الجمعة , يوليو 23 2021

صدى الذاكرة/ للقاصّة كفاية عوجان

 

كصخرة رومانية عتيقة، تقف على شرفة المنزل تراقب أحفادها وهم يلعبون في باحة الدار. تتبعهم نظراتُها بعين سارحة تغيب فيها ملامح ما ترى، فقد اختلط عليها المشهد؛ هل هم مَن يلعبون أم آباؤهم وأمهاتهم.

تعود بها الذاكرة إلى عشرات السنين حين كان أولادها يتراكضون ويلعبون. كانت في مقتبَل الثلاثين من عمرها حين بدأت مشوارها الشقي وحيدة تحمل عبء ستة أطفال بعد وفاة زوجها إثر إصابته المفاجئة بالسرطان. لم يُمهله جبروت المرض وشراسته سوى بضعة شهور. صفعها وقت حالك سرق فيه الموت فرحة عمرها وسندها الذي غادر الحياة وتركها تتخبط في دوّامتها وحيدة تزلزلها صدمة الفَقْد، وعاصفة هوجاء اقتلعتها من أكفِّ الأمان وقلبت حياتها رأساً على عقب، فقد عشّش الحزن على أغصان الفرح، ومراجيح الدلال قطع الشقاء حبالها، وأكفّ العطاء العليا لم تعد تسرُّ الناظرين.

ما أصعب أن يكبر الإنسان من الألم!

تلك الشابة التي نذرت حياتها لصغارها تعلمت الكثير لتتعايش مع حياة لم تكن تعرف الكثير من خباياها. بصبرها ومحبتها العظيمة لصغارها تغلبت على كل صعب، واستعادت ذاكرتها أياماً قاسية وهمست لنفسها: كيف مرت كل هذه السنين؟

كثيراً ما وقفت مذهولة عاجزة أمام الواقع المرير، يطحنها اليأس وتلوك مرارة الحزن ….ويصفعها التعب المُنهِك حتى يبكيها. كلَّما نظرت إلى صغارها تُطلق نفساً ناشجاً وتتشبث بحبال الرجاء.

تلك الرقيقة الضعيفة المدلّلة بقوة وبعناد الصخر اجتازت متاهات الحياة وهي تتبع نبض قلوبهم، فلأجلهم عبرت بحر حياة متلاطم الأمواج بحِمْل ثقيل ووجع أكبر. كانت تظن أن السنين ستخفِّف آلام الفقد.

لا أحد غيرها يدري كيف مرت كلُّ تلك السنين، لكنها ظلّت فخورة بنفسها وبصبرها وبصغار كبروا وأعادوا لها وجوههم الصغيرة في ملامح أبنائهم التي شفت قلبها الجريح.

فقط هو الصمت الآن وسكون الهواء البارد المنعش يسكن قلب الوجود.

غامت عيناها وحضنت نفسها، وأرخت العنان لرحلتها وحيدة.

عن وداد أبو شنب

شاهد أيضاً

إياس كيوان

رحلة -نثر الكاتب “إياس كيوان”

خذني إلى معنى الهوى يختمر العشق فيه .. تتخذ الروح فيه شكل الأزل عشقتك حتى …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: