراكم اللحظات المميزة في الحياة؟

مر الآن واحد عشرون عاما على صدور أول كتاب لي عام 2001، لكن الكتابة مستني بسحرها الأخّاذ قبل ذلك بسنوات، لا أذكر من كل هذا الزمن سوى تلك الفرحة، التي رافقت صدور نصي الأول وتلك التي غمرتني بعد معانقة كتابي الأول للنور، وبعد ذلك أضحت السنوات بالنسبة لي تعد حسب صدور كتاب جديد، وكأن كل كتاب جديد هو ولادة جديدة، تتجدّد خلالها الذات، وتكتسب أبعادا جديدة، وينفتح طريق الحلم بشكل أرحب.

لقد عرفت سنوات بعينها صدور أكثر من كتاب لي، وكانت بذلك سنوات مضاعفة، أشعر حقيقة أن الزمن مخادع، ولا يمكن التعاطي معه بشكل عادي، حقيقة أشعر وكأنني عشت أكثر مما هو مسجل كسنوات حقيقية وواقعية، لدي إحساس بأنني عشت تاريخ البشرية بأجمعه، ما دمت قد كتبت عن قصة الخلق في بوادرها وتجليتها الأولى في إحدى رواياتي، وبأنني عشت كذلك ما هو قادم من زمان، بعد أن كتبت عن بلدي ومعه العالم بعد 100 سنة تقريبا في رواية الخيال العلمي “أمومة لم تكتمل”، لقد عشت ذلك وكأنه حقيقة ملموسة بسبب تفاعلي العميق مع ما كتبته في تلك الرواية.

خلاصة القول، إن الزمن نسبي، ولا يكاد يهمني كثيرا في تعاقبه الكرونولوجي، ويسعدني أن اختزله فيما كتبته من نصوص وما عشته من أحلام، وما تيسر لي من خيال صببته على الورق، حالفني الحظ في رؤيته مجسّدا في إصدارات.

 

 

3- قد يدرك المطّلع على بيبليوغرافيا أعمالك الأدبية بأنك بدأت قاصاً ثم روائياً، حيث يُلاحظ بأن أول إصداراتك هي ثلاث مجاميع قصصية: “هواجس امرأة”، و “شيء من الوجل”، و “مظلة في قبر”. ثم تلا ذلك صدور أول رواية لك “رجال وكلاب” عام 2007.. لماذا القصة أولاً ثم الرواية بعد ذلك؟

• طبعاً، من الصعب الإجابة عن هذا السؤال بكثير من الاطمئنان؛ لأن الأمور لا تكون عادة كما تبدو عليه، فأسبقية صدور القصص القصيرة في كتب، ليس معناه أنها كُتبت هي الأولى، فغالبا ما لا يكون النشر معبّرا حقيقيا عن أي جنس كان الكاتب مهتماً به أكثر من غيره، ربما ما ساعد على ظهور القصة القصيرة بداية هو سهولتها في النشر، لأنني دأبت على نشر جميع النصوص القصصية في المجلات والجرائد قبل أن أجمعها بين دفتي كتاب، لكن هذا لا يعني أنها كانت أول ما شغلني على مستوى الكتابة، لقد كنت بالموازاة أكتب الرواية والقصة، لكن القصص كان حظها أوفر وأيسر فيما يخص النشر، وحتى على مستوى الرواية، فقد كتبت رواية “عائشة القديسة” قبل رواية “رجال وكلاب” ودفعت بهما معا إلى ناشرين مختلفين، فظهرت “رجال وكلاب” قبل “عائشة القديسة” بسنة واحدة. الأمر نسبي جدا، وشخصياً أعتبر نفسي منتمياً إلى صفّ الكتّاب، الذين لا يعتبرون كتابة القصة القصيرة مرحلة تسخينية لكتابة الرواية، فبالنسبة لي لكل من الجنسين الأدبيين خصائصه المائزة التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون أحدهما قنطرة للمرور إلى كتابة الآخر، وأعتقد أن من يظنون أن كتابة القصة القصيرة تمرين وتدريب للمرور إلى كتابة الرواية، يعانون بصراحة من قصور في إدراك طبيعة الأجناس الأدبية.

شخصيا، ما زلت إلى اليوم أجاوز بين القصة والرواية وأكتبهما معا، بالإضافة إلى الكتابة في أجناس أدبية أخرى، وآخر كتاب صدر لي هو كتاب في القصة القصيرة عنوانه “وكأنه الخلود” وقد كتبت بعده رواية قد تصدر العام المقبل.

 

4- ما بين “هواجس امرأة، 2001” و “كأنه الخلود، 2022” نقف أمام 32 إصدارا لك أيضا تنوعت ما بين القصص والروايات والرحلة والمسرح والمقالات الأدبية والتربوية والأخرى.. لكن يا تُرى أي الأعمال منها أحب إلى قلبك؟

 

• من الصعب جدا المفاضلة بين كتبي، فلكل كتاب مكانته في قلبي وله ظروف معينة ساهمت في إنجازه، غالبا ما تكون مرتبطة بشحنة عاطفية معينة، عشتها وعايشتها بكل جوارحي، لكن بعض النصوص تفرض نفسها على المرء أكثر من غيرها بسبب سياقات التلقي مثلا، فكتاب يحظى بقراءة أكثر من غيره، ربما يصبح مفضّلا أكثر لدى صاحبه، في هذا المجال لا أخفي طبعا حبي الشديد لقصصي القصيرة جدا، التي أشعر بأنها قد عبّرت بعمق عن وجهات نظري في كثير من القضايا بشكل غير مباشر، كما أنها التقطت إشراقات أقرب إلى الحالة الشعرية، لكن بلغة نثرية وسياق حكائي، ومع ذلك يمكن أن أقول بأن رواية “الأطلسي التائه”، كانت بالنسبة لي حلمًا قد تحقق، لأنني تمنيت كتابتها، وقلّبتها في ذهني لأكثر من أربع سنوات قبل أن أكتبها، وقد أتاح لها النشر في (دار الآداب) حظوة تمنيتها لها فتحققت، ونالت كذلك اهتماماً كبيراً من لدى القرّاء، وكُتب عنها كثير من المقالات النقدية فضلا عن بحوث جامعية. كما أن للسيرة الروائية “حب وبرتقال” مكانة خاصة في قلبي، لأنها تسجل ذكرياتي مع أعز إنسان في حياتي وهو أمي.

 

5- كتابة السيرة إذن.. برأيك سهلة أم أن بعضهم يتوهم ذلك؟ وهل باستطاعة الكاتب أن يكتب ذاته للتعبير عن الآخرين، أم إنه يظل متقمصاً هموم ومواجع الآخر، مؤجلاً الاقتراب من الذات إلى أجلٍ غير مسمى؟

• الكتابة عن الذات صعبة وسهلة في الآن ذاته، فكاتبها يتوهم أنه ينقل حياته للقراء، ومن هنا يأتيه الانطباع بسهولة ما يكتب، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فهو لا يمكن أبدا أن ينقل الواقع كما هو، بل ينقل وجهة نظره وهو شخص بالغ يمارس الكتابة تجاه مرحلة معينة، ويكفي أنه ينتخب من الأحداث ما ينقله إلى القارئ لتنتفي الصبغة الواقعية على ما يكتبه، إنه يختار حدثاً ويترك غيره، كما أن الجانب الفني يتدخل لتزيين حدثٍ ما، وتقديم صورة سيئة عن حدثٍ آخر، هذا إذا افترضنا الأمانة فيما يكتبه، ثم إنه يتذكر أحداثا مرت عليها سنوات عدة. فمن يضمن لنا أن الوهم قد لا يخالط الذكرى، أضف إلى ذلك الجرأة في نقل تفاصيل حياته وحيوات أناس يرتبطون به، ثم القيمة الأدبية لكل ذلك، هل فعلا تحققت من خلال ما يكتبه، إذن نحن أمام عملية معقدة، قد تنجح أحيانا وقد يجانبه النجاح في كثير من الأحيان.

في السيرة الذاتية قد نكون أمام خلق ذات جديدة، كما يرغب فيها الكاتب، وليس استرجاعا لذات الكاتب كما كانت في مراحل معينة.

 

 

6- لكل كاتب سمات أسلوبية يتميز بها، ونحن لسنا بصدد الكشف عن ذلك هنا ولا بصدد الحديث في أسلوبية النص الروائي عند مصطفى لغتيري واستنطاقها، وإنما سيقتصر القول هنا بالإشارة إلى “الأسطورة والتاريخ” وتجلياتهما في “عائشة القديسة” و”تراتيل أمازيغية” تحديداً؛ لنسألك فقط: إلى أي مدى كان اختياركم لهذا المنحنى وأسباب ذلك؟

• لا أخفي عليك أن استغلالي للترات وللتاريخ ينبع من إيماني العميق بأهميتهما بالنسبة للذاكرة، وبالنسبة للوعي، ففهم الماضي واستيعابه، يسهل الانطلاق بثقة وثبات نحو المستقبل، هذا فضلا على الجانب الفني الجميل فلا شك أن توظيف أحداث التاريخ وشخصياته يمنح العمل الأدبي قيمة جمالية لا شك فيها، كما أن هناك حافزا آخر يمكن أن نعتبره إلى حد ما غيرة على تاريخنا الوطني أو القومي، فالمغرب يتوفر كباقي الأوطان على تاريخ عميق ومتمدد في التاريخ، فمن العيب عدم إبرازه والاحتفاء به والافتخار به، فالأمازيغ كما يعلم الجميع أصيلون في المغرب وكانت لهم حضارة ما زالت معالمها متواجدة حتى اليوم، تظهر في الفن واللباس واللغة والطبخ والعمارة وغير ذلك، لذا وجب إبرازها. يتميز المغرب بتعدد مكوناته الثقافية، التي امتزجت فيما بينها مع الزمن وأعطت خليطا متجانسا، دون أن يمحو شخصية كل مكون على حدة، ويمكن ملامسة ذلك من خلال زيارة جهات المغرب، من شماله إلى جنوبه في أعماق الصحراء، ومن شرقه إلى غربه، وهذا ما حاولت إبرازه في رواية “تراتيل أمازيغية”، التي صورت فيها مملكة أمازيغية ازدهرت في المغرب قبل دخول العرب والمسلمين إلى البلد، وقد قامت هذه المملكة بحرب استنزاف ضد الغزاة الرومان. أما بخصوص الشق الثاني فاشتغالي على أسطورة “عايشة قنديشة” في رواية “عائشة القديسة” كانت له دوافع عدة منها ما هو تنويري، من خلال تشريح ذهنية الإنسان المغربي، الذي تتقاذفه تيارات عدة، ولم يحسم بعد في ضرورة ترجيح الفكر العقلاني على الفكر الخرافي، كما أنها تعطي صورة عن تكون الخرافة في العقلية المغربية، انطلاقا من تحريف وقائع تاريخية معينة، فالرواية تمارس نوعا من السوسيولوجيا عن طريق الفن الروائي.

 

7- يرى الروائي السوداني أمير تاج السر: أن المشتبكين مع الشعر يبتعدون عن القرّاء.. فأين تقف (كروائي وقاص) من هذه الموضعة؟

• في رأيي أن الأدب بطبعه نخبوي، وقراءته تتطلب التوفر على رصيد معرفي وثقافي، ويتفاوت في ذلك جنس أدبي عن آخر، فإن كانت الرواية مثلا أقل صعوبة في القراءة بسبب عناصرها المهيمنة وخاصة لغتها الواضحة، والحكاية التي تكون لحمتها، والإيهام بالواقعية التي تتميز بها، فيشعر قارئها وكأنه يلتقط تفاصيل واقع يعرفه من خلال قراءته للرواية، ويتضاءل هذا الشعور مع القصة القصيرة التي تعتمد بشكل كبير على التكثيف، وتوظيف الإيحاء بشكل كبير في خلق الأثر المرجو من كتابتها، فيما يعتمد الشعر بشكل كبير على المجاز، بما في الصورة الشعرية التي لا يمكن أبداً التعاطي معها بشكل مباشر، فلا بد لقارئ الشعر أن يكون ذا إلمام بمفهوم المعادل الموضوعي كما نظر له ت س إليوت، وأن يكون على دراية بالرمز وأبعاده الدلالية، كما يجب أن يكون على اطلاع على مجال الأسطورة وأبعادها الفكرية والميتافيزيقية فضلا عن التعرف على المدارس الفكرية والفلسفية والاتجاهات الأدبية بما في ذلك الوجودية والعبثية وغيرها. أي أن قارئ الشعر يتعين أن يكون قارئا مثقفا بل موسوعيا، وإلا فإنه لن يتواصل مع القصيدة بشكل مناسب، خاصة مع الشعر الحديث وقصيدة النثر، اللتين أغرقتا في الغموض بسبب ثقافة الشاعر وتعقيد الوضع الثقافي والاجتماعي الذي تنتمي إليه، عكس القصيدة العمودية التقليدية التي تتميز بطابعها القاموسي، إذ يكفي شرح معجمها للبلوغ إلى معناها.

 

8- مثلت وسائل التواصل الاجتماعي نقلة نوعية في إلغاء لعنة الجغرافيا ووجع المسافات، هل استغل الأديب هذا الفضاء الأزرق لتحقيق ما لم يكن ليتحقق على أرضية الواقع من الحضور والانتشار والوصول إلى القارئ، أم أن هذه الطفرة الافتراضية فاقمت من غربة الإبداع الحقيقي؟

• بفضل هذه الثورة في العالم الافتراضي أصبحت مقولة العالم قرية صغيرة لها ما يبررها، بل أضحت ملموسة بشكل كبير، فأصبح التواصل متاحا بشكل كبير بين الناس في شتى بلدان المعمورة، كما أن التعبير أضحى حرا ومتاحا بشكل كبير، بل يمكن أن نتحدث عن ديمقراطية البوح والتعبير، فيكفي المرء أن يتوفر على جهاز هاتف ليتواصل مع الملايين عبر العالم، ليدلي برأيه في قضية ما، أو يطرح مشكلة يعاني منها، أو يقترح حلا لقضية ما، فالرقابة أضحت صعبة جدا، وغير ذات معنى، ولهذا الأمر جوانبه الإيجابية الكبيرة، خاصة في ما يتعلق بتحقيق العدالة بالنسبة لكثير من المقموعين عبر العالم، لقد أخذ الناس يوصلون أصواتهم، ويجدون من يتعاطف معهم ويساعد على حل مشاكلهم، وأضحت السلطة التقليدية تخشى هذه الوسائل التي انتشرت بشكل كبير بين الناس، طبعا لهذا الأمر بعض سلبياته التي لا تخفى على أحد، خاصة فيما يتعلق بانتشار التفاهة بشكل واسع، لكنها ضريبة لا بد من دفعها مقابل الإيجابيات الكثيرة التي نحصدها، ومن بينها فوائد كثيرة في المجال الأدبي كالتواصل ما بين الأدباء والدخول في مشاريع مشتركة والتواصل مع دور النشر، والمجلات، والمؤسسات المهتمة بالثقافة، كما أنها ساعدت على التواصل المباشر مع القراء، وخاصة الطلبة في الجامعات الذين أضحى تواصلهم مع الكاتب الذين يشتغلون على نصوصه في بحوثهم متاحا، مما يوفر عليهم الكثير من الجهد خاصة في الحصول على الكتب والمراجع والمصادر. أو طرح بعض الاسئلة عن إبداعاته.

 

9- على ذكر وسائط التواصل الاجتماعي.. ظهر هناك ما يسمى بالأدب الرقمي.. هل أنت مع هكذا مصطلح؟ وكيف وظف لغتيري هذا الغرض الجديد للكتابة خصوصاً كما نلمس في واحدة من روائعك الروائية «ضجيج الرغبة»؟

• الأدب ابن بيئته وليس الأديب فقط، فالكتابة الأدبية بشتى أجناسها تتأثر سلبا وإيجابا بالسياق الاجتماعي والثقافي الذي انتجها، وبالتالي فالثورة المعلوماتية وتكنولوجيا التواصل التي تطورت في الفترة الأخيرة بشكل مذهل أثّرت وستؤثر أكثر في الإنتاج الأدبي، وقد ظهر نتيجة لذلك الأدب الرقمي، الذي حاول بعض الكتّاب من خلاله الانفتاح على ما تحقق من تطور في هذا المجال واستثماره في نصوصهم الأدبية، مما يؤهلهم لبلورة نصوص جديدة تجمع ما بين النص الأدبي التقليدي الذي وسيلته الأساسية اللغة، وبين التطورات الحديثة في مجال التواصل بما فيها الأيقونات والصورة الثابتة والمتحركة والكبسولات وغيرها.

شخصيا أستثمر الأجواء الجديدة في مجال التواصل في كتابة رواية ضجيج الرغبة، لكنني لا أعتبر ما كتبته أدبا رقميا لأنني لم أوظف التطورات التواصلية الحديثة في النص بما يخلق نصا تفاعليا، بل وظفت العلاقات الحميمية في وسائل التواصل الاجتماعي، التي ستتحول فيما بعد إلى أرض الواقع. بما يعني رصد ظواهر جديدة ظهرت في حياتنا بسبب هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على تواصلنا فيما بيننا.

 

10- تمثل الترجمة جسرا لحوار الحضارات والثقافات.. فهل حقق الأدب العربي ذلك واستطاع الوصول للعالمية؟ أم أن هناك إشكاليات تعيق حركة الترجمة ووصول الأدب العربي للآخر؟

• لا شك في أن الترجمة ساهمت عبر العصور في تقارب الشعوب، فبفضلها أضحت كل ثقافات الشعوب وإبداعاتها متاحة للجميع، مما يساهم في تلاقح الأفكار عبر المثاقفة، فكم من الأمم انبعثت من رمادها بفضل الترجمة، نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر حركة الانبعاث العربي، الذي يعود كثير من الفضل في ظهورها إلى الترجمة، التي جعلت العرب يطلعون على إنتاجات فكرية للغرب، كما لا يمكن دور ترجمة الفكر العربي خلال القرون الوسطى من خلال الأندلس في المساهمة في عصر النهضة الأوربي. الترجمة بهذا المعنى محفز على الوعي والتقدم واقتباس واستلهام أفكار الشعوب وتجاربهم.

طبعا هناك كثير من الصعوبات التي تعيق عملية الترجمة خاصة في وطننا العربي، وذلك بسبب أن العملية يقوم بها أفراد، ولا تشتغل عليها مؤسسات، تجعل من هذا الفعل الحضاري عملا جادا ومتواصلا ومنتجا. بالتأكيد لا يمكن التعميم فهناك مساحات ضوء لا يمكن إنكارها أدت وظيفتها بشكل كبير وبفضلها اطلع القارئ العربي على النصوص الإبداعية العالمية، ويبقى أكبر تحدٍ هو إيصال إبداعاتنا العربية إلى القارئ العالمي الذي ينتمي لباقي الشعوب، حتى نبرز وجهنا الثقافي الحضاري، لأنه للأسف يكاد يكون غائبا أو مغيبا، وهذا عمل يجب أن تقوم به مؤسساتنا الثقافية، لأنها تملك الوسائل المادية لفعل ذلك.

 

11. عن إصداراتك كَتب البعض وترجم بعض منها وتم منحك بعض الجوائز التقديرية.. هل أنت راض عمّا وصلت إليه أم ما يزال قلق الكتابة ووجع الحرف يعتصر أوتار قلبك المعطاء؟

• الأمر يكاد يكون جدليًا، فمن ناحية أشعر بكثير من الرضا والامتنان لأن إصداراتي لاقت بعض الاهتمام سواء من خلال النقد الصحافي أو الأكاديمي أو حصولها على بعض الجوائز، والتكريمات، وهو أمر لا يسعى إليه الكاتب لذاته، ولكن لأنه يمنح فرصة أكبر وأفضل لإبداعاته كي تنال حظوة أكبر في مجال التلقي، وهذا ما يشغل الكاتب أكثر من غيره، لأن لا معنى أن يكتب كتبا لا يطلع عليها أحد، ومن ناحية ثانية ما زال الشغف يستحوذ عليَّ لإنجاز كتابات أخرى أتمناها أفضل وأعمق، لأن الكاتب إذا رضي بشكل كامل عن كتاباته، سيتوقف حتما عن بذل المجهود المطلوب لتطوير إبداعاته، ولهذا ما زلت أقرأ باستمرار، وأكتب كلما أتيحت لي الفرصة لذلك، شرط ألا أكرر نفسي في الكتابات اللاحقة.

 

12- إذا ما تشعب بنا الحديث حول معارض الكتاب ومشتقاتها.. هل ترى أنها مثّلث إحدى روافد ازدهار الأدب العربي بمختلف أجناسه وحفّزت الكاتب للمزيد من الضوء؟

• معارض الكتاب بصفة عامة هي فرصة كبيرة لعرض الجديد في مجال الكتاب، وإطلاع الجمهور عليها، وهي بلا شك فرصة كذلك للتواصل مع دور النشر بالنسبة للكتاب، واقتراح بعض المخطوطات عليها بشكل مباشر، لأن غالبًا ما يكون اللقاء المباشر أفضل وذا جدوى في هذا المجال، كما يكون البرنامج الثقافي الموازي فرصة لطرح الإشكالات الثقافية الكبرى، واستمزاج رأي المثقفين فيها، هذا فضلاً على برمجة أنشطة تحفّز النشء وبقية الجمهور على القراءة، لكن للأسف! غالبا ما تتسم المعارض في أوطاننا بطابعها الشكلي، الذي لا يلامس عمق الثقافة، ولا يهتم بالبحث عن السبل الكفيلة لخدمتها وترويجها، فالزائر يشتكي من غلاء الكتب، والناشر يشتكي من غلاء الأروقة التي توضع رهن إشارته، والكتّاب يشتكون من التهميش، ومن هيمنة فئة صغيرة تجدها متواجدة عبر السنين وفي كل المحطات بسبب الشللية والولاءات والحسابات الضيقة.

 

13- لمن يتأرجحون على سُلم البدايات في محاولة لعناق سرمديٍ مع لذة الحرف وجنون الكتابة.. هل ثمة نصيحة لهم تساعدهم على نمو الأجنحة؟!

• طبعا لا أومن بأن النصائح بطابعها التقليدي يمكنها أن تفيد في هذا المجال، فكل شخص يبني ذاته من خلال تجاربه والإصرار على تحقيق أحلامه، بدل توجيه النصيحة، التي أعتبرها ويعتبرها غيري عقيمة في هذا المجال، يمكن أن أقول إن كل الكتّاب الناجحين هم قرّاء بالدرجة الأولى، قرّاء متميزون عاشقون للقراءة إلى حدود الهوس، كما أنهم بذلوا مجهودا كبيرا من أجل تحقيق وجودهم ككتاب، وأنهم عانوا معاناة شديدة من قبل بعض المؤسسات الرسمية التي لا تؤمن بقيمة الكتابة ومن المجتمع كذلك، كما أنهم واجهوا تحديات جمّة كان أكثرها من الوسط الثقافي، الذي يتميز بعض المنتسبين إليه بقدرة رهيبة على تحطيم الآخرين بشتى الوسائل. وأن صعوبات النشر والانتشار لم تحل دون إصرارهم على تحقيق أهدافهم، وأن النجاح الذي حققوه والاحتفاء الذي يحظون به لا يجب أن يحجب عن أعيننا المسار الصعب والمحبط الذي سلكوه. لكن تلك كل العراقيل منحتهم مناعة قوية لمواصلة المسار، وتحويل الصعوبات إلى فرص للنجاح، وهذا في رأيي ما يتعين على الوالجين حديثا لهذا المجال أن يضعوه نصب أعينهم.

 

14- قُبلة منّا إليكم.. وقراءة سريعة منكم للمشهد الثقافي المغاربي.

• لا ينكر أحد أن هناك تطورا ملموسا في المشهد الثقافي المغاربي، فجميع دول المغرب العربي تحقق إنجازات جيدة على مستوى الإبداع الأدبي وخاصة فيما يتعلق بالفن الروائي، الذي ظهرت فيه أسماء جديدة التحقت بالأقلام المكرسة، فساهمت جميعها في إغناء المتن الروائي المغاربي بنصوص، أهلته للمنافسة على نيل أهم الجوائز العربية. كما أن القصة ما زالت تكتسي أهمية خاصة لدى المبدعين في المغرب العربي، وأذكر بالخصوص القصة القصيرة جدا، التي برع فيها كتّاب المغرب، ولا شك كذلك أن الشعر ظل محافظا على مكانته التقليدية، من خلال اجتراح نصوص تخترق المألوف لتحط الرحال في ما بعد الحداثة، دون أن ننسى النقد الذي تميز فيه المغرب على الخصوص كما هو معروف، وقد تعزز بنقاد جدد متخرجين من الجامعة، يشتغلون ضمن النقد الأكاديمي ويشرفون على بحوث الطلبة في هذا الخصوص، كما أن الكتابة عن المسرح والسينما تحاول أن تحافظ على جذوتها متأججة رغم الصعوبات. فيما تعاني الترجمة من ضعف ملحوظ أتمنى تداركه، لأنه مجال حيوي، يتيح تلاقح التجارب الإبداعية للشعوب، وتطوير الذائقة الإبداعية المحلية، والظاهرة اللافتة في المجال الثقافي هي أن أغلب الكتّاب ما زالوا للأسف ينشرون كتبهم على نفقتهم، مما يعني ضعف دور النشر، التي تحتاج إلى دعم قوي من قبل الجهات المسؤولة على الثقافة.

 

15- قبل أن ترفع شارة النهاية اللانهائية أكفها، أتيح لك في هذه المساحة وضع أي علامة استفهام كنت تود طرحها عليك في هذا اللقاء ولم أسألك بعد، ثم تجيب عنها، ولا تتعجب! فإننا نأمل هنا أيضا بأن تتحوّل بعض علاماتنا الاستفهامية الناحلة إلى إيقونات من تعجب ودهشة وألق (بزاف بزاف).

• من الطبيعي جدا أن كل جلسة أدبية أو حوار ثقافي يكون سببا في تناسل عدد من الأسئلة، تجعل المرء يعيد النظر في كثير من المسلّمات عبر التأمل العميق في القضايا المطروحة. وبصراحة أعتبر هذا الحوار شاملا وعميقا، حاول إثارة جملة من الانشغالات الثقافية المهمة، وقد استمتعت وأنا أجيب عنها، كما أنها حفزتني على التفكير العميق في بعض الأمور التي أثارها الحوار بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، فلا أملك سوى أن أُعبّر عن امتناني لهذه الجهود.. متمنياً للقراء قضاء لحظات تجمع ما بين المتعة والفائدة وهم يتلقون هذا الحوار الممتع. وأختم بقولي” أحبكم بزاف بزاف”.

 

عن admin 1

شاهد أيضاً

د. أماني محمد ناصر

الفنانة السورية بادية حسن في حوار مع د. أماني محمد ناصر

  حوار الفنانة السورية بادية حسن: الفن النظيف هو الذي يحترم ذائقة الجمهور ويلامس مشاعره …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: