الأحد , يوليو 3 2022
خالد جهاد
خالد جهاد

البيت / خالد جهاد

 

خالد جهاد
خالد جهاد

نشر في مجلة نقش الثقافية العدد الثالث

البيت هو الروح

خالد جهاد

 

لم أكن أنظر إلى الأبواب أو النوافذ أو الشرفات أو المقاعد على أنها جمادات، أو أنّها شيء مجرد من الشعور، كنت أشعر بأن لها عيناً ترى، وأذناً تسمع، وقلباً ينبض ويشعر ويتكلم لكن بطريقته، كان أهلي يشددون منذ الصغر على أن كل المنتجات في الماضي كانت أفضل وأنها لا تعوض وكان أهلي يحاولون إصلاح ما يتضرّر منها بفعل الاستعمال والوقت تمسكاً منهم بزمن أكثر من تمسكهم بجزءٍ من أدوات المنزل، وأنتقل  ذلك إلى مشاعري دون تخطيط ٍ مني، واكتشفت أنّني أنتمي إلى جيل يحاول حتى الرمق الأخير إصلاح ما يمكن إصلاحه في كل شيء، بدأً بالأثاث وصولاً إلى العلاقات والحب، رغبة ً منّا بحفظ المشاعر قدر الإمكان عكس ما يحدث الآن من زهدٍ فيها، وسهولة التخلي عنها مهما كانت عظيمة.

فقد أحتفظ بنسخةٍ مهترئة من كتاب، مع أنه يمكنني شراء الكتاب نفسه، بطباعة ٍ أكثر جودة، ووضعٍ أفضل، إيماناً مني بأن هذا الكتاب ينبض، وعاش معي لحظاتٍ وأياماً وأحاسيساً لا تتكرّر، وأخاف من فقدانه أو تلفه الكلي خوفاً من أن تتلاشى قطعةٌ جديدة مني معه، وكنت ولا زلت أحب المشي والتأمل في ساعات الليل المتأخرة أو ساعات الصباح الأولى رغبةً مني في الاستماع إلى صوت الشوارع بشكل ٍ نقي، فأشاركها ذكرياتي وأغنياتي ودموعي وكلماتي التي لا يسمعها سواها، فهي لن تشتكي من تكرار القصة بس ستسمعني بلهفةٍ وإصغاء، وكأنها المرة الأولى، ولن تملّ من تكرار الأغنيات التي أعيد تشغيلها أحياناً وأنا أمشي، فقد سمعتني ذات مرة زميلة في العمل وأنا أغني فقالت لي ألا زلت تغني الأغنية ذاتها منذ أكثر من عشر سنوات؟ وأجبتها بأن الأغنيات بالنسبة لي ليست مرتبطة بزمن أو موجة، فإما أنها تشبهني أو لا، ولذلك قد أغني كثيراً أغنية مفعمةً بالشجن مع أنّني لست حزيناً أو العكس مع أنني حزين لأنّها تشبهني ببساطة.

الحياة تستمر.. جملةٌ قصيرة معبرة محفزة، وأحياناً تكون مؤلمة لكنها الحقيقة. ويستوقفني كثيراً مشهد إشارات المرور التي تبدل أضوائها باستمرار مع خلو الشوارع والطرقات من السيارات والمارة عندما أكون في جولة ٍ ليلية، وأشعر فجأةً أمام هذا المشهد بالوحدة وفراغ العالم وأتذكر أحبائي الراحلين، وأحبائي البعيدين وأحبائي المستقيلين من الصدق واللاهثين خلف سراب الحياة، وأتساءل هل هناك ما يستحق أن نبتعد عن بعضنا لأجله، ونضعه في مرتبة ٍ أكبر من المحبة؟

ألاحظ النوافذ، إضاءتها الخافتة، وأحياناً الصاخبة، أو ظلامها الكلي وأفكر في الحكايات الساكنة خلف كل باب، والحوارات التي تبحث عن نافذة، والضحكات والدموع والغضب والحزن والحب والشوق والحنين والألم والإطفاء والانكسار والترقب والصمت والاستسلام والأمنيات الخجولة والأحلام العادية جداً والتي شاءت الأقدار أن تبدو شبه مستحيلة.

أراقب شقوق الجدران وتصدع البيوت وصدأ الأقفال والأسلاك المبعثرة والقطط النائمة، والحمام المختبئ خارج النوافذ، والشرفات الموؤودة والتي تحوّلت في كثير من البيوت من متنفسٍ على الشارع إلى مساحاتٍ للتخزين، تتزاحم فيها صناديق ٌ قديمة مع حضور خجول لنباتاتٍ وأزهارٍ تشعر باليأس فتحجم عن النمو وتختار أن تذبل بصمت. لتذكرني بأن القلب لا يمكنه طلب الحب ّ، وأنه غالباً ما يتوقف بهدوءٍ وقهرٍ لكن بشموخٍ وكبرياء..

وتذكّرني أيضاً أن الجمال والعاطفة يختنقان في حضور الجمود والرتابة، وأن الاهتمام هو التربة الوحيدة الصالحة لنمو أي كائن، لتخلق نبضاً في الحجر ولساناً للجدران التي يصفونها بالصماء، والتي قد تخبرنا بكلماتٍ حنونة لطالما تمنينا سماعها..

فيقول البعض من باب التحسر أو الحزن على فقيدٍ مات وهو ينتظر عزيزاً (لربما طال عمره لو سمع كلمة حب أو شعر بحب الغائب له) ونحن نعرف سلفاً أن العمر مقدر لنا.

وربما كانت نظرتنا إلى البيوت والأبواب والنوافذ والجدران والمقاعد انعكاساً لقلوبنا التي نخجل من البوح عما تخفيه، فالباب بقدر ما يوحي بالغموض قد يوحي بالأمان والحب، وقد يداعب أمنيةً دفينة في سماع صريره يُفتح بيد من ننتظر عودته كل ليلةٍ منذ سنين، والنافذة هي الرئة والمتنفس والأمل في الغد والشمس الساطعة التي تمحو ظلام الليل، والمقعد هو حبيب وضحكة وعناق ودفء وحب وحنان وألفة وذكرى.

البيت ليس مكاناً، ليس أثاثاً، ليس حجارة، البيت هو الروح والحلم والسكينة والحقيقة والقلب الذي يتعرى من أقنعته ليركض طفلاً لا يشغله خوفٌ ولا فقدان. البيت هو نحن. هو الذاكرة. هو الإنسان..

 

عن admin 1

شاهد أيضاً

صور 3 / جمال عقل

  صور 3   (1) اهرب من النهار الى الليل … كي اهرب من ظلي …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: