الإثنين , أكتوبر 18 2021
رفاعي أحمد

غيلان الأرض / الفنانة التشكيلية فاتنة م. الداوود

فاتنة الداوودرفاعي أحمد

قراءة لأعمال الفنان السوري المُغترب.

الفنان التشكيلي رفاعي أحمد.

مواليد 1977 من سوريا

خريج المعهد العالي للفنون / دمشق / الاختصاص ( تصوير ورسم).

ومشاركاته الفردية والجماعية في ( دمشق- العراق- تركيا- النمسا- ألمانيا- فرنسا)

حاليا متفرغ للعمل الفني التشكيلي في النمسا .

العنوان ليس مغالاة في المعنى، الغيلان جمع الغول، ويزعم العرب أنّه نوع من الشياطين يَظهر للنّاس في الفلاة والغول (هو كلُّ شي يُذهِبُ العقل )، هذا ما تركه الفنان رفاعي من انطباع رصينٍ في الذاكرة الفنية، وهو وصفٌ يكاد لا يُذكرُ عن الوحشية الفائضةِ في شُخوص العمل والتي تفتَقِر إلى الطّيبة والشّفقة والعاطفة وهو انطباع يحتاج إلى التفسير لمن يهتم بالتأويل الفني.

أحمد رفاعي فنّان مُغترب قد واكب تطوُّراً من الحياة البِكر البسيطة، والأقل حظا إلى حياةٍ مغايرة تماما ربَّما غيّرت كلّ المعتقدات التي قَبَعَت في الإدراك اللاواعي ذات يوم، وتحوّلت إلى حياة مُركّبة معقّدة بعض الشّيء في العقل البِكر.

تطوَّرت الذائِقة الفنية عند الفنان رفاعي مع تطوُّر اندماجه مع توالي الغُربة وآثارها، والتي أحدثَت في نفسه التَّغيير الشَّامل لكلِّ المفاهيم وإن كانت مغلوطة أو صحيحة.

أمسَت مسيرتُه الفنّية مِفتاحاً مُحيّرا للنّظر إلى الأمور، بطريقةٍ مختلفة وعصرية، كادت أن تكون فريدة نوعاً ما لما تمتلك ريشتُه الكثيرَ من الشجاعة والجرأة في تفسير غِيَرِ الدّهرِ بطريقة مُدهشة واكبت كل المراحل بكل حرية مع الذات بشكل واضح.

الرموز المستخدمة في الأعمال المختارة والمرقَّمة ( 1-2-3-4-5 )

(الرمز الشريطي “الباركود” -الارقام- الألوان المحايدة -اللون الأزرق- اللون الأحمر).

الرمز الشريطي (الباركود): ربما هو دلالة على عصر التكنولوجيا الذي هو بمثابة الغول الذي استوْغَل الحياةَ عُنوةً و سَطا على قَرويَّتِها وعذريَّتِها إلى أن آلت إلى مَدنِيَّة موحِشة يحكُمُها المَسْحُ الالكتروني فيشعِرُنا بالبُرود، مفتَقِراً إلى الحميمية والإنسانية.

الأرقام والأعداد: هي علم قديم مبني على ترسُّبات علمية من حضارات عديدة مثل تجارب البابليين , وكَتب القدِّيس أوغطينوس “إن الأرقام هي لغة الكون، وهبها الخالق للبشر من أجل تأكيد الحقيقة” كما أكد فيثاغورث “أن لكلّ شيء له علاقة بالأرقام، وما على عقل الانسان إلا فهم وبحث عن أسرار هذه العلاقة” وهذا يؤكد ما قصده الفنان رفاعي تَوغّلْ الأرقام بحياتنا بشكلٍ مُخيف تداخلت معه الأرقام بتصاعدية متناهيةٍ وأصبحت هي الفاصل النهائي في أيدولوجية الحياة التي تعني كل شيء وعكسه .

الألوان المحايدة: استخدم الفنان الألوان المحايِدة والتي تعتبر ألواناً غير مشبّعة وتصلُح كخلفيةٍ للعمل الفنّي دون الانشغال، وتعطيك إيحاء بالمساحةِ واستخدام الأنماطِ الأخرى دون أيّ صداع فني، وربما أراد الفنان بذلك التركيز على موضوعية العمل دون الاكتراث بالجانب الجمالي تيمّناً بالفنّ المفاهيمي الذي ارتكز على إبراز الجانب الموضوعي دون الجانب الجمالي لإرسال الهدف والرسالة للمتلقي دون أصدعة تَحُولُ على الفهم للرسالة المعنية.

وعند العودة الى أعمال الفنان أخترنا للتأويل مجموعة من أعمال ( 2020-2021 ).

الوسيط المستخدم: القماش (الكانفس).

المواد المستخدمة: ألوان الزيت- ألوان الأكريلك -فحم- ترابيات”تراب وبودرة” .

غيلان الأرض

اللوحة (1) هي لوحة المَبْوَلة حيث استذكرتُ لوحة مارسيل دوشامب (النافورة1917 ) وأصلها مبْولَة، والتي تحمل المفهوم المتطرِّف للفن المفاهيمي، ووصف دوشامب غرضَه من عرضِها، هو تبيان التفسير الفكري دون الحرفية اليدوية للعمل الفني، لذلك نوجز أن الفنان رفاعي قد رمى بِعرْض الحائط كل المفاهيم المغلوطة (استنكار، ظلم، ملل من التّقاليد الكلاسيكية) ونادى بالتفرّد نحو الحرية والتصالح مع الذات دون الاكتراث بالنتيجة وفي كسر اية رسالة جمالية والاكتراث فقط نحو المفهوم المُعلن من قِبل الفنان , وفي الوقت ذاته ثمةَ صراعٍ بين الخير، الصفاء، النقاء والفضيلة يُرمز له باللون الأبيض وبين الشر، الموت، والغموض، والتمرّد على الظلم القائم، وهو أيضاً لون الحِداد، ويرمز له باللون الأسود القوي واستُخدِمَ كخلفية للعمل لحيادته العالية.

غيلان الأرض

اللوحة (2) يُعرِّف ويليام جوزف نايتر الفن “هو ذلك الذي ينجح في تصوير أشد انفعالات الفنان عُمقاً سواءً كانت جذّابة ومشرِقة أم مظلمة ومنفّرة” فلوحة الغول هذه قلبت موازين الجمال إذ تحمل على الهامش المُحتوى الرّقمي الذي هو بمثابة تعريف مُنسدِل جانباً كأنه هُوية مُلازمة له مع أشلائه المُمزّقةِ التي تحمل في طيَّاتها الإنكسار رغم جبروته وقوَّته بالخلفية الدلالية السوداء على التمرّد والتعنُّت مع وجود بقايا الخير والفضيلة متمثِّلة باللون الأبيض المتلاشي بين مخالب قدميه، وهناك خطوط متشابكة التفَّت حول جسده المُنهك لا نهاية لها تدلُّ على الضياع، أو وجود أمور معقدة ومتشابكة أوشعور بالملل والوحدة لما آلت عليه الأحوال، فالتوازن الحيادي واضح بين مفردات العمل الفني حيث أعطى قيمة عالية في الموضوع والرسالة المعنية بطريقة بسيطة استعانت بالقليل من الجمال.

غيلان الأرض

اللوحة (3) يقول إيمانويل كانط: “الفن ليس تصويرا لشيء جميل إنما هو تصوير جميل لشيء” ثمةَ صراع واضح بين الشر، السلبية متمثلة باللون الأسود الذي احتل الخلفية لدلالته الحيادية وبين الخير الماضي متمثلّة بالقليل من اللون الأبيض الذي قاب قوسين ويندثر، لضآلة حجمه المُتصاغِر بين مخالب هذا الكائن، وهنا تتضح سوداوية في العمل الفنّي لتحوُّل عنصر العمل إلى وحشٍ دامٍ أثْقله التَّعب والإرهاق من جراَّء معركةٍ مضنيةٍ قامت بين الخير والشر الذي انتصر في النهاية. الشر لغالبية اللون الأسود على المشهد الفني ككل.

اللون الأزرق في اللوحات (2-3-4) إذ اقتصر استخدام اللون الأزرق في العصور الوسطى على رجال الكنيسة إذ كان يعتبر لونا مقدّسا، ولونا خفيّا يحمِل شيئا غامضا خلفه، واعتبر الفن الإسلامي كذلك اللونَ الأزرقَ ذا وظيفة جمالية أساسية، ودلالة روحانِيّة غيبيَّة مُرتبطة بوجود الدائم لله عزّ وجلّ، كما استخدمه فان كوغ للأحلام والهروب من الواقع، فاستعان به الفنان رفاعي في التعبير عن خلجات النفس الدفينة التي تعبِّر عن الحزن والكآبة والوِحدة بشكل عفوي ربّما كان يمرّ بفتور مرحلة سابقة كما الفترة الزرقاء البيكاسوية .

في اللوحة (1) كانت شعارا ضئيلا معلقاً لكنه بمثابة نِداءٍ خفيٍّ، عن المعاناة والألم الدفين .

وفي اللوحة (2) كان يتجسد في القناع الذي أرهق العالم أجمع، يَضجّ حُزناً على ما آلت إليه البشرية من جراّء الفيروس.

غيلان الأرض

اللوحة (4) لوحة تجريدية من الطراز الأول تجردّت فيها كل معالمِ الإنسانية بأنوثة مشوَّهة دلالة ما أحدثَته التّكنولوجيا، وعالم الأرقام من فوضى عارمةٍ تتمثّلُ في الخُطوطِ المُموَّهةِ المتشابكة ذات البناء المُتكامِل المتوازن، يحملُ في طياته سخرية عارِمة بعض الشيء عما انتشر عبرَ منصّات التّواصل الإجتماعي عن التَّسابق بتصوير إرتداء الأقنعة الذي قبعَ خلفها جُلَّ مشاعر القهر والحزن والإحباط وتقلُّبُ المزاج المتمثلة باللون الأزرق، واستعان الفنان رفاعي باللون الحيادي الرّمادي أيضا كخلفية للعمل مع اللون الأسود دلالة على المجتمع المحافظ رغم مساوئ ما يحدث جرّاء تقلّبات العصر برغم من ظاهرة التعايش مع الجائِحة بكل إيجابية رغم كل تلك المآسي الآنفة الذكر.

غيلان الأرض

اللوحة (5) لوحة غول مثيرة للإهتمام والحواس وهي بقايا غولٍ حطَّ رحالَه على الأرضِ على هيئة مخلوقِ فضاءٍ تماهَى جسده وتداعى من شهوات البَشر دلالة على الجشع، والاستغلال، والنهم، والمشقة، والحزن، ويُرمَز له باللون الأحمر الدّامي، وغلِبَ على المشهد العام اللون الأسود فكان يوحي بالكآبة، والندم،  والناحية السلبية لسطوة المفاهيم الرقميّة والشريط الرّقمي المُتكرِّر في الفضاء القاحِل.

لوحات الفنان أحمد رفاعي تفيضُ طاقة إبداعية قصوى وجمالاً فريدا من نوعه لمن يُحسن قراءة الألغاز والرموز بالرَّغم من استعانتِه بالمفاهيمية والموضوعية، لا بالمحتوى الجمالي في إرسال خلجات الذاّت المُتحرِّرة من غيلان النّفس وتَوَغُّل عناصر العمل الفني لتطغى على الفراغ بشكل كاد ان يكون كاملا ذات نسق يضجُّ رموزاً تركت المتلقي ليكونَ شريكاً ايضاً في التاويل الفني .

غيلان الأرضغيلان الأرض

عن admin 1

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: