الخميس , أكتوبر 6 2022
د. سعد ياسين يوسف
د. سعد ياسين يوسف

زها حديد ببن الجذر الرافيديني وشعرنة العمارة / د. سعد ياسين يوسف

د. سعد ياسين يوسف
د. سعد ياسين يوسف

  زها حديد … بين الجذر الرافديني وشعرنة العمارة 

 د. سعد ياسين يوسف 

      

 يعد المنجز الكبير للمعمارية العراقية زُها محمد حسين حديد والذي تجاوز (950) منجزاً وانتصب شامخاً في (44) دولة متوزعاً على جميع قارات العالم منجزاً حضارياً  استمد سماته من عقلٍ رافديني كبير ومن حضارة إنسانية موغلة في أعماق التاريخ فاستحقت عشرات الجوائز العالمية ومن بينها وسام التقدير من ملكة بريطانيا وجائزة (بريتزكر) عام 2004، التي تعتبر أرقى جوائز الهندسة وتعادل جائزة نوبل. كما تشكل أعمالها جزءاً من المعارض الدائمة في متحف الفن الحديث بنيويورك ومتحف العمارة الألمانية في فرانكفورت.

     بدأ اهتمام زها حديد بالهندسة المعمارية عندما ذهبت مع أسرتها في رحلة لزيارة الآثار السومرية في جنوب العراق، والتي تعتبر أقدم حضارة عرفتها البشرية. تقول زها حديد في لقاء مع جريدة الغارديان: “اصطحبَنا أبي لزيارة المدن السومرية، وقد ذهبنا بالقارب وبعدها استكملنا بقارب أصغر مصنوع من حِزَم القصب، ظلّ جمال المناظر الطبيعية هناك، من رمال، وماء، وطيور، ومبان وناس، عالقًا في ذاكرتي، ومنذ تلك اللحظة وأنا أحاول اكتشاف، أو اختراع، طرازٍ معماري وأشكال من التخطيط العمراني يكون لها التأثير نفسه، لكن بصورة أكثر عصرية(1).

وقد تجسد ذلك في تصاميمها التي تميّزت برفضها للخطوط المستقيمة والزوايا الحادة وذلك أهم ما يميِّز بيوت السومريين ومن بعدها العمارة الإسلامية بجماليات أقواسها وقبابها الشاهقة التي تحتضن الحياة بروحانيتها الرائعة.

يقوم طراز زها حديد على أسس تفادي الزوايا القائمة، حيث تلتقي المنحنيات محتوية الفراغ في قلبها لتشكِّل كتلة انسيابية ناعمة وسط أدغال من المباني الإسمنتية في تباين يبدو كأنّه يحكي قصة صراع ما، بين ما ترنو إليه أحلامها منذ الصغر من تصاميم انسيابية منحنية وما بين واقع ما نراه كل يوم من عمران صريح مضلّع (2).

 إن زها حديد الابنة الروحية للمدرسة ‏العراقية الراسخة في وجدان الفكر والفن والأدب حملت ذلك الإرث وارتحلت به إلى مدارس الهندسة الغربية، ليس للبحث عن الجديد لديها من أجل تطعيمه وتغذيته، ولكن لاستثماره في إيجاد معادلة إنسانية تتحدّث من خلالها العمارة وملحقاتها لغة تفوق كلّ اللّغات السالفة، والتي سار عليها الأولون، ولا شك أنَّ الإنسان العربي ‏لَيشعر بفائض الفخر، وهو يقول للآخرين بأن هناك مدرسة ‏اسمها مدرسة زها حديد الفنية الشاملة، ليس فقط في العمارة ولكن في الكثير من المكمّلات ‏التي تتّسم بدورها بالجرأة والتميز والإدهاش(3).

     لم تنغلق زها حديد على ما ترسّخ في وعيها الحضاري من أشكال وطرز معمارية سومرية بل سعت إلى المزاوجة والانفتاح على الحضارة الإنسانية فأعجبت بأعمال أوسكار نيمايير، وخاصة إحساسه بالمساحة، فضلًا عن موهبته الفذّة، حيث إنّ أعماله كانت قد ألهمتها وشجعتها على إبداع أسلوبها الخاص.

 

 شعرنة العمارة:

المتأمل للصروح المعمارية للمبدعة زها حديد سيكتشف أنّ المبدعة الراحلة زها انتجت قصائد معمارية وزاوجت بين الشعر والعمارة بشكل واضح وخلاق تفردت به لتظهر لنا روحها الشاعرة المرهفة وكأنّها نقلت معمار القصيدة العربية بتكرارات إيقاعها إلى العمارة بطريقة مذهلة وكأنها أمسكت بهذا البحر أو ذلك لتنظم وفق تفعيلاته قصائد ترتفع إلى السماء دون أن تفقد ارتباطها بالأرض، فما أنْ أتأمّل منجزها الجميل حتى يتبادر إلى ذهني بحر الوافر (مُفَاْعَلَتُنْ، مُفَاْعَلَتُنْ، مُفَاْعَلَتُنْ) وتجسد ذلك في تكرار الطبقات الهندسية المتماثلة في أغلب تصاميمها سواء أكان ذلك من الخارج أو من الداخل .

ويأتي تصميم دار أوبرا بمدينة غوانزو بمقاطعة كونغدنغ بجمهورية الصين الشعبية ليشكل مثالا على ذلك الإيقاع الشعري المبهر في تصاميم زها حديد إذ تتوالد الأقواس الواحد تلو الآخر بحنو أنثوي ليشكل معمار الدار.

ويتجسّد ذلك في مركز حيدر علييف الذي يعد أحد المراكز الثقافية المشهورة عالميًا، وقد قامت بتصميمه المعمارية زها حديد، ويقع في باكو بأذربيجان. وقد تمّ افتتاحه عام 2013 بعد أن دامت أعمال التّشييد والبناء حوالي سبع سنوات. 

ويؤكّد مهندسون وباحثون معماريون أنَّ تصميم المركز عمل على تغيير أنماط ومفاهيم التصاميم العمرانية في أذربيجان لأنّ أسلوب مركز حيدر علييف الثقافي كان مختلفاً بشكل كامل عن باقي الأبنية المحيطة به والموجودة في المدينة حيث أبرزت زها حديد عبر تصميمها انحناءات شبيهة إلى حدّ ما بأمواج البحر العالية، والتي تأتي بشكل متتالٍ لتعطي انسيابية مذهلة من الساحة خارج البناء، وحتى سقف البناء الذي يلتقي مع أرضه في نقطة محددة؛ فهو لا يحتوي على أبواب أو أسوار، بل هو مجرد امتداد للبيئة من حوله، بوصفه كومة رمل على الشاطئ تجرفها الأمواج بكلّ انسيابية إذ يُعطي صورة حضارية للدولة خاصة أنه يحمل اسم رئيس أذربيجان السابق حيدر علييف . 

إن استلهام زها حديد لتلاقي الرمال بموج البحر في هذا التصميم منح الصرح لغة شعرية مميزة تقترب كثيراُ من رؤية شاعر يتأمل موجات البحر وهي تلقي بجسدها على رمال الشاطئ ومن هذه الصورة الشعرية ابتكرت زها حديد هذا الصرح المعماري الباذخ.

وينطبق ذلك على ما عمدت إليه شاعرة العمارة زها حديد على تصميم إحدى قاعات المركز التي تتكوّن جدرانها من عدّة حلقات تكمل الواحدة الأخرى وتمتد لتشكل الشكل النهائي بإيقاع شعري مذهل يقترب من إيقاع البحر السريع في تشكلاته الإيقاعية إذ يكبر القوس الداخلي للقاعة ويصغر بإيقاع مبهر وكأنّ تردّداته الصورية وتتابع إيقاعها الصوري تحيلني إلى ترددات بحر السريع (مُسْتَفْعِلُنْ، مُسْتَفْعِلُنْ، فَاْعِلُنْ).

وتتجسد صورة البناء الشعري لقصيدة الشطرين العربية في تصاميم زها حديد في مبنى سوهو جالاكسي بالعاصمة الصينية بكين إذ يتشكّل من قسمين تربط بينهما وحدة بنائية تماما كقصيدة عمودية تشكلّت من شطرين بتتابع إيقاعي شعري أخاذ.

 

زها المجددة:

إنّ المشاعر التي ينقلها المعماري تتعلق بمعاني الأشكال المعماريّة التي يصممها وما تتركه من أثر في نفس المتلقي، ولذلك فإنّ لغته التي يعبر بها تتعلق بعلاقات تلك الأشكال ببعضها، وبين العناصر ومحيطها، حينما تتآلف في وحدة معبرة تحمل مشاعر المعماري.

لقد شهد فنّ العمارة، كما الشعر، تحولات مهمة لمرحلة ما بعد الحداثة والتي يمكن أن نجد لها مقدّمات كما جاءت به “جماليات المستقبليات” في العمارة إذ هيمن على تلك المدرسة رهان “جمال السرعة” ولعلّ هذا ما أشار إليه الإيطالي فيليبو توماس مارينيتي (1876-1944م) من خلال بيانه في صحيفة لوفيجارو الفرنسيّة عام 1909م؛ ليبشّر بولادة فنّ المستقبل ونهاية الماضي عبر انبثاق جديد لخطاب جمالي يحاول أن يخلق قطيعة مع ذائقة وحركة الماضي ويبشِر بشيء يتخذ من تجميع العنف الى جانب الجمال  وإرادة التدمير والحرب آليّة في إزاحة الآخر وتشييد جماليّات القوة والسرعة(4).

إنّ الروح الخلاّقة التي تمتلكها زها حديد تجعلها في مصاف المجددين للحضارة الإنسانية عالميا وعربيا، كيف لا وهي الامتداد المضيء لنازك الملائكة والسياب.

يقول أندريس روبي، ناقد ومنظَّر معماري، إنّ مشاريع زها حديد تُشبه سفن الفضاء، التي تسبح دون تأثير الجاذبية في فضاء مترامي الأطراف، لا فيها جزء عالٍ ولا منخفض، ولا وجه ولا ظهر، فهي مبانٍ تظهر وكأنها في حركة انسيابية في الفضاء المحيط، ومن مرحلة الفكرة الأولية لمشاريع زها إلى مرحلة التنفيذ؛ تقترب سفينة الفضاء إلى سطح الأرض، وفي استقرارها تُعتبر أكبر عملية مناورة في مجال العمارة”(5).

  لقد امتلكت زها حديد لغتها المعمارية الممزوجة بالخيال لتشيّد أجمل القصائد المعمارية، وعن لغة زها حديد في تصاميمها المعمارية يقول المهندس المعماري محمد حسين طلبي: زها حديد الابنة الروحية للمدرسة ‏العراقية الراسخة في وجدان الفكر والفن والأدب، ذلك الإرث الذي حملت بقاياه سعيدة وارتحلت به إلى مدارس الهندسة الغربية، ليس للبحث عن الجديد لديها من أجل تطعيمه وتغذيته، ولكن لاستثماره في إيجاد معادلة إنسانية تتحدّث من خلالها العمارة وملحقاتها لغة تفوق كل اللغات السالفة، والتي سار عليها الأولون، خرجت على مألوف الأبنية وخرقت تنميط الشرق والغرب(6)، وهكذا يكون الشاعر والفنان والمبدع مبهراً بخروجه عن السائد والمألوف والمستهلك ليصل المعماري والشاعر إلى لحظة الدهشة المتوخّاة .

     لقد عمدت زها حديد في نهجها الهندسي المعماري إلى اعتماد المدرسة التفكيكية التي يعد الفرنسي جاك دريدا رائدها وصاحب نظرية التفكيك في العصر الحديث، وقد طالت نظريَّاته العديد من العلوم كالعلوم الاجتماعية وعلم الجمال وعلم الأخلاق والفنون والهندسة المعمارية والموسيقى، وقد تأثَّر بجاك دريدا رائد هذا المذهبِ العديدُ ممَّن عاصره، ومن أقواله الشهيرة: “ما لا يُمكنُ قولُه، لا يَنبغي السُّكوتُ عنهُ، ويكفِي أنْ يُكتب(7). 

     وتأخذُ هذه الكلمةُ (التفكيكية) في أصلها المعجميِّ معنى الهدم والتخريب، وقد أخذت الكلمة من استخدامها الأصلي حتَّى تُستخدم في ميدان الفكر لتصبح منهاجَ نقدٍ أدبيٍّ ومذهبا فلسفيا في العصر الحديث، وأوَّل من استخدمها بهذا المعنى وأدرجَها تحت هذا المصطلح الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا رائد المنهج التفكيكي في كتابه “علم الكتابة”، حيثُ يَعتبرُ هذا المذهبُ أنَّه لا يمكن الوصولُ بشكلٍ من الأشكال إلى فهمٍ واستيعابٍ كاملٍ أو متماسكٍ للنص الأدبي مهما كان هذا النصُّ، فالقراءةُ وتفسير النصوص الأدبية بشكلٍ عامّ هي عملية ذاتية يقومُ بها القارئ وكلُّ قارئٍ يمكن أن يفسِّرَ النصَّ حسب رؤيته وحسبَ مشاعره وظروفه المحيطة وتجربته التي تؤثر جميعُها في قراءته لهذا النصّ، وبناءً على هذا الرأي فإنَّه من المستحيل أن يوجدَ نصٌّ ثابت متكامل متماسك بذاته(8).

لقد برزت ملامح التفكيكية في أعمال زها حديد من خلال التداخل بين النحت والرسم في تصاميمها المعماريّة التي هي بمثابة بوتقة صهرت بها تلك الفنون، ثم إننا نلمس تجليات الخطاب المعماري في: (الأشكال، والحجوم والكتل والفراغات)؛ فقد اعتمدت في إظهار تصاميمها الخلّاقة على توظيف وجدناه من قبل عند النماذج التي طرحتها العمارة التفكيكيّة في توظيف المعادن (كالحديد) فضلاً عن توظيف الزجاج واللدائن؛ لكي تتّبع فكرة تعبِر عن الحياة في الهيأة التي يشكِّلها العلم. وقد انعكست تلك الآليّة والرؤية عبر التعبير الملموس في أعمال زُها حديد في التعبير الحرّ والمرونة في التشكيل الذي أظهر تصاميم تعبِر عن خطاب جمالي يوجد داخله الزخرفة، في جماليات جديدة…، إذ اشتملت تلك الأعمال الملهمة على تصاميم تحتوي الوظيفة المنشودة منها، وقد مزجتها بشفافيّة عاليّة في تعبيراتها التي اتسمت بالانسيابيّة(9).

في مقاربة إبداعية أدبية نجد أن زها حديد هنا تقترب كثيراً من المجددين في مجال الأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص، وخصوصا من مريدي (قصيدة النثر) بتحرّرها من قيود القصيدة العمودية بكلاسيكيتها الصارمة والسعي حثيثاً لإثارة دهشة المتلقي مثلما سعت زها إلى تفادي الزوايا القائمة كما يتفادى الشاعر الحديث أوزان القصيدة العمودية، وتفادي  تشابه الخطوط تماما كما يتفادى كاتب قصيدة النثر الجمل الشعرية المتشابهة ويسعى لأن تكون له حرية اختيار خطوط ومسارات القصيدة وحتّى الإيقاع الصوري لكلّ نصّ يكتبه فلكل نصّ شكله والبنية التي تحكمه .

ولو تأملنا مبنى محطة إطفاء حريق فيترا بألمانيا لأحسسنا بذلك التفرد في تفادي الزوايا القائمة حيث تُعد محطة فيترا من الأعمال المثيرة للجدل والتي ساهمت بشكل كبير في تحقيق شهرتها العالمية.

كما ويبرز ذلك جليا في متحف غوغنهايم والإرميتاج في ليتوانيا الذي يعد تجسيداً لفكرة التفكيكية في العمارة التي لا تلتزم بشكل هندسي محدد.

لقد نجحت زها حديد في توظيف التراث والسمات الثقافية المحلية في تصاميمها للمجتمعات التي كانت محظوظة بامتلاك تصميم أو أكثر من تصاميمها المعمارية مثلما نجحت في إسباغ سمة الحداثة تماما كالشاعر الذي يستوحي من أساطير المجتمع وتراث أمته ما يلهمه لكتابة قصائده، فكانت ناجحة في شعرنة الواقع من خلال قصائدها المعمارية باذخة الجمال والقوة والدقة والإبهار.

_______________

(1) ويكبيديا، زها حديد. 

(2) محمد سبيل موقع الرأي (زها حديد.. عبقرية متمردة أنّثت صرامة العمارة) 6/ نيسان 2016.

(3) محمد سبيل المصدر السابق.

(4) ينظر: الدكتور عامر عبد زيد (جماليات العمارة عند زها حديد) موقع جوّك كوم 6/5/ 2020.

(5) ينظر: هند مسعد عمارة المنحنيات.. هكذا زرعت “زها حديد” الأنثى بتصميماتها، موقع الجزيرة نت 9-9-2018.

(6) محمد سبيل المصدر السابق.

(7) تمام طعمة، مفهوم التفكيكية، موقع سطور كوم، 28 مارس 2019. 

(8) تمام طعمة، المصدر نفسه.

(9) عامر عبد زيد المصدر السابق.

عن admin 1

شاهد أيضاً

محمد الشويع

تكتيك حبكة مدروسة وركاكة واضحة في الحوارات / محمد الشويع

  (تكتيك) حبكة مدروسة وركاكة واضحة في الحوارات محمد الشويع* ظهر المسلسل اليمني (تكتيك) في …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: