الثلاثاء , مايو 24 2022
محمد الشويع
محمد الشويع

تكتيك حبكة مدروسة وركاكة واضحة في الحوارات / محمد الشويع

 

محمد الشويع
محمد الشويع

(تكتيك)

حبكة مدروسة وركاكة واضحة في الحوارات

محمد الشويع*

ظهر المسلسل اليمني (تكتيك) في عرضه الأول 2022م كمغامرة خطيرة وشجاعة، جازف فيها الكاتب والمخرج محمد فاروق الغصيني، وشريكه في التأليف صلاح الدين نعمان. فأن يعلن عن مسلسل أكشن في بيئة فنية لم تتقن بعد أدنى معايير الدراما، وتقفز بكل شجاعة معلنا عن مسلسل الأكشن فهو تحدٍ كبير وإعلان لم نتوقعه من فريق شاب لم يسبق له تجربة في هذا المجال لكن هنالك ما يمكن أن يقبل. رغم أن نسبة الأكشن ليست بحجم ما توقعناه من الإعلانات لكنها جيدة وتبشّر بخير للدراما اليمنية.

 

مزايا عامة للمسلسل

المسلسل كبقية المسلسلات اليمنية وبشهادة الجميع قفز قفزة فنية رائعة في مستوى الإخراج، ويحسب له التنوع الرائع في مواقع التصوير “locations”، وكذلك جودة التصوير “quality”، فكما هو واضح استخدام المخرج فاروق لتقنية Ultra HD أو ما نسميه في المصطلحات الفنية “4K” بجودة صورة تصل لـ  2160 بكسل؛ منحنا صورة جميلة تعوّض ولو جزئيا الفقر الشديد في المحتوى “النص”.

كذلك يحسب للمخرج قوته في تكوين الصورة “Composition ” سواء من بناء لوني لموقع التصوير وتوزيع الإضاءات فيه أو وقوفه شخصيا على مرحلة تصحيح الألوان وتعديلها أو ما يسمى بالـ “color correction”.

إلا أني أعتب علي المخرج في بعض اللقطات الطويلة “Long shot”؛ وكلنا يعرف أن اللقطات الطويلة تؤسس مكان التواجد فقط لكن المشاعر لا تظهرها إلا اللقطات القريبة close up shot، فكنا نحتاج في بعض المشاهد إلى تشرب المشاعر بينما  يطيل المخرج في لقطات  اللونق، وعادة تفرض هذه المشكلة على المخرج بسبب تهرب فني المونتاج من تتبع اللقطات من الكاميرات الأخرى فيختصر الأمر بالاعتماد أطول مدة ممكنة على لقطة واحدة، أو عندما يضيق وقت التصوير فيضطر المنتج أن ينجز أكبر عدد من المشاهد فيتجاهل المخرج اللقطات القريبة ويكتفي باللقطات البعيدة. 

مثال على ذلك: في الحلقة ١٤ استمرت اللقطة اللونق من التوقيت ٠٤:٠٠ وحتى التوقيت ٠٤:٥٣ ثم  لقطة متوسطة، ومن التوقيت ٠٤:٥٣ وحتى  ٥:٢٠  “تو شوت” وبعيدة أيضا لا تتمكن من قراءة الملامح، ثم يعود للقطة لونق من التوقيت ٠٥:٢١ حتى التوقيت ٠٧:٠٣.

من المزايا التي لفتت انتباهي وأعتبرها غريبة جدا على قناة المسيرة، هو عدم إقحام المسلسل – كما هو معتاد في أي دراما يمنية – بالهدف السياسي للقناة بشكل مباشر أو فج، وباعتبار المسلسل كما هو واضح في رسالته هو بناء هيبة الدولة لدى المواطن، فالفكرة قد نجحت في استخدام الرمزية لا المباشرة فالعقل الباطن لنا كبشر يميل ويتفاعل أكثر مع الرمزية “صحيح أن بعض الحوارات مباشرة وساذجة وتشبه التلقين في إذاعة مدرسية عندما يتحدثون عن التعاون مع الدولة،” لكن الحبكة العامة لم يتم حشوها بتوجه القناة وأعتقد هكذا تنجح المسيرة أكثر في الوصول لهدف المسلسل، فأن تصرف قناة المسيرة ملايين الدولارات لإنجاح المسلسل ولا تضع بشكل مباشر توجهها السياسي، فهو نجاح حقيقي لها، مع أنني أخشى تماما أن يحصل ما حصل مع المخرج عبدالرحمن دلاق في بعد الغياب إذ بدأ كمسلسل اجتماعي لا هدف سياسي فيه وفي الحلقات الأخيرة أقحمت السياسة بشكل مباشر وفج ألغت كل الحماس مع المسلسل وتحول الأمر لسياسة مباشرة، أتمنى أن لا يتكرر ذلك هنا.

 

الخط الدرامي والحبكات المتفرعة

كما يتضح لنا أن الخط الدرامي محبوك بذكاء، ولا يمكن أن تتوقع القادم وكان ذلك حاصلا من الحلقة الأولى حتى الحلقة الثانية عشر، ثم هبط قليلا فن التلغيز للنص وسأتحدث لاحقا ضمن المقال عن هذه النقطة، لكن المسلسل له خط درامي واضح مفاجئ لا يمكن  التنبؤ بأحداثه غالبا.

أعجبني جدا وجود مسارات ثلاثة لعصابات ثلاث كل عصابة فيهم لها أحداثها الخاصة “عصابة أدهم – فوزي وشاكر – كبير وشلته”، ومع أن المخرج أو الكاتب جعل لكل منها أحداثا مختلفة وأفكارا منطقية للربط بينهم، لكن المشكلة أن لديهم سوء توزيع للأحداث فتجد ارتفاع الأحداث والجرائم لدى العصابات الثلاث في نفس التوقيت والحلقة، والهدوء يعم الثلاث العصابات في نفس الحلقات تقريبا مما يجعل مسار المسلسل متفاوت، فهنالك حلقات مرتفعة النشاط وأخرى تبدو عادية فماذا لو جعل لكل عصابة حلقة لرفع وتيرة أحداثها وأجّل حدث العصابة الثانية لحلقة أخرى، لساوى في حيوية الحلقات كلها وكان إيقاع المسلسل عالٍ باستمرار.

 

الشخصيات والتركيب النفسي

يؤسفني القول أنني وحتى الآن لم أجد من أية مسلسل يمني دراسة حقيقية للتركيبة النفسية للشخصيات ولا مهنية في دراسة التاريخ الشخصي وتطور الشخصيات داخل الرواية والدوافع البنائية والمؤثرة في الشخصية إلا بشكل طفيف وسطحي، وهذا ما يجعل الممثل تائها في أدائه وتقمص الحالة الشعورية لكل مشهد، بل أنه غالبا يختلق ردود الفعل بشكل ارتجالي لا يتناسب مع تسلسل الأحداث، هذا ما يسبب مللا للمشاهد.

وتجد ممثلا يركب على مكوّن شخصية أخرى ويتقمص دورها من غير وعي، والشيء الممل جدا في هذا المسلسل أن الكل يحاول إلقاء الفكاهة أو ممارسة الكوميديا وهو في معطيات القصة مجرم وعضو عصابة، ونحن لو راجعنا قليلا التفسير المنطقي لفكاهة رجل العصابة فهي غالبا تكون إسقاطات ناقمة ساخرة من الأوضاع، أو غالبا تكون إسقاطات تبريرية يتخذها ليبرر لنفسه إجرامه. المهم إنها عبارات صادرة عن شخصية ذكية وإلا كيف أصبح مجرما.

بينما تجد الممثل محمد قحطان مثلا والذي يقوم بشخصية كبير في هذا المسلسل، يتناقض كثيرا في تركيب شخصية كبير؛ فهو المجرم الذي قسى قلبه على أمه والمجرم الذي يكسر كل عضو في العصابة لو خالفه والشجاع الذي يقدم على جرائم العصابة ويشجع البقية، لكنه في الكوميديا شخص لطيف يسقط نكات هزيلة “زبجات ” يقولها شخص لطيف حبوب يريد فعلا تلطيف الجو، وهنا يقوم بكسر المكون العام للشخصية. 

مشكلة أخرى لم أفهمها، لماذا تعمد اختيار العاهات في عصابة أدهم فتلاحظ: ” أحول، وأعور، وأعرج، وقزم”. المؤلف هنا بصورة غير واعية وجّه رسالة غير مباشرة  أن كل ذي عاهة يتجه للإجرام وهذا في المنطق غير وارد.. خصوصا أنه لم يجعل عاهة أخرى في الجانب الإنساني لدى شخص سوي وخلق معاناتها الخاصة وتحقيق القيم فيها ليتم التوازن في فهم طبائع ذوي العاهات منطقيا.

 

تجربة الأكشن   

أحيي المخرج حقيقة على ذكائه في اختيار اللقطات القريبة والقصيرة جدا والتي لا تفضح ضعف لياقة الممثلين ولا تكشف شحة الإمكانيات والخُدع لدينا، فاللقطات القريبة تكون صورة شبه واقعية لا يدرك المشاهد عيوبها، خصوصا أن التقطيع من لقطة للقطة أخرى أثناء مشاهد الأكشن سريع.

 

عيوب في الحوار

تتجلى العيوب الواردة في الحوار في الآتي:

١الحشو غير المبرر

الحشو التعبوي غير المرغوب “نمط إذاعات المدارس” وتلقين القيم بطريقة فجة، فبدلا من وضع موقف “دافع” يُطرح الكلام عبره من الواضح أن المؤلف يطرح قيم بطريقة الحشو غير المدروس ولا مهيأ له مكانا للطرح، خصوصا عند الفندم كمال والفندم هاني (شخصيات في المسلسل)، بل تجاوز ذلك إلى أن يطرح بعض القيم وبشكل غريب كبير المجرمين أدهم وهو يخاطب ناشط المنظمات ويقول له: “أنت تعيش على دم المساكين”، أو محمد قحطان وهو يقول: “الناس شركاء في ثلاثة …..”، أو عندما قال: “سرق تعلموا المبادئ”، أو الضابط هاني في حواره مع أمه وأخته عن جارتهم وهو يعطيها التوصيات بوجوب اللجوء للدولة.

٢المباشرة الفجة 

لم أر في العالم ولا حتى في الواقع اليمني أن العصابات المجرمة تظل تكرر حتى فيما بينها العبارات التي تفضحها، مثل: أحنا عصابة، وهكذا الإجرام، وأحنا مجرمين. فالمنطق أن العصابات هي مجموعة من الرجال الأذكياء يستخدمون التلغيز والإسقاطات غير المباشرة للترميز لكل عملياتهم الحيوية، ولو أن المؤلف يشاهد أفلام خالد يوسف الشعبية أو مسلسلات مصر التي تمثل في حارات شعبية خصوصا، أو لو يتابع مثلا سلسلة  FAST AND FURIOUS  سيلاحظ أن هذا الأسلوب الذي ينهج لا يمت للأكشن وعالم الإجرام بصلة.

 

الحشو الفني 

الحشو غير المبرر أحيانا لإطالة المشهد وتعبئة الوقت، ونموذج لذلك مشهد التحقيق في الحلقة ١٢  ابتداءً من التوقيت ١٥:٥٨ وحتى ١٦:٥٨ هي عبارة عن انسرتات عامة للتحقيق استمرت لمدة دقيقة لم يغير المخرج فيها النمط إذ اعتمد على لقطة اللونق للتعريف بمن هو المحقق معه ثم عمد إلى ٣ لقطات قريبة للضابط والكاتب والمحقق معه،  وأعاده نفس الحكاية ٦ مرات بنفس الآلية ونفس الوقت ومن نفس الزاوية،  أحيانا كانت التعبئة من قبل المخرج أو المونتاج واضحة لتمديد وقت الحلقة،  لكن ذلك يقتل روح الحماس مع الأكشن؛ فالدقيقة في عالم الأكشن اليوم يمكن أن ينتج فيها قصة كاملة.

 

تنويه لابد منه 

رغم قوة جميع الحبكات في المسلسل وتوازيها وترابطها إلا أني استغربت كيف بني الشك على كمال أنه من قتل السجين بدون مبرر، وبدأ الكل من بعد موت السجين يتوقعون حبس كمال لمجرد أن المشاهد يعرف أن العلبة في مكتبه، هنا كان لابد للكاتب أن يحاكي المنطق التسلسلي للدراما لا ما يعرفه المشاهد، المشاهد توقع حبس كمال لأنه يرى ذلك، لكن الكاتب المفترض أن يسلسل أحداثا إضافية تسوق الجميع لاتهام كمال وكانت المشاهد ستكون في أعلى معدلاتها لو أن يتعامل كمال مع الموقف، وهو لا يعرف أنه سيتم اتهامه هو لأنه لا يعرف، لكن فجأة خلط الكاتب شعور المشاهد بشعور الممثل وجعل جميع الممثلين ينطقون بحبس كمال قبل أن يُكتشف حتى مكان علبة السم، إذن هل فعلا في القانون اليمني حين تحصل جريمة في مرفق مباشرة يسجن مدير المرفق؟

 

ختاما:

المسلسل جيد ويستحق المتابعة، وكما قلت سابقا وسأظل أقول: النقد ليس للمحاربة إنما أملا في أن يتغير واقع الدراما اليمنية للأفضل. 

 

* إعلامي ومخرج

عن admin 1

شاهد أيضاً

ميسون أبو الحب

السينما والرقميات وفصل الماضي

السينما والرقميات وفصل الماضي  ميسون أبو الحب   يطرح كثيرون تساؤلات عديدة عن مستقبل السينما …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: