السبت , نوفمبر 27 2021
سليم المسجد
سليم المسجد - مدير التحرير

الحَمام.. والحِمام /آخر النقش / سليم المسجد

سليم المسجد
سليم المسجد – مدير التحرير

 

ماكدت أذكر عالم الحَمام، حتى عدتُ صبياً – في كلّ صباح – أطير مع الحَمام المستوطن في أرجاء بيتنا الرّيفي، وأقدِّم له الحَبَّ والماء، وأحميه من هجمات القطّ الأسود بعينين حذرتين، لم تفلحا بشيء أمام غريزته الشّرسة في الإطاحة بفريسته حين غفلة منّي.

ولاحيلة لي -بعد ذلك- إلاّ جمع بقايا الرّيش المتناثر في مسرح الجريمة ثم مواراته في التّراب، ونشيج حزني والبكاء يترامى إلى أسماع العائلة، ممّا دفع أمّي إلى تقديم عرض بمقدار عشرة ريالات لمن يأتيها برأس ذلك القطّ، أو ينفيه من الوجود.

وأعتقد أن هذه المبادرة المصحوبة بحنان الأمومة وفي وقتٍ كان للريال اليمني قيمة، لم تكن من أجل الحمام، بل حتّى لا ترى أمّي دمعة واحدة تجري على خدّ طفلها المدلّل.

هذا ما استوعبته بعد فترة طويلة من استيقاظي على بيوتٍ خاوية، إلاّ من حمامة لقت حتفها تحت سطوة ثعبان هاجمها ليلاً، وأجبر البقية على الرّحيل، ولكنّه لم ينجُ بفضل عصا والدي المباركة.

ولأمرٍ يخصّني.. كم يحزنني ذلك الموت والرّحيل أيضا، في ظلّ ظروف لم أستطيع أن أمنح ذرّة سلام لحمامةٍ واحدة، في حين أنّها لم تستطع حماية نفسها، حتّى على حساب شهرتها التّاريخية الواسعة في خدمة البشرية والأنبياء أيضاً، أقصد من سنة اثنتين وأربعين قبل الميلاد لما حاصر “انطونيوس” مدينة مورنيه فأرسل رئيس حكومتها إلى إحدى المدن رسالة منوطة بخيط في عنق حمامة فأجابته برسالة معلقة برجلها، وحتّى دورها الأمني والدفاعي والنّضالي الإلهامي في حماية سيِّد البشرية محمد بن عبدالله يوم الهجرة، بصرف النظر عن “مسْبحة الأمان” المعلّقة على عنقها، وهنا أنصحك ألاّ تجهد نفسك بالبحث عن هذة المسبحة الأسطورية في قواميس اللّغة والمعاني، لأنّ أصلها في سفر التّكوين، وفي الأسطورة الواردة على لسان جدّتي عندما سألتها عن سرّ ذلك الطّوق الجميل، والذي حصلت عليه الحمامة بدعاء نوح جزاءً لها على اكتشافها المكان التي توقّفت فيه سفينته.

لذا تبارى الفنانون في تصويرها وعلى فمها ورقة زيتون، كتعبيرٍ عن السّلام والاستقرار في الأرض، كما ترَدَّد اسمها -وهديلها أيضاً- في عالم الشّعر والأدب، وأصبح “طوق الحمامة” مثار العاشقين والعارفين، والأدباء والنّقّاد والفلاسفة وعلماء النّفس والتّحليل، خاصّة بعد أن اتّخذه ابن حزم عنواناً لأعظم كتاب في تاريخ الحبّ الأندلسي.

ولأنّ طبيعة النّفس البشرية مجبولة على حبّ الحياة، وتكره الحِمام -بكسر الحاء والذي نعني به قدر الموت- مهما تظاهرت بالإيمان والصّمود، تجد القاطنين في مرمى الحروب ومتناول الموت غير مستقرِّين أصلاً، وإنّما يبحثون عن الحياة في أيّ وطنٍ آمن كما يُخيَّل لهم، مع جواز مقارنتهم في هذه الحالة بالحَمام المهاجر نحو صوامع وقباب المساجد، في عهدٍ لا يحترم حرمة المقدّسات، ولا حتّى حرمة جوعي الذي قادني إلى “مطعم الحمراء” في صنعاء خلف “طاوة مطيط”- والمطيط وجبة شعبية يمنية-، غير أنّي أرجو بأن لا تسخر منّي كما سخر النّادل عند طلبي هذا، وهو يقرأ عليّ قائمة طويلة ممتلئة بأطعمة ومأكولات ومشروبات، لم أتناولها من قبل، ولم أسمع بها، وحتّى لم أفهم منها غير وجبة حمام، لأخرج من المطعم كما دخلت تماما، بل وأشدّ جوعاً وخوفا، أذرع الرصيف الممتدّ في الحمم -أقصد في الدخان-، علّي أجد مطعم الحمائم -أو الكرائم- للكادحين، أو حتّى حمامة تضع على رأسي بيضتين وأيضاً على رؤوس البسطاء والفلاحين مثلي.

بينما على الرّصيف الآخر جموع هيستيرية تسمّرت أعينهم على شاشة أطلّت منها فاتن حمامة، أو حمامة فاتنة – وكلاهما سواء- في سياق عرضٍ تمثيلي لم ينتهِ بعد.

 

عن admin 1

شاهد أيضاً

أسامة تاج السر

المرايا / أسامة تاج السر

لنا ما يُوحِّدُنا يا صديقي فبعضُ رؤايَ التي أرهقتني رؤاكْ وبعضُ الكلامِ الذي كُنتُ أحسبُني …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: