السبت , نوفمبر 27 2021
خالد جهاد

شموسة أو شمس الموازيني../خالد جهاد

خالد جهاد

 

شخصية مؤثرة لمعت في رمضان الماضي من خلال المسلسل السوري الاجتماعي (على صفيح ساخن)،  وقامت بتجسيد شخصيتها الفنانة السورية الكبيرة سمر سامي،  ولم أشأ الحديث عنها وقتها إلا بعد مرور وقت ٍ كافٍ يسمح برؤية العمل والشخصيات بوضوح بعيداً عن الزحام بعد الموسم الرمضاني،  فلفتت الأنظار كونها غير مألوفة،  أو أصبحت غير مألوفة في زمننا تفاصيلها الكثيرة ومشاهدها القليلة عدداً وحواراً كانت سلاحاً ذا حدين،  ربحت فيه (شمّوسة)،  والتي تركت المشاهد في حالة من عدم الاكتفاء بما رآه فحركت فضوله باحثاً عنها ومترقباً لظهورها طيلة عرض المسلسل،  وشاعراً بغيابها حتى بعد انتهاء حكايتها،  لأنها ممتلئة بشكلٍ لا يصدق بالتفاصيل،  ومحملةٌ بالذكريات،  فترى تاريخها في نظرات عينيها الشاردة وجرح صوتها الغائر وبراءة ضحكتها الخاصة،  والتي تخبأ طفلةً خلف إطلالة امرأةٍ أرستقراطية تنحدر جذورها من أكبر عائلات سوريا وأعرقها،  فظلّت محتفظةً بإرثها الوجداني حتى رحيلها،  معتنية بتفاصيلها التي نقلتها معها إلى غرفتها الصّغيرة،  وتشبّثت بها لأنها كلّ ما تملك من الماضي الذي تمنّت فيه أن تتزوّج الرجل الذي تحبّه قبل أن يتمّ اغتياله أمام عينيها قبل يومين من زفافهما،  لتقوم بعدها بدفنه في حديقة أسرارها التي أوصت أن تدفن فيها إلى جواره.

شمس

جمال هذا الدور يكمن في تفاصيله التي نُسجت بذكاءٍ وعناية،  شملت حتّى مظهرها وغرفتها،  فخلقت سيِّدةً حقيقية من لحمٍ ودم لا نشك في أنها كانت تمشي في الشوارع وتحمل هويةً شخصية ولها عنوان فعلاً،  وقد تعدّدت الآراء من النقاد والجمهور اللذين أشادا بدورها ورأوها سيدةً حالمة من الزمن الذهبي وتختصر قصتها وضع الفساد الذي التهم حقوق الناس وصادر حياتهم وواقعهم وأحلامهم وحتى ذكرياتهم التي تبقت لهم،  وربّما كان متعمّداً أن يكون حضورها مقتضباً وكأنه يريد أن يبني حالة ً من تكثيف الشعور تجاه هذه السيِّدة المنسية التي قد نراها حولنا ولا نلتفت إليها،  لأنّنا نراها بأعيننا وليس بقلوبنا،  فلا نشعر بقيمتها إلاّ بعد رحيلها كأغلبية البشر الذين لا يوقظهم شيء بقدر الرحيل، وبعد أن يتحوّل أحبابهم إلى طيفٍ بعيد، وكأنّ غياب شمس (شمس) هو عقابٌ لمحيطٍ مادي لم يستوعب نقاءها وشفافيتها..

والتركيبة النفسية لـ (شمس) هي تركيبة خاصّة جدا، ولا أتحدّث عنها كامرأة بل كحالة إنسانية رأيت ما يماثلها لدى بعض الرّجال تأكيدا على أنّ الشّعور الإنساني لا يتجزّأ، فكان الموضوع أهمّ وأعمق من مجرد شخص ٍ يشعر بالغربة بعد فقدانه لعائلته وكل ما يملك واضطراره للتعايش مع وضع مادي صعب، وسط صعوبات الحياة وثقافةٍ بعيدة عنه حتى وإن لم يكن متعالياً على الآخرين، فظلال الماضي لم تفارقها للحظة ودفعتها لتعيش حالةً شبيهةً بالعزلة التي لم يكن يخترقها سوى شخصٌ واحد هو (مسعود) موظف الاستقبال والذي حل محلّه (هلال الحجّار) الذي يذكِّرها بحبيبها الذي عاشت على ذكراه، وأعاد لها وجوده في حياتها بعضاً من الفرح النقي الذي افتقدته، فكانت تريد فقط شخصاً تشاركه فرحتها لأنها كانت تخفي أحزانها عن الآخرين خلف ابتسامتها المثقلة بالعذابات الشخصية والقهر، فلم يكن هناك من يعرف أنها تتسوّل متنكِّرةً كي لا تطلب شيئاً من أحد بجوار حديقتها المسلوبة لتأنس بقربها وقرب حبيبها الذي يرقد فيها منذ سنوات، فكانت تزوره وتتسول بكل أسف لتبقى على قيد الحياة فيما كل ما حولها يوحي بالموت، وظلّت الرّوح معلقةً بذكريات ٍ وأشجار وأماكن تعينها على احتمال الواقع الذي كانت تعيه لكنّها تغضّ الطّرف عنه لتستمر مثل الكثير من النّاس، ولم ترحل إلا بعد خسارتها لاسترداد حديقتها بعد ربع قرنٍ من المحاولات، فكان الوجع يغلِّف الكلمات الثلاث التي أنهت بها وجودها.. (اليوم…خسرت الدّعوة) لتظلّ هذه الكلمات عالقة ً في الأذهان، ويرى الجميع مشاهدها تمر سريعاً أمامه جنباً إلى جنب لتُكون صورةً لكائنٍ رقيقٍ عذبٍ بريءٍ طفولي حتى في لحظات غضبه وحزنه، في طريقة ألمه وصفاء ضحكته، لا يضمر الشرّ لأحد ويتحدّث بعفويةٍ رغم حذره المشروع بعيداً عن الادعاء، فكانت تبتسم خجلاً نابعاً من صدقها وهي تحكي ذكرياتها لهلال لتخبره أنّها لم تكن تحبّ السياسة ولا تفهمها برغم أنّها كانت موضةً رائجةً يتبعها الأغلبية، وكان همّها الوحيد هو حبيبها الذي كان يحبّ سوريا أكثر منها، ولم يكن ذلك يشعرها بالغيرة لأنّها كانت تحبّها أيضاً وتتمنّى لها كلّ شيء ٍ جميل، مع أن حبّه لسوريا كان مزعجاً للجميع فأدى إلى اغتياله.

شمس شخصيةٌ لها منطقها في الحبّ والصّداقة والحياة وحتّى القهوة التي كانت تشربها صباح كل يوم بجانب الفونوغراف، وتحبّ تسخين فنجانها وإعداده بالبن الأسمر (بدون هيل)، لتسافر عبر موسيقاه الحالمة مع ذكرياتها التي تعيش معها أكثر من حاضرها،  وتخفي قدراً كبيراً من العاطفة النبيلة التي تخاف إظهارها في زمنٍ يحتفي بالقوة والبطش، ويبتعد تدريجياً وباستمرار عن كلّ معنىً حقيقي للصّدق والجمال، فيهتم بالمظهر ويتناسى الجوهر.

شمس الموازيني

تركيبة السّهل الممتنع الشائكة، الصافية كانعكاس الوجوه على سطح البحيرة، والحزينة بشكل ٍ شاعري كالشّموع الذائبة والتي نسجت شخصية (شمس الموازيني)، لم تكن رغم مساحتها الصغيرة لتظهر بهذا الجمال والتّفرّد والعمق والصدق الذي لم يلمس الناس إلا بتجسيده من قبل فنانة حقيقية بحجم سمر سامي، بثقافة واسعة وحسّ عالي ومرهف وقدرة على التقاط مشاعر الإنسان بكل حالاته واختزالها بداخلها لتعود باسمه.. اسم ذلك الإنسان، فلو كان أداؤها عادياً أو نمطياً لأمكن استبدالها بغيرها، لكن ما تقدمه محجوزٌ باسمها، بعيداً عن الأسماء والصفات والألقاب والمجاملات، وأصبحت في موقعها شيئاً مستقلاً بذاته لا يحتاج إلى اطراء أو تعريف لأنّ الصّادق والموهوب لا يحتاج إلى ذلك، لكنّ الاختلاف هنا ينبع من البعد الإنساني الذي يمسّ الجميع على اختلافاتهم، ويحكي عن جانبٍ منسيٍ فيهم في شخصية (شمس الموازيني) والذي تم تجسيده بحِرّفية ٍ وصدق من قبل مبدعة خاصّة جداً اسمها سمر سامي.

شمس موازيني / سمر سامي

عن admin 1

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: