الأربعاء , سبتمبر 22 2021
صفاء الهمداني

دبدوب أحمر / صفاء الهمداني

صفاء الهمداني

صوت أنين، يتعالى رويدا، ينخفض رويدا، تنكمش رئتاها، تبحث عن فيش اللمبة دون جدوى، تروادها أسئلة وهي على حافة الاختناق :

  • الهواء ..أين الهواء ؟ من هذا الذي أنفه يلامس أنفي؟

هل اختفى كل هواء العالم ليشفط هذا المجهول الهواء من رئتي؟ آه يا إلهي ! صدري يضيق، حنجرتي مخنوقة، أضلاعي متصلبة !

أحسّت بأن أحدهم يضغط عليها بقوة، يمنع عنها منافذ الهواء :

هل ينوي قتلي ؟ لما ؟ لم أقتل حتى نملة في حياتي ؟

قاومت تلك الضمة العنيفة، حاولت الهروب من براثن ذلك العدو المجهول، بحثت مرة أخرى عن أي فيش للضوء ..لا جدوى!

ضربات قلبها المتسارعة كانت كفيلة بقذف ذلك العدو إلى أبعد مدى، صوت ارتطام، حسبته زجاج النافدة، حاولت النهوض لم تستطع،

ما ذاك الصوت يا ترى؟ لعلها هدية صديقتي لي في يوم زفافي ! نسيت أن أضعها في مكان بعيد.

تخذلها رجلاها، شيء ما يقيدها، يمسك بتلابيب روحها، تحاول أن تمسك بأي شيء تلمسه يديها، ولكن لا جدوى، يأتيها صوت من بعيد :

  • هيا استعدّي.. سنغادر الآن، موعدك النهائي، إما أن تثبتي جدارتك وإلا فليرحمك الله!

يرحمني الله ..يا إلهي!

  • من أنتِ ؟.إلى أين ستقودينني ؟ أنت تشبهين أمي كثيرا !

أمي ..أين أنت يا أمي؟ احتاجك كثيرا، لا تتركيني أجابه هذا الموقف لوحدي، أنا أحبك يا أمي، أعلم بأني لست تلك الابنة المثالية، وكنت أرفع صوتي عليك أحيانا، لكني أحبك، نعم أحبك يا أمي ..أمي ..لا تتركيني أنقذيني يا أمي.

حنجرتها تضيق رويدا رويدا …صوتها يتلاشى، حبالها الصوتية تداخلت في بعضها، تغمغم جاهدة برجع صدى صوتها الذي شعرت وكأنه يتعاطف معها ويندفع بقوة خارج حلقها لعل تلك الغريبة تشفق عليها:

  • ماهذا أين أنا الآن؟ هل هذا قبري ؟ هل فارقت الحياة فعلا ؟ هكذا بدون أن أدرس الجامعة، ويكون لدي أبناء يحسنون إليّ دون أن أودع أهلي وصديقاتي!

في لمح البصر، وبدون أي تجاوب مع تمتماتها غير الواضحة.

أخذتها سالفة الذكر إلى مكان بعيد، بدا ذلك المكان مأهولا بالنسبة لها، لكن بمساحة أصغر وأدوات كبيرة جدا، ملاءات بيضاء في كل مكان، بلاط أبيض، كراسي بيضاء، شجرة غريبة الشكل، بدت وكأنها حية ذات ألوان متداخلة وملتوية على عنق تلك الغرفة الضيقة حد الاختناق كما صوتها !

تسالت:

  • هل أنا في الجنة؟ لكن في القرآن الكريم وصف الجنة غير ما أراه !

هل هذه تجهيزات ما قبل دخول النار، لكن لا يوجد حتى صورة لجهنم لو افترضنا أنني فيها، هل يعقل أني من سكان النار، لا أظنك يارب ستقذفني فيها، ليس لدي مخزون كبير من الصالحات، لكنك يارب تعلم ضعف حالي وقلة حيلتي، أحبك يارب ..أكثر من حبي لأمي وصديقاتي !

رأت شيئا ما يشبه الإبرة، لكنها كبيرة جدا، بنفس لون الهدية التي جلبتها لها صديقتها يوم زفافها، اقتربت منها، سرها وجود سائل داخلها، حسبته ماء:

  • يا إلهي إنه ماء..أنا عطشانة جدا، سأشرب منها .. نعم سأروي ظمئي، فلا أدري أي مصير ينتظرني .

قربت الإبرة من فيها وبدأت بالشرب، لكن شيئا لم يصل إلى حلقها!

  • آه .. أين الماء، لماذا لا ينزل كما كان ينزل سابقا؟ ما هذا ؟ دم ! يارب نجني، تحوّل الماء إلى دم في فمي، إذن أنا في النار، لكن لماذا يا رب ؟

انقشع باب الغرفة وكأنما فيضان اقتلعه من مكانه، رجل طويل جدا، يلبس قناعا يغطي كامل وجهه ورقبته عدا عينيه التين بدتا محمرتان كعيون الشياطين !

  • اجلسي ..
  • أين ؟
  • هنا .
  • لماذا ؟ ماذا فعلت بك ؟ لماذا أحضروني إلى هنا ؟ ومن أنت؟
  • كثيرة أسئلة وأنا أكره ذلك، ليس لديك وقت كبير لتقضيه في مثل هذه الأسئلة الغبية !

استفزها كلام هذا العملاق، سيطرت على أعصابها، فكرت بالفرار، لكن رجليها خانتاها، وخانتها كل جوارحها !

  • أمي أين أنت يا أمي ؟

رأت ظل والدتها يمر أمامها، حاولت الإمساك به، لكنه سرعان ما تلاشى !

توسلت إلى ذلك الطويل :

  • أنا عطشانة ..أرجوك ..اسقني .
  • لا يوجد لدينا ماء للشرب، فاتك الوقت!

تتقدم امرأتان نحوها، تقودانها من كتفيها إلى سرير ضيق، تسلطان الأضواء باتجاهها بشكل مكثف، تغمض عينيها لوهلة، شيء كبير يخترق فمها، صرخة مدوية انفلتت من حنجرتها المختنقة:

  • دعوني .. دعوني ماذا فعلت بكم، أنا أكره الإبر، أكره الإبر…أمي …أمي …أمي !!
  • بسم الله عليك يا بنتي..ماذا بك …لماذا تصرخين هكذا ؟
  • أمي أنت هنا ..أمي أين كنت ؟
  • كنت في غرفتي، نائمة بطبيعة الحال!
  • ما هذه الفوضى التي تعم غرفتك يا ابنتي؟ هل قررت التخلص من ذلك الدبدوب الأحمر الكبير، لكن لماذا رميته باتجاه المرآة؟ جميل أن تقتنعي بأن مثل هذه الدمى فأل سيء، وليس من الجيد وضعها داخل الغرف، لكن تخلصك منه بهذه الطريقة أمر غريب !

بقت هند مشدوهة بكل الفوضى الحاصلة في غرفتها، وأردفت والدتها قبل خروجها:

  • لا بأس عليك يا ابنتي، لعله أحد تلك الكوابيس التي زارتك مسبقا! نصحتك بالاكثار من ذكر الله والاستغفار قبل النوم، وأن تجعلي الدبدوب هذا بعيدا عنك، لكن ربنا يهديك ! حصل خير يا حبيبتي ..انهضي لتأدية صلاة الفجر، ولا تنسي موعدنا مع طبيب الأسنان، اليوم الجلسة الأخيرة، وأرجو أن تكوني عاقلة عندما يحقن الطبيب إبرة التخدير، عمرك خمسة وعشرون عاما وما زلت كطفلة تبكي عندما تحقنين بإبرة!

نظرت هند بخوف إلى والدتها، وتذكرت تلك الإبرة الكبيرة وقامت تتوضأ.

صفاء محمد الهمداني

صنعاء.. اليمن

يونيو 2020

عن وداد أبو شنب

شاهد أيضاً

ناصر أبوحاكمة

يوم الرّحيل / للشاعر ناصر أبو حاكمة

                عزفَ الفؤادُ بنايِهِ الخلاقِ أنشودةَ النسيانِ والإملاقِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *