الأحد , سبتمبر 26 2021
أحمد بن عفيف النجار
أحمد بن عفيف النجار

مرافئ نزهة في الماء التهامي أحمد بن عفيف النجار

حديثهن ما يشبه “وادي سردود” زلال وسيّالٌ عذب، فيه نقاء الماء وشفافيته، الصفاء في “أم” التهامية التي ينطقنها كأداة تعريف بدء كل كلمة. فيقُلن: “أمحب، وامجنون” هكذا تُجَنّ وأنت تحاول أن تقبض على كلماتهن، وأنى لك أن تقبض على الماء؟ ستشربه كلمةً كلمة بينما تظل ظامئًا. فإياك أن تسرف بالحديث مع فتاة تهامية، ولو كنتَ على نهرٍ جار.
التهاميات هنَّ الماء وحاملات الماء، تُسمى عملية جلب الماء في تهامة اليمن “الزحيم” وأظنه من ازدحام الناس، وهنا أتذكر المتنبي “أنا صخرة الوادي إذا ما زُحِمت” أي؛ لا تُزاخم فتاة الوادي ولو كنت سيلًا جارفًا، ستكابر لن تسمح لك بالعبور. هي بنت القرية.. والزحيم يعلّمها هذا، تظل قوية أمام تيارات التعب والأعمال الشآقة. لا تزاحمها ولكن سِل عليها أيها الوادي، عذبًا وزلالًا، خريرًا مُر بجانبها وستغني لك.
ومن أناقة الريف التهامي أو التهاميات أنهنَّ يضعن اهتمامًا للماء وأقسامًا عديدة، فليس كلُّه سواء وإن كان من موردٍ واحد. قد تذهب الفتاة التهامية لجلب الماء من الوادي؛ ولكن عند عودتها للبيت تقسّمه في أواني صغيرة وتضع كل قسم في مكانه المناسب وبالقدر الذي تحتاج. فهذا القسم للطبيخ والأعمال المنزلية، وهذا للمواشي، وهناك ماء يوضع بعناية فائقة للشُّرب. وما يثير دهشتك أكثر أنه حتى ماء الشرب لديه أقسامه الأخرى، فمثلاً يوجد “الزِّير” وهي آنية تصنع من الفخَّار وتغلف بالخرق كي تظل باردة، تسعُ 3 رتل وأكثر، وهذا هو الصنف الأول من ماء الشرب ويكون لجميع أفراد العائلة صغارا وكبارا وللغرباء أيضا. أما الصنف الثاني فهذا خاصٌّ جدًا يشبه الحب، وتمامًا كالعقاقير التي توضع بعيداً عن متناول الأطفال، يُعد بطريقة جذابة ومغرية فيضاف إليه الزر والهيل وأحيانًا القليل من زهر “الفُل” ولا يُشرب إلا على انفراد كالعلاقات الحميمية.
بما أننا نتحدث عن القرويات وعملية جلب الماء فقط، فلا شك أن هنالك رابط وثيق بين غواية القرويات والماء، فمنذُ جدنا “امرئ القيس” وهو يعقر ناقته لبنات الغدير إلى الآن، ونحنُ نموت عطشًا عند كل مصبِّ وعلى ضفاف الأنهار. يعود ذلك إلى أسباب عديدة أهمها : أن جمال القروية بسيطٌ جدا وطبيعي كالماء ليس كمثلهِ شيء ولا يضاف إليه شيء، واضحًا ونقيًا يسيل، وجامحًا ينبع كالعيون. أما السبب الثاني -من حيث ارتباطه بضفاف الأنهار: فهذا السبب اجتماعي بحت، فطبيعة المجتمع القروي أنه محافظ ولا يسمح للفتاة بالخروج إلا لجلب الماء، وهنا ستسنح فرصة ما لعصفور أن يغرد مسبًحا لله ولهذا الجمال.
والسبب الثالث والأخير : يأتي بسبب طبيعة المكان، حيث أن “تهامة” أرضٌ منخفضةٌ بين البحر والجبل -حسب المعجم العربي، خصبة زراعية تعتمد على الماء في زراعة كل محاصيلها، ويمتاز مناخُها برطوبة الجو شديد الحرارة صيفًا. فهكذا فإنك لن تستطيع العيش فيها دون الماء، أنت بحاجة ضرورية لأن تُسقى أكثر بكثير من سُكّان الهضبة، ستصاب بأمراض القلب وتصلب الشرايين وتموت سريعا. ورغم كل هذا فإنه يكفي هنا أن تهطل عليك فتاة تهامية كي تقاوم ضراوة الصيف وتنسى العطش، ويكفي أن تحدثك بلهجتها التي تشبه الماء وتبتسم.
ابتسامة من تهامة، من فتاة تهامية لن تظمأ بعدها أبدًا.

عن admin

شاهد أيضاً

ناصر أبوحاكمة

يوم الرّحيل / للشاعر ناصر أبو حاكمة

                عزفَ الفؤادُ بنايِهِ الخلاقِ أنشودةَ النسيانِ والإملاقِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *