الثلاثاء , يونيو 28 2022
اسعد الهلالي
أسعد الهلالي

فلم ڤي فور ڤانديتا V for Vanditta / اسعد الهلالي

اسعد الهلالي
أسعد الهلالي

صدر في مجلة نقش الثقافية العدد الثالث :

فلم ڤي فور ڤانديتا

V for Vanditta

يكذب الفنان لكي يؤكد الحقائق، ويكذب السياسي لكي يزيفها..

أسعد الهلالي

 

   لن أتناول فيلما جديدا، ليس لأن ليس ثمة فلم جديد يستحق البحث، بل لأن هناك أفلاما لا ينبغي أن تمر مرورا عابرا، ولابد من التوقف عندها طويلا لما تحمله من قيم فكرية وجمالية مهمة، منها فلم (ڤي فور ڤانديتا) الذي كتب له السيناريو الأخوة واچوسكي، وأخرجه جيمس ماك تيگيو، وأدى أدوار البطولة فيه ناتالي بورتمان وهوگو ويڤينگ وستيڤن ريا. ولعل ثيمة الفلم أوفكرته الرئيسية هي التي تستحق الاهتمام، فهي تدور حول الفكرة التي ما زال بمقدورها أن تغير العالم. الفكرة التي يَقتلُ الناس من أجلها، ويموتون دفاعا عنها.

 يقدم الفلم تمهيدا تغريبيا، فقد قدّم رجلا يدعى كاي فوكس الذي كان قد اعتنق فكرة قبل 400 عام، وحتى بعد أن تم قتله، بقيت الفكرة التي ما زال بإمكانها تغيير العالم.. ومن خلال شريط سمعبصري استمر 127 دقيقة شهدنا رجلا قرر الدفاع عن فكرته حتى الرمق الأخير، فدفعنا إلى عدم الوقوف على حافات المسافات، بل التوغل فيها، والاستعداد دوما للتضحية من أجل ما نؤمن به. لم يكن زمن الأحداث واقعيا، بل افتراضيا، منح صانعي الفلم الاستفادة للحد الأقصى من قدرات الخيال، سواء في البنى البصرية للفلم أو الحوارات المميزة بالعمق. 

تقع الأحداث بعد ثلاثين سنة تقريبا. واستخدم الفلم لقطات وثائقية لتعزز أفكاره، رأينا أمريكا التي اعتدناها، تضع نفسها في المنزلة الأولى في العالم، وقد غدت محط ازدراء، إنها مجرد مستعمرة بعد عشرات الحروب التي أشعلوها، والأمراض التي صنعوها لإضعاف العالم، فتعرضت هي للإنهاك، وهذا هو العدل في الواقع، فلا أحد يستطيع الهرب من ماضيه. 

بعد التمهيد بدأ الفلم عرض شخصيتيه الرئيسيتين: (ڤي) و(إيڤي) عبر مونتاج متواز، أنجزه مارتن والش بروعة، إذ يقوم كل منهما دونما اتفاق بالأفعال نفسها في الوقت ذاته، هناك إذن رابط سيجمع هاتين الشخصيتين بالضرورة، وهذا ما يحدث. أدت الممثلة ناتالي بورتمان دور إيڤي التي استغلها السيناريست كي يظهر لنا بيئة الأحداث الزمكانية، تخرج من منزلها في وقت حظر: بدء حظر التجوال، فيعترضها ثلاثة رجال، يحاولون اغتصابها فتقاومهم، لكنها تشعر باليأس، حين تعرف بأنهم من الفنكر مان، وهم الشرطة السرية للنظام الحاكم في بريطانيا خلال فترة الأحداث، يظهر (ڤي) فجأة، فيقضي على الرجال (أدى دور ڤي الممثل هوگو ويڤينگ)، تسأله إيڤي: من أنت؟ نعرف أنه من أتباع گاي فوكس الذي تم أعدامه قبل 400 سنة، لكن فكرته عاشت في أذهان المؤمنين بها، ومنهم (ڤي)، وقد جاء لإحياء قسمه لگاي من أجل القضاء على المتسلطين. لقد جاء من أجل أن تنتصر الفضائل.

يدعوها لحضور حفل موسيقي لم ترَ له مثيلا من قبل، يتم خلاله تفجير السور الجديد بطريقة تبدو احتفالية وساحرة، حتى هذه اللحظة، لا يبدو ثمة رابط بين الشخصيتين، والدوافع غرائبية بعض الشئ. ما الدافع الذي جعل إيڤي تغادر بيتها؟ في الوقت الذي بدأ فيه حظر التجوال لتتعرض إلى خطر الفنگر مان؟ وما الذي يريد (ڤي) غريب الأطوار تحقيقه؟ من المؤكد أن الأسئلة التي وضعها الفلم ستجعل المشاهد مشدودا لمتابعته بشغف بحثا عن الأجوبة. ومن البديهي أن روعة اللقطات التي صورها أدريان بيدل ترافقها موسيقى داريو ماريانيلي الساحرة، تمنح المشاهد متعة فريدة. 

يكشف الغضب حقيقة أفكار ونوايا المستشار (آدم ساتلر) الذي يصدر أوامره بتشديد المراقبة واحتجاز من شهد تفجير القبة وموسيقى الكونشرتو 18 لـ أوفرتشو التي ضج بها ليل لندن، وإعلان حالة الطوارئ، بل أمر بمنع الاستماع إلى هذه المقطوعة الموسيقية… 

فلم ڤي فور ڤانديتا  V for Vanditta
فلم ڤي فور ڤانديتا V for Vanditta

  يأمر المستشار بتنفيذ خطة بدء العصر الجديد، لنرى بعض الأحداث المتكررة واقعيا، والتي اشترك أغلب الطغاة في اقترافها دون أن يهتموا بتبرير أفعالهم للمواطنين، إنّها السلطة الغاشمة في مواجهة المواطن الرافض بصمت. وتكون وسيلة الإعلام أداة للتضليل رغم أن المشرف على الأخبار يرى بأن مهمة الإعلام هي نقل الخبر لا اختلاقه. وعلى صعيد الأحداث يظهر ڤينش ضابط الأمن البارز، يعلن عن توصله لشاهد على التفجير وهي (ايفي) فيداهمون بيتها، ومن خلال بطاقة عملها يعثرون على طريقة للوصول إليها. يسير الفلم في مستويين متوازيين أحيانا (الحدث والفكرة)، ويسبق أحدهما الآخر بخطوة في أحيان أخرى، لكن الأحداث تبدأ بالتسارع حين واصل الملثم (في) مغامرته، وضيّق فينش دائرة البحث عن (في) من خلال إلقاء القبض على من اعتبروها شريكته (إيفي).. اهتم الفلم بالضرورة بالأحداث المشوقة لكونها طريقا تُطرح من خلاله الأفكار العميقة، يتحدث (في) مباشرة للناس بما لا يود المتسلطون سماعه، الوحشية وعدم العدالة والإحباط، إفراغ المواطنين من فاعليتهم، وإشاعة الخوف بينهم كي تستمر هيمنة المستشار الذي وعدهم بالأمان مقابل الطاعة. يتمكن (في) من السيطرة على البث التلفزيوني، ويظهر على الشاشات ليعترف بأنه قام بالتفجير كي يذكرهم بأن الحرية والسّلام ليستا مجرد كلمتين، بل أشياء منظورة. ويحدد الخامس من نوفمبر القادم يوما لتحدي السلطة.

في سيناريو الفلم لابد من التدرج في عرض المعلومات، هكذا يتم التشويق.. وقد حاك كاتبو السيناريو الأخوة واچوسكي أحداثا تنامت بمنطقية كبيرة، وحققت طاقة التشويق بشدة جعلت المشاهد مرتبطا بما عرضه الفلم، دون الابتعاد عن أهدافه الحيوية، رجال الضابط كريدي يتوصلون إلى حقائق عن عائلة إيڤي.. والداها شاركا في تظاهرة، أمها ماتت خلال إضراب عن الطعام، وقبض على أبيها في عملية عسكرية، ومات أخوها في السجن. (ڤي) نفسه كان قبل أعوام سجينا، وتعرض إلى تعذيب شديد، واستخدم كجرذ تجارب خطيرة مع سجناء آخرين.  لكن سجن لارك هيل تعرض لحريق هائل، خرج من وسطه (ڤي) عاريا، تبدأ سلسلة من أحداث القتل، بدأت ببراذرو، وهو من أغنى رجال بريطانيا، وله دور في صفقات مخدرات.. وحين يدقق المفتش ڤينش في سجل براذرو العسكري يجد بأنه حارب في العراق وكردستان وسوريا.. وله علاقة بـ لارك هيل وهي مؤسسة اعتقال… إذن لم تكن تحركات (ڤي) اعتباطية، إنه يتحرك وفق خطة دقيقة كان أوّل حصادها قتله لبراذرو، ثم الكاهن ليليمان، وكان واحدا من مسؤولي سجن لارك هيل، ثم الدكتورة ستيليا التي كانت مصممة التجربة.

فلم ڤي فور ڤانديتا  V for Vanditta
فلم ڤي فور ڤانديتا V for Vanditta

تحاول إيڤي الهرب من قبضة (في) فلا تجد سوى گوردون، وربما تعد هذه النقطة موضعا للحبكة إذ أخذت الأحداث منعطفا آخر، فقد كانت متسقة بوجود (في) وإيفي معا، لكنهما سيسيران في خطين مختلفين. گوردون مذيع بارز لبرنامج تلفزيوني، يقرر أن يثق بإيڤي، فيدخلها إلى مخبئه لتشاهد هناك بعض المقتنيات التي كانت تعد خطيرة، وكان من بينها نسخة من القرآن الكريم، وفي ظل نظام قمعي كنظام ساتلر يضطر البعض لوضع الأقنعة طوال الوقت. يتعود بعضهم على هذه الأقنعة حتى ينسى أنه يرتديها. گوردون كالكثيرين غيره، لم يكن منسجما مع النظام، لكنه مضطر لحماية نفسه من غضب لا نتيجة له سوى الموت.

يطرح الفلم أفكاره بلغة شعرية أحيانا، جعلت من المستحيل تهميش دور الحوار أو وضعه بدرجة أوطأ قليلا من درجة الصورة. كانت الصورة أخّاذة في فلم في فور فانديتا، ولم يقل عنها الصوت جمالا، سواء كان حوارا، أو مؤثرات صوتية، أو موسيقى.

   تتكشف الحقائق تدريجيا لنعرف أن الدكتورة ليليان كانت تصمم تجارب للوصول إلى فايروس معين يقتل أمة بأكملها. كانت تجربها على السجناء، وقد مات كل من تعرضوا للتجارب، سوى شخص يبدو أنه يمتلك نظاما بيولوجيا مختلفا عن الآخرين، إنه السجين الذي يشغل الغرفة 5 والتي تكتب حسب الحروف اللاتينية (ڤي) V، ومن أجل طمس الحقائق التي قد يسفر عنها حريق السجن، تعمد المستشار إلى وضع فايروس في مصادر مياه المدينة الثلاثة، ويؤدي ذلك إلى موت 80 ألف مواطن، وككل حالات التجهيل والتزييف التي تمارسها الحكومات في حق مواطنيها، يدرك الناس بأنهم تعرضوا للاستغفال. ويعمل (في) على فضح هذه الحقائق فيتعاطف معه الناس، الحقيقة تفرض دوما ميكانيكية السقوط. گوردان امتلك الجرأة ليسخر من ساتلر عبر شاشات التلفزيون، ولعل هذه هي الإشارة الأولى لنهاية آدم ساتلر وحكمه البغيض، ما قام به گوردون كان انتحارا في الواقع. فيتم اعتقاله وتهرب إيڤي التي يقبض عليها في نهاية الأمر، وتتعرض للكثير من التعذيب، لتعترف عن مكان (ڤي). هناك ثمن يجب أن يُدفع، للتحرر من ربقة آدم ساتلر سيقدم گوردون حياته، وإيڤي حريتها. للحرية دوما مغناطيس يجذب إليه الأرواح الباحثة عن خلاص. يحكم على ايڤي بالإعدام، وترفض التعاون ليلغى الحكم، وحين يأتي من يأمرها بالتوجه لتنفيذ الحكم، ويعرض عليها أن تقول أية كلمة ليلغى الحكم، تقول بأنها مستعدة لتموت، آنذاك يخبرها المحقق بأنّها أصبحت حرّة ما دامت قد تحرّرت من الخوف، وتكتشف أن كلّ ما تعرضت له من تعذيب كان مجرد لعبة واختبار قاس. ربّما كان الحدث برمته افتعالا، لكنه حقق ذروات نستطيع رصدها في حالات التعذيب، وصدور حكم الإعدام كما شهدنا انفراجات لهذه الذروات منها إخبارها بأنها أصبحت حرة، وهذا الانفراج حمل في الوقت ذاته مفاجأة. المستشار ساتلر يريد أن يشعِر الجميع بالخطر، وأن فوضى عارمة قادمة، يجب أن يشعروا بأنهم يحتاجون إلى المستشار وحكومته.. إنه في الواقع يبحث عن الأمان من خلال الترهيب عبر نشر الأكاذيب.

البحث عن الحقيقة، فيروس ما إن يصاب به أحدنا حتى يقع تحت تأثيره، ويدرك أن علاجه في الإيغال بالإصابة به أكثر. وڤينش، رغم التحذيرات مستمر في بحثه عن حقيقة ما حدث لذا يلتقي في مكان سري بـ (ڤي)، وقد تنكّر بزي روكوود، وهو رجل كهل يعرف تاريخ ساتلر الحقيقي. أزمة الموت الوبائي كانت سببا في فوز ساتلر بالانتخابات، ثم عرضه لدواء الوباء الذي زاد من شعبيته أكثر. والعبقري الوحيد في خطة ساتلر كان هو الخوف. واعتمدت خطة (ڤي) على أن يخيف ساتلر في الوقت الذي يحرِّر الناس من هذا الخوف. إنهم يقتربون من الخامس من نوفمبر، يوزع (ڤي) مئات الآلاف من ماسكات الوجه المماثلة للماسك الذي كان يرتديه.

يتأكد المفتش ڤينش بأن ما يريده (ڤي) من وراء جنون الناس بـه هو الحرب.. الفوضى.. ليرد ساتلر بالطريقة التي يعرفها جيدا، العنف، وتبدأ المواجهة، لكنها تنتهي بسقوط المستشار ساتلر. خطوات كقطع الدومينو ما إن تسقط إحداها حتى يبدأ انهيار كلّ شئ.

فلم ڤي فور ڤانديتا  V for Vanditta
فلم ڤي فور ڤانديتا V for Vanditta

   يجسِّد سيناريو الفلم التباين بين أسلوبي التفكير، الثائر (ڤي) يطلب أن تراقصه إيڤي، فتستغرب أن يطلب ذلك في ليلة الثورة، لكنه يقول ثورة بلا رقص لا تستحق أن نحصل عليها. في الجانب الآخر يزبد المستشار، ويرعد ضد مستشاريه، ويبدو عليه الانهيار رغم القوة الظاهرية، لقد وزع (ڤي) وجهه على الجميع، صاروا جزءا منه، أو صار جزءا منهم. هذه هي حقيقة الثورة التي لن يتمكن طغيان ساتلر من إيقافها بعد الآن. ساتلر مجرد كرسي يمنح أتباعه امتيازات ما إن يحرموا منها حتى ينقلبوا عليه. الخيوط المنفرطة بدأت بالتجمع، والنهايات اتّضحت بشكل ما، فقد انتصرت الفكرة على المستبد، والخوف الذي تمكن (ڤي) من تطهير (ايڤي) منه، تطهر منه كل الشعب، وعمّت المظاهرات، وآلاف ممن يرتدون أقنعة (ڤي) نزلوا إلى الشوارع، والجيش الذي حمل أسلحته لم يجد من يأمره بإطلاق الرصاص، فقد مات ساتلر ممثل الخوف الأكبر، وفي النهاية حدث الانفجار العظيم: البرلمان..

أسعد الهلالي
اسعد الهلالي

عن admin 1

شاهد أيضاً

ميسون أبو الحب

السينما والرقميات وفصل الماضي

السينما والرقميات وفصل الماضي  ميسون أبو الحب   يطرح كثيرون تساؤلات عديدة عن مستقبل السينما …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: