الأربعاء , سبتمبر 22 2021
أمين أسعد زيد الكيلاني

جدي علقمة الكنعاني وشقيقي حنطلة/ للشاعر أمين أسعد زيد الكيلاني

أمين أسعد زيد الكيلاني

جدي علقمة الكنعاني وشقيقي حنظلة
(من رسائل شن الى طبقة)

أمين أسعد زيد الكيلاني(شن)

عزيزتي طبقة : ما كان عليه أن يقف هناك ليستقبل الوافدين.لو أنه إنتظر قليلا لبزغ الفجر مع هبوب نسائم آلريحان المقطر .وزنبقة بيضاء تتلوى مع حلول كل أصيل.وامتزج اللون باللون،واختلطت المشاعر،وظل المكان شاغرا.إلا أنه وقف هناك،فهام مع قطرات الندى المعتقة.وعاد من هناك إلى هناك ليستقبل الوافدين.
عزيزتي طبقة : قد تضيق الأرض بإهلها وهي بما رحبت،وقد يمل المستجير نداء الإغاثة وهو المستغيث،وقد يفر الإنسان من جلده وهو الذي يسكنه بروحه.وقد يضيق صدري بقلبي حتى يبلغ منازل الحنجرة لدي،وروحي ببدني فتفر من إهابها،وكل ذلك حين يغيب نسيم الإستكانة بعد الأصيل.أما هو ما زال هناك ينتظر قدوم الوافدين.
عزيزتي طبقة : تنفرج شفتاي مع الميل الى اليسار قليلا بابتسامة ساخرة باكية.أتذكرين تلك الإبتسامة،؟
يشع من بين ثناياها وهج اللوعة ومخاض الحنين معا.
وترحل إبتسامة الفرح إلى الماضي الذي مضى ولم تعد إلا إذا خرج الودق من خلال سحاب الأمل.
لا أستغرب إن كان قد عاد إلى ساحة آلفرح هنيهة ، لكنه ما زال هناك ينتظر بشرى الوافدين ، كمثل فلاح ينتظر الوسم صيفا.
شاهدته كما رأيته منذ حين . لا ينمو ولا يقصر،كأنه تمثال رخامي لم يتغير شكله ، لم يتأثر من هبوب العواصف ولو طال عليه الأمد .ويبقى طعم الشهد لديه حنظلا أو علقما.
أتعبني وقوفه منتظرا.أرهقني صمته وأعجزني أمله أملا بنوال الأمل.فتنبت فسيلة من جذر روحي تظلله وتهون عليه وقوف الإنتظار.فأنتظر تحركه.أراه مليا ، لم يتفصد جبينه عرقا وهو يحاول أن يوقف الوقت في بؤبؤ الزمان ليحيا.
سألت جدي علقمة الكنعاني ذات يوم عنه،وكان جدي علقمة الكنعاني هذا نحالا، يعنى بتربية النحل المبارك الذي يتخذ من الشجر والجبال بيوتا ومما يعرشون.وقد شهدت مشهد الشهداء وهم يشهدون له – اعني- لجدي علقمة-بطيب الشهد الذي ينتجه نحله ونقائه،وكيف يستسيغون حلاوة ذلك العسل المصفى،وكيف يجيدون وصف جودة الضرب المنتقى.وتتداخل شجون أحاديثهم وفروعها،ويذكرون قدرتهم على التمييز بين الأنواع المختلفة والمنوعة.ثم ينطلق بهم سند الحديث إلى الكائنات الغريبة التي دخلت خلية نحل جدي علقمة الكنعاني وانتحلت عسل نحلها.
ومن عادة جدي علقمة الكنعاني المألوفة أنه كان يفرك جبهته العريضة التي اختلطت سمرتها ببياضها،فامتلكت نور الشمس حين شروقها ووجه الأديم وطهارته.قبل أن يجيب عن أي سؤال كان.ثم يشخص ببصره نحو السماء كأنه يستلهم الإجابة من الأفق.وسرعان ما يبتسم إبتسامة لؤلؤية عريضة تذكرني بابتسامتي المائلة إلى اليسار قليلا.تلك الإبتسامة الممزوجة بين السخرية والبكاء.فأيقنت بالتو أني قد ورثتها عنه دون عناء.إلا أن ابتسامة جدي علقمة الكنعاني لم تكن مزيجا من السخرية والبكاء ذات يوم. إنما كانت من نوع آخر يصعب على من هو مثلي تحديد معالمها تماما.
نعم.أجابني جدي علقمة الكنعاني عن سؤالي السابق الذكر قائلا : يا بني،إن حنظلة هذا هو شقيقك آلذي آنتزع من حضن أمكما بعد أن دخلت الكائنات آلغريبة خلية النحل خاصتنا التي وهبنا إياها آلله.ودمرت جل عمارها وغيرت مذاق شهدها وعكرت صفو عسلها.فأقسم حنظلة أن لا يذوق شيئا من الشهد إلا من شهد نحلنا،ولا يتأتى له ذلك إلا بعد جلاء الكائنات الغريبة من خلية النحل خاصتنا ، ويعود إليها نحلنا ويلتئم جرحه بعد شتات.
إستدرت كي أرى وجه شقيقي حنظلة آلذي لم أره منذ استيلاء الكائنات الغريبة على خلية النحل خاصتنا،فافترشنا الغربة والتحفنا الشتات.إلا أنه إنتهرني وهو يقول : لن أنكث عهدي،إذهب وآنتزع نور البصر من عتمة الليل،واغرس نخيلك في رحم الأرض،وبث ريحانك في مناخر المتقاطعين لعلهم يعودون إلى مائدة أبينا جرهم قبل نزولها من السماء.فتغرد الأشجار بعصافيرها،ويناجي ناجي الشجرة،فتضحك له فرحا.
ينظر إلي حنظلة من طرف خفي.واسترق النظر إليه كذلك.فيراني محيرا،وأراه جامدا بين نسمات أمنا الأرملة وبين هبات إخوتنا غير الأشقاء.فيستدرك حنظلة الأمر ويبادرني القول قائلا : أريدك لدى أمنا الأرملة وتدا راسخا كأوتاد أمنا الراسيات لديها،كالجرمق والطور والكرمل.لا أريدك وتدا قزما متنقلا يضاف إلى أوتاد خيام اللاجئين في المخيمات.وكلما ارتحل وتد من أوتاد الخيام أو رحل من بلد وحل في آخر من بلاد إخوتنا غير الأشقاء،ضرب على رأسه بحجة الترسيخ والثبات.فيطمس ولا يكاد يرى،إلا إذا تعثر به ضرير بعد عمى فيصيح ويوقظ من ألقى السمع وهو شهيد.
عزيزتي طبقة : زارني جدي علقمة الكنعاني يوما وهو يتكئ على جذع شجرة كانت قد آمنت ونجت من الطوفان في عهد جده نوح-عليه السلام-وأنبأني بأن شقيقي حنظلة قد أقسم برأس أمنا أن لا يبرح الأرض إلا وقد إسترد إليه شجرته وأعاد لها ظلها الذي كان قد استظل به ويستفيء بالفيء الذي يرجو.يستأنف جدي علقمة الكنعاني قوله وقد شخص بصره بوجهي،وازدادت نبرته حدة وقد خرجت عن المألوف آلذي نعهده فيه إلى نشاز غير مألوف،كمن يحيي بها الموتى-اعني بتلك النبرة-دون أن ينفخ إسرافيل في آلصور.بحروف مرتبة حين خروجها،ولصداها إيقاع موزون يأخذ آلنفوس شجنا.
ومن قلب روحي،أسمع جدي علقمة الكنعاني يناديني:
يا شن ،كن لشقيقك حنظلة وزيرا من أهله يشدد بك أزره.وكن له رداء وإزارا،لقد إلتمس شقيقك حنظلة وما زال يلتمس فيك الخير كله.فقد نفد الخير آلذي كان لدى إخوتك غير آلأشقاء أو كاد ينفد.فهذا هو الشقاء بعينه،ولذا لا تركن إليهم-أعني ،إلى إخوتك غير آلأشقاء- فهم في غفلة يعمهون.ولا تدع شقيقك يستجدي فتاتهم،فهم عليه به يبخلون.
ذكرت المثل السائر الذي كانت تردده أمنا حين تقول :”ما حك جلدك مثل ظفرك”…وأكثرت من ترديده على مسامعنا قبل الساعات الأخيرة من موت أبينا ،وخاصة في ساعة الغرغرة آلتي كان يعانيها والدنا كمدا على خلية النحل خاصتنا،قبل خروج الروح.
يستأنف جدي علقمة الكنعاني وصيته آلتي تشبه آلخطب في سوق عكاظ،: يا شن،إعتبروا من الذين سبقوكم،كيف تبدلت بهم آلأرض بغير الأرض،وجفت عيونهم وجوههم،ولكم في إخوة يوسف -عليه وعلى جميع الأنبياء السلام-غير الأشقاء عبرة.
طأطأ جدي علقمة آلكنعاني رأسه، ولم أر جدي علقمة آلكنعاني قد طأطأ رأسه يوما،منذ أن أدركته طفلا ووعيته مثل الآن.وقال : يا شن أنت مني،وإلي مآبك،يا شن،ليس رجلا من يهجر أمه،وليس حبيبا من يتخلى عن حبيبته من أجل نجاة من هلاك.وآعلم يا شن،أن هجران الأم أشد حسرة من الموت،وفراق الحبيبة أشد لوعة من الفناء.
يا بني،:يقول جدي علقمة الكنعاني،لقد ذهبت نفسي خلف أبنائي المهجرين حسرات.فكم وكم بخعت نفسي على اثارهم أسفا.
طبقة : لقد أخذني جدي علقمة الكنعاني بحديثه كل مأخذ،وكمن جرعني كأسا حنظلا مرا علقما.فتردت نفسي ما بين النوم واليقظة،ومن بين هذه الحالة وتلك،رأيت في خيالي كأن رأسي قد بتر،ونبت جسمي أكثر وأورق،وشمس آلمغيب قد تزينت،ويكأنها أشرقت من جديد قبل غروبها.ثم تحرك شقيقي حنظلة واستدار نحونا وغمرنا بابتسامته العريضة.، بيمناه فنن من فروع شجرته،يطرد به الكائنات الغريبة التي دخلت خلية نحل جدي علقمة الكنعاني،فيحلو عسلها ويصفو شهدها ويلذ للآكلين. ويشهد على ذلك كل شاهد وشهيد.فتسرع المفاتيح إلى أقفالها بعد غياب،وتشرع لأصحابها الأبواب.وأستقبل مع شقيقي خنظلة جموع الوافدين.وينهض جدي علقمة من قبره وقد عادت اليه إبتسامته آلعريضة.

من حفيد علقمة الكنعاني وشقيق حنظلة الشجراوي.

امين اسعد زيد الكيلاني(شن)
عاره – قضاء حيفا – فلسطين

عن وداد أبو شنب

شاهد أيضاً

عامر الطيب

رجل المقامرة / عامر الطيب

حان الوقتُ لأن نهدي الرجل وردةً و إن تمت حياكتها من الصُّوف ، تلوينها من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *