الثلاثاء , يونيو 28 2022
ميسون أبو الحب
ميسون أبو الحب

السينما والرقميات وفصل الماضي

ميسون أبو الحب
ميسون أبو الحب

السينما والرقميات وفصل الماضي 

ميسون أبو الحب

 

يطرح كثيرون تساؤلات عديدة عن مستقبل السينما في العالم وإلى أين تمضي وذلك انطلاقا من إحساسهم بأن التطورات الأخيرة على صعيد الاعتماد على الرقميات غير مشجعة على الإطلاق. ومع ذلك، يرى آخرون أنها بداية عصور جديدة تفصل المستقبل عن الماضي فصلا شبه تام تقريبا.

-ولكي نفهم ما يجري علينا مراجعة العقدين الأخيرين اللذين نقلا السينما وإنتاج الأفلام إلى منصة مختلفة تماما. وهي منصة الرقميات.

-بدأ التغيير الحقيقي والفعلي مع إطلالة القرن الجديد عندما قررت هوليوود التخلي عن الفيلم نفسه وتبني التكنولوجيا الحديثة، وهو ما أدى إلى إفلاس شركة كوداك التي كانت ترفد كل صناع السينما بأجود المواد التي يحتاجها الإنتاج. ولم يكن أحد يتخيل قبل ذلك التاريخ بأن كوداك ستنتهي إلى هذا المصير.

-تخلت هوليوود عن الفيلم واتجهت نحو الرقميات لتصنع بذلك تاريخا جديدا له مواصفاته الخاصة وآثاره ونتائجه. واليوم يبدو أن هذا القرار هو الذي فصل الماضي ورماه بعيدا إلى الوراء. فبين ليلة وضحاها اختفت الإجراءات القديمة المتبعة وأصبح إتقان استخدام التكنولوجيا والرقميات هو سيد الموقف.

 

تبعات

لكل تطور تبعات ونتائج إيجابية وسلبية.

-فتكنولوجيا الرقميات مثلا، أدّت إلى ولادة أجهزة جديدة تختلف جذريا عن تلك التي كانت تستخدم في الماضي من ناحية الدّقة والجودة والإمكانيات، وهو ما يُحسب على الجانب الإيجابي.

-ومن الإيجابيات أيضا أنه أصبح من السهل على أي شخص يملك قدرا من الخيال السينمائي إنتاج فيلم في غضون أيام قليلة، وبكلفة قد لا تزيد على 100 ألف دولار وأحيانا أقل بكثير، وهو ما شجّع على تطوّر الأفلام المستقلة التي لا تحتاج إلى شركات توزيع كبرى لغرض الإنتاج والتوزيع، والانتشار وتطوّرت معها مهرجانات ومناسبات خاصة تجمع هؤلاء المستقلين وتروج لأعمالهم إلى حد ما.

-ويعتمد هؤلاء المستقلون أيضا على منصّات توزيع مستقلة على الانترنيت مثل يوتيوب وهولو وغيرها لعرض أعمالهم. موقع مثل فيميو مثلا يوفر لكل من يصنع أفلاما فرصة لمشاهدة جميع الأفلام تقريبا وبالمجان.

-ولكن لهذا الأمر جانبا سلبيا وهو أن الرقميات وتوفر منصات العرض وسهولة إنتاج الأفلام جعلت من الصعب متابعة كلّ ما يتم إنتاجه. فهناك آلاف الأفلام التي تُنتج سنويا، ومنها ما هو جيّد جدا، ولكنها لا تجد لها مكانا في دور العرض فتبقى ضمن منصّات العرض، ثم لا يشاهدها أحد لأنها تضيع بكل بساطة، ولا يمكن للمشاهد الاستدلال عليها بسهولة إلا بوجود دعاية وترويج، وهو ما يتوفر للصّناع الكبار أكثر من الصغار لأنه يكلف الكثير من الأموال. من جانبها تقوم بعض المنصّات بوضع لوائح بالأفلام المتوفّرة مع تركيز الاهتمام على عدد منها ضمن ما يُدعى بـ “اختيار هيئة التحرير”. وفي الواقع يحتاج الأمر إلى الكثير من البحث، وإلى الكثير من الوقت لمشاهد عادي لرصد ما تحويه منصات عرض الأفلام، وهو ما يُشعره في النهاية بنوع من الضياع فيعود إلى الاختيارات البارزة التي يحدِّدها المسؤولون عن المنصّات، والذين من المفترض بهم اختيار الجيد من الأفلام.

-هذا الواقع هو الذي جعل منصّات مثل: نيتفليكس وأمازون تعتمد على خوارزميات عمياء -تقريبا- لتخمين ما يحبّ المشاهد متابعته من خلال تعبيره عن الإعجاب أو مشاهدته فيلما كاملا معينا. عندها تقوم الخوارزميات بدورها في اختيار أفلام من المفترض أن تُعجب المشاهد. وكمثال واقعي، لو شاهدتَ أو عبرتَ عن إعجابك بفيلم رعب مثلا، فستغرقك المنصّة بأفلام رعب مشابهة. ولو اخترت مشاهدة فيلم من بلد معين فستجد في صحنك مقترحات لأفلام أخرى مشابهة. هكذا تعمل المنصّات حاليا. وهي طريقة مزعجة بالنسبة للكثيرين الذين يجدون صعوبة في اختيار أفلام لمشاهدتها أو حتى في معرفة وجودها بالأصل.

-من الجوانب السلبية أيضا أن وجود منصات العرض والرقميات أدى إلى إلغاء دَور صالات العرض السينمائي تقريبا، إذ ما عاد الأمر يتطلب التوجّه إلى مكان معين لمشاهدة فيلم، بل أصبح في مقدور أيٍ كان متابعة ما يريد على أي شاشة أمامه، حتّى شاشات الهواتف المحمولة. وقد ترسّخ هذا التقليد في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد انتشار فيروس كورونا.

-من جانب آخر، ساوت سهولة إنتاج الأفلام بشكل وبآخر بين السيء والرديء وبين الصغار والكبار والموهوبين وغير الموهوبين. فالكل قادر على الإنتاج، وعلى التمثيل وكتابة سيناريو بغض النظر عن مدى جودة الأداء. هذه المساواة تضيّع جهد المتمكنين من مهنتهم وأصحاب النتاجات الجادة التي تستحق التقدير.

-ومن الجوانب الأخرى أن التكنولوجيا الرقمية الحديثة، شجعت صناع السينما على المغالاة في استخدام هذه القدرة الهائلة فتحوّلت الأفلام من عروض شبه واقعية إلى عروض خيالية بالكامل بعيدا عن عالم الناس، وواقع المشاهد المغلوب على أمره. وتدخل في هذا الإطار أفلام المراهقين مثل: الرجل العنكبوت “سبايدر مان” وأمثاله.

-ويرى متخصّصون أن أفلام الهروب من الواقع وأفلام الرعب الغريبة والخيالية وأفلام اللامنطق التي تنتشر حاليا اعتمادا على الرقميات، وهي أفلام لا تطرح أي قضية تتعلق بحياة الناس، تجعل المشاهدين يغادرون واقعهم المزري في الحقيقة نحو عوالم أخرى خيالية للغاية. وهو ما يُدعى حاليا بسينما الهروب من الواقع. ويبدو أن منتجين كثيرين يدركون هذه الحقيقة فيعمدون إلى إعادة إنتاج أفلام مُنتجة سابقة انطلاقا من أن المشاهدين يبحثون عن أمان واطمئنان ولا يريدون أي مفاجآت في حياتهم المتعِبة والمُتعَبة.

-ولكن المشاهدين لم يعودوا يكتفون بدور المتلقي كما كان يحدث في السابق بل أصبحوا عنصرا أساسيا مشاركا في عملية النقد، من خلال التفاعل الذي توفره الرقميات، وهو ما يدفع المنتجين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم أحيانا.

-وهناك أيضا انتشار الأفلام الوثائقية التي أصبح ينتجها كثيرون، أغلبهم من فئة المشاهدين والمستقلين، بهدف تسليط الضّوء على قضية معينة أو على مأساة، وهو ما يدخل في إطار التعريف بقضايا قد تبقى مجهولة بالنسبة للكثيرين، لولا هذا النوع من الإنتاج. وتندرج ضمن هذا الإطار أفلام وثائقية عن قضايا وطنية أو عن معاناة أقليات أو أفلام عن جفاف وعن البحار والعبودية الحديثة إلى ما غير ذلك.

-وعلى أية حال، علاقة المشاهد بالسينما أصبحت أبسط وأكثر تعقيدا في الوقت نفسه من أي وقت مضى وهو ما يحتاج إلى بحث آخر.

-خلاصة القول، أصبحت أفلام هذا الزمان مثل الأكلات السريعة، جميلة وبدون قيمة ثقافية. ويرى البعض أن الفيلم الحقيقي مات ماديا، وأن السينما التي عرفناها في السابق لفظت أنفاسها الأخيرة، وتمّ استبدالها بسينما صناعية ذات مؤثرات رقمية، وحبكات سطحية ومكررة وشخصيات بلا عمق.

-مضى القرن العشرون ومضت معه سينما أيام زمان. تلك هي الخلاصة التي توصل إليها كثيرون في هذا الزمن.

 

عن admin 1

شاهد أيضاً

اسعد الهلالي

فلم ڤي فور ڤانديتا V for Vanditta / اسعد الهلالي

صدر في مجلة نقش الثقافية العدد الثالث : فلم ڤي فور ڤانديتا V for Vanditta …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: