الثلاثاء , مايو 24 2022
أحمد الصمادي
أحمد الصمادي

دفاتر الغائبين-قصة / الراوي أحمد الصمادي

 

أحمد الصمادي
أحمد الصمادي

انتصف النهار واستلقت الشمس في كبد السماء تمد لهيبها الحارق على الطرقات وسقوف الصفيح لتلهب الذين يتمددون نصف عراة أمام نوافذ مشرعة على الغربي بحثا عن نسيمات تأتي بفرج لطيف ولو للحظات، كان الوالد يومها يمسك بقطعة من الخشب كان قد قطعها من شجرة سنديان عتيقة يضربها برفق بقدوم حاد ويشذب اطرافها وينظر اليها كل حين من خلال نظاراته التي يستخدمها لتحسين الرؤيا، ليستخدمها كعصا لفأس كسرت عصاه فجأة أحس بضيق شديد دفعه للوقوف على قدميه ورمي كل ما يحمله بعيدا عنه وبدأ بالصراخ، نهضت الأم مسرعة تتلقفه من بين يدي نوبة الغضب التي سقطت عليه كأنما به مس من الشيطان، هرب الصبية والفتيات إلى زاوية بعيدة من الممر الممتد بين شرق البيت وغربه فيقسمه إلى نصفين ، خوفا من مشهد الوالد الذي يحدث للمرة الأولى، وقف الولد الأكبر في منطقة آمنة، بعيدة بما يكفي لتسمح له بالهرب، وقريبة تسمح له بمشاهدة آخر التطورات للوالد العصبي الذي ثار هكذا دون سابق إنذار، بعد دقائق مرت طويلة جدا انهار الوالد مغمى عليه، فهرع الجميع يلتفون حوله وسط بكاء الفتيات، وصراخ الفتية الذكور، والام من فوق صدره تهزه وتصيح باسمه لينهض، الاانه آثر الولوج إلى منطقة مظلمة من العالم، غاب عن وعيه هناك ليلتين كاملتين لا يخرج منه الا انفاسه المتعبة كلهاث العطاش في قفراء رامضة.

لا أحد يعلم ماذا اصاب قاسم الصلب الذي لا ينفك سعيا بين اكثر من عمل، دائب على كل ما يقع تحت يديه من أعمال هنا وهناك، ليجلب رزق عياله الذين يزداد عددهم عاما بعد عام، لكن هذا الجبل العظيم اندك فجأة فخر رملا وغبارا.

بعد ليلتين كاملتين من الغياب كان قد انتقل خلالهما إلى المشفى فتح عينيه للمرة الأولى، ليرى وجه زوجته تغفو على مقعد خشبي بجانب السرير نظر بغرابة إلى جسده الممتد، والى الأسلاك والأنابيب المندسة في جسده عنوة، أجفلت الزوجة على حركة الوالد ووقفت كأنها كانت تنتظر أن تلتقفه من السماء:

 

_ هل رجعت يا عزيزي؟

_ ماذا حصل

_ لاشيء أبدا وقعت بعد أن ثار غضبك واحضرناك إلى المشفى

_ مشفى؟

_ نعم أنت هنا منذ ليلتين.

_ ماذا تقولين؟ أنا لا أذكر شيئا!

_ لا بأس، لا تجهد نفسك ارتح الآن حتى تسترد عافيتك سريعا نحن لا نستطيع العيش دون وجودك.

كان كلّ شيء يبدو ساذجا ولا مسوغ لحدوثه، إلا أنه حدث بالفعل، لكن اللافت في الأمر أن الوالد في لحظة الغضب كان يصرخ في وجه أحدهم ويطلب منه ان يستعيد أمه التي فقدها طفلا، وبعد أيام حين سمح الطبيب للوالد بالخروج من المشفى، عادت بطفل لا يرى سوى شبح أمه في الممر الممتد الطويل الذي يقسم البيت الى نصفين.

عن admin 1

شاهد أيضاً

شفيق العطاونة

إلى العمال في عيدهم / شفيق العطاونة

(إلى العمال في عيدهم) شفيق العطاونة   إلى العمال أسمى الأمنياتِ وبوحُ الشّوق في دوحِ …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: