الجمعة , يوليو 23 2021
سليم المسجد

البحر /للشاعر سليم المسجد

البــحر

((عاَلمٌ.. لاتستطيع الحواس والكائنات والعلوم والتقنيات التعبيرية الإحاطة بعوالمه المختلفة والتنقل بينها..))

“سليم المسجد”

 

كثيراً ما قرأتُ -منذ الزّمن المدرسي ومازلنا حتى الآن- نقرأ قصّة يونس بن متّى، وقصّة أم موسى، وقصّة غرق فرعون أيضاً، وكذلك قصّة أصحاب السّبت “واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر”، ولكننا لم نبحر كثيرا في البحث عن ” صور” اللبنانية أقصد المدينة الغارقة سنة ١٤٣ قبل الميلاد، أو وراء تراثنا الغابر، والذي تعرّض لعوامل البطش والنّهب والدّفن أيضاً، والإتلاف في الماء وبالنّار في معظم الحالات، واكتفينا بما ندر من تلميحات بعض المؤرخين وبصيص من خيالات كتّاب الرواية التاريخية إن وجد، أعني مما حدث للفرد العربي وما مرّ به من مآسي وكوارث وويلات عبر حقب زمنية متفاوتة في تاريخه الطّويل، أي من قبل ومن بعد أن حكت كتب السّير- وهنا أحكي لك أنّ معظم أهالي قريتنا يجهلون هذه الرّواية- من أنّ “بحيرى” راهباً نصرانيا بشّر بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام قبل سطوع رسالته، دعك من العرّاف “نوسترداموس” والذي استند صنّاع الفيلم الأمريكي:”يوم القيامة”-كما تتصوره سينما الكوارث- على تكهناته والذي اعتقد بأن نهاية العالم تكون في عام 2012م. ومن حسن الحظ أن أمي لم تعلم بذلك، أما بالنسبة للمتابعة فلقد عفانا انقطاع التيار الكهربائي المتواصل – في هذه المرحلة اليمنية تحديدا- عن مشاهدة القنوات التلفزيونية ونشرة الأخبار المحلية أيضا، إلا أنه -من باب المصادفة- تسنى لي مشاهدة تكهنات “نوستر”بعد مضي ست سنوات على العام الألفيني ١٢م، ومع ذلك -لاغرابة- لم أرَ بحرا يغلق مشهد الحياة بـ”The End” ” “وإذا البحار سجِّرت”، بعد دورته في بثِّ روح الحياة في الطّبيعة والكائنات والمسافرين والصّيّادين والشّعر ومختلف العلوم أيضا.

وكما جاز لهم ذلك التّكهن، فلقد أجاز لي علم البلاغة العربية على سبيل المجاز ومن باب المجاملة والتّحفيز أحيانا، بأن أقول لك:”أنت بحرٌ” حتّى وإن لم تكن بحراً، أقصد عالماً-بكسر اللّام- أو أنّك لم تكتب عن البحر شيئا، وإنّما من أجل دعمك بنسبة معنوية تساعدك على تحسين مستواك العلمي والنّفسي غالباً، أو أنّك -مع سبق الإصرار والترصّد- قدّمت قرشاً-أعني فلساً أو ريالا وليس سمكة قرش- لجائع في يوم قائظ، تعبيرا عن كرمك الحاتمي المتواضع واستحقاقا لوجه الشّبه بينك وبين البحر؛ دفعنى لتشجيعك على المزيد من العطاء فقط إن صحّ التّعبير. غير أنّ الخليل بن أحمد بن الفراهيدي امتلك من التّبحّر في العلم ودربة استكشاف المجهول ماجعله يتنقّل بين العروض -اسم جبل في مكّة أولاً و اسم علم يُعرض الشّعر عليه ثانيا- و بين سوق عكاظ متأمِّلاً لأصوات الشّعراء وضربات الحدّادين، انتهى به الحال إلى وضع أوزانٍ للشعر أسماها بحور الشِّعر العربي، بواسطتها تعرف صحيح الشّعر من مكسوره، هذا قديماً أمّا حديثاً فإنّها تحوّل دون عبث الصّبيان والافتراضين -أقصد بعض الحداثيين- المتسلِّقين إلى عرش القصيدة عبر دروب الوهم والطيش المتقافز خارج ضفّة لا يموسقها البحر، ولئلا تتعرّض للنّفي في كومة ألفاظ قشِّية يلقيها البحر بالسّاحل افتراضا، أنصحك أن تسافر في البحر وتغرق فيه أولا، ثم تعرض بضاعتك عليه قبل أن تتمرّد وبعد أن ترى كفوف الجمهور لاتحتضن هذيانك، وأنت في صمتٍ تردِّد:”هذه بضاعتنا ردّت إلينا”؛ لأنّ نقطة بدايات الانطلاق من أهم أساسيات التّكوين القادم والمستقبلي، مع إيمانك بأنه لا بحر بدون ماء، ولا شعر يطربني والمستمعين أيضا-أليس كذلك- ؟ إذ لم يفيض نبعه الوجداني ممزوجاً بتقاسيم البحر المتنوِّعة وانسياباته المختلفة، التي تحقق للأرواح خصوبة النّور و الميلاد والفتنة، وتبعث في النفس شعورا عميقا وهي تترقرق ما بين مدٍّ وجزرٍ كموجة تائهة تصاحبها الدّعة أحيانا، ويعصف بها الغموض والأهوال أحيانا أخرى، وقبل ذلك-ولك أن تتأمّل جيِّدا- أنّه لا خصوبة للأرض بدون البحر المنبع الأوّل للشّعر والغيم والمهد الأخير لمياه النهر وانسكابات القصيدة، أو امرأة يفتنني جمالها حدّ الهوس، وكما يفعل بي البحر تماماً عندما أجلس على شاطئ “الكتيب” أو “الدوّار” في عروس البحر الأحمر، أو شاطئ “جولد مور” والغدير” في “عدن” والنّاي مصحوبا بصوت”محمد عبده” يمَوْسق الهوى بـ”هل تذكرين” والبحر المتّسع يرقص أمامي في مداءات لا نهائية، تأخذني في ثنايا الدّفء، فتتبخّر الرّوح في ظلّ هدأة فاتنة لا مثيل لها، عند اغتسالها من وعثاء الحياة الضاغطة ونفايات الحروب المتراكمة، ليستحضرني في غبطة الدهشة والتماهي: من علّمها-عذرا-من علّمه هذا السّحر!! و ثمّة موجة شاعرية قادمة من البحرين- والبحرين دولة عربية- تخترق مدارات التّأمل، يتراقص على هدأتها واهتياجها صوت الشّاعرة حمدة خميس:

“هل أشبه البحر/ أم أنّ البحر يشبهني؟؟”.

عند ذلك تغوص ذاتي في لجج هذا العالم الباهر والعميق، ولم يتبقَ منِّي سوى التّأمل في البحر وبعض أشيائه السّابحة أمامي وهي “تنبئ بأكثر من كلّ تصريحات القادة، العلم، الوطن، الجريدة، الإذاعة، التلفزيون…” أو كما حدّثنا الشّاعر الفلسطيني محمود درويش -رحمه الله- عندما ذهب – في قصيدة حرّة- لتأمّل البحر و الزّبد الأبيض يشير إلى أطراف الموج.”.

وفي خضّم هذا الجمال والسحر، والعديد من السّمفونيات و المفارقات المتنوّعة.. فإنّي -وجمهور الشّعر الكريم-لا أعتب على الشّاعر اليمني محمد حسين هيثم، عندما  “اقترح بحراً” في “صنعاء” خلال إقامته هناك، مع أنّه -من وجهة نظر الواقع اللا شعري والحقيقة المكانية الثّابتة – “لا بحر في صنعاء كما نعلم جميعاً”.

ولاغرو.. بأنّ اللّغة العربية – مقارنة بلغات العالم، ولاوجه للمقارنة أبدا- هي اللّغة الوحيدة التي تفردت باتّخاذ البحر شبهاً وشبيهاً لما فيها من معانٍ ونفائس كثيرة، ولما فيه من درٍّ وأصداف وجواهر لاتحصى، مما جعل الشّاعر العربي “حافظ إبراهيم” يقول على لسانها:

أنا البحر في أحشائه الدّر كامنٌ

فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي

كما أنّ الأدب العربي والغربي أيضاً احتفيا بالبحر شعرا ونثرا، ولعلّك قرأت مغامرات السّندباد البحري، أو مررت برواية “العجوز والبحر” للكاتب الأمريكي “هيمنجواي”، وغير ذلك من الأعمال المندرجة تحت لواء أدب البحر، وربّما شاهدت “التيتانيك” أو لمح طرفك “القارب” -فيلم للكاتب والسينارست والمخرج العراقي أسعد الهلالي – أو سلبت عقلك –لا أظنّ- راقصة الشاطئ، في الكثير من السيناريوهات التي اتّخذت البحر مكانا لأحداثها الدرامية، والمعروضة بعد الإنتاج  -عصريا وحصريا أحيانا-  عبر فلميات ومسلسلات الشّاشة التلفزيونية.

لذا يظلّ البحر منبع الحياة الأوّل وسيّد الموقف النهائي، وما بين ذلك كان -ويكون- مركب المسافرين وملاذ الخائفين والجائعين و نزهة العاشقين، وموطن الدّموع والجثث والكتب والرّحلات والمغامرات والكتابة والعلاقات -ذاتيا ومطلقا – وسائر الخفايا العجيبة، ومسرح التّمثيل الحديث أيضا، ومن دون بحر تنتفي الأرض ويتلاشى الشّعر وتنقرض الحياة، لكنّي أخشى عليك الغرق أو المرض- أعاذك الله من داء البحر- قبل أن تتمرأى في البحر، قبل أن تجيد السّباحة والغوص وراء التباريح المجهولة فيه، أو بالإمكان تتمرّن -أولاً- على تنفّس نسيم البحر وقت السّحر وعند الغروب وأتون تجليّات القصائد.

إنه عالمٌ آخر..يتطلّب منّي -في كلّ مرّة أطلق بصري فيه- ألف عام جديد لأمعن في قراءته جيِّدا.

 

عن وداد أبو شنب

شاهد أيضاً

إياس كيوان

رحلة -نثر الكاتب “إياس كيوان”

خذني إلى معنى الهوى يختمر العشق فيه .. تتخذ الروح فيه شكل الأزل عشقتك حتى …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: