الخميس , أكتوبر 6 2022
مصطفى أبو هنود
مصطفى أبو هنود

نقش الغريب/ مصطفى أبو هنود

نقش الغريب 

مصطفى أبو هنود 

مصطفى أبو هنود
مصطفى أبو هنود

 

بي رغبةٌ أن أطوف المدينة مخموراً هذه الليله، تمتم بكلماته هذه ومضى.

لم يستطع أن يفسر خفقان قلبه المتزايد مُنذٰ الصباح، قلق عينيه، كأنه يبحث عن شخص ما وسط الزحام، أو ربما خوفا من مفاجأة ما.

استيقظ باكراً، شرب قهوته التي يستمتع بتحضيرها كل صباح. اليوم تحديدا تعامل مع البن المطحون بحميميه مغايرة، تحدث إلى النار وراقب غليان الماء بصمت، وسكب البن بهدوء شديد، وراقبه أيضا بصمت، وأمعن بتركه للبن يتقلب ويتلوى على نار هادئه، لم يستمع لفيروز، بل صار يغني هو. ارتدى ملابسه و كان حريصاً على أناقته، رُغم أنه ذاهبٌ إلى مدرسة اللغة.

استمر في الغناءِ أثناء سيره وأثناء ركوبه القطار، لم يتوقف عن الغناء ولا عن النظر في وجوه من صادفهم، كأنه يودعهم أو كأنه يتعرف عليهم، هكذا أحس.

عند باب المدرسه توقف عن الغناء، تسمر في مكانه، حدق طويلا في لوحة المفاتيح الرقمية.

تاهت الأرقام، صارت تواريخَ، أياماً، سنينا من ليل وخمر وغناء وبكاء.

لملم كل شيء واستدار، انطلق كسهمٍ نحو الطريق، قرر أن يمشي كثيرا، أراد أن يتعب كما لم يتعب من قبل ، أراد أن يسيل عرقه من كثرة التعب، أراد أن يبكي بين يدي مدينته الأثيرة.

ما هذا النهار، أيُّ صباح هذا؟

ردد كثيرا هذا السؤال، عندما استبد به العطش قرر أن يجابهه بالنبيذ، لم يتردد، اختار نوعا جيداً، هذا نهارٌ يستحق نبيذاً فاخراً، هكذا اخبر الفتاة السمراء التي تقف وراء صندوق المحاسبة، ضحكت وقالت: استمتع و كن نبياً تمرد على وصاياه.

صارت شوارع المدينة لينة تحت قدميه، ومضى دون التفات لصوت كل الذين شاهدوه وقالوا له أنت لست أنت.

ثمل وتقيأ وغسل روحه بماء السماء، ثم عاد وانتقى نبيذاً فاخراً يليق بهذا النهار. الذي شارف على نهايته .

في زاوية من زوايا المدينة، تكوَّر على نفسه، حضنها وهدهد قلبه الذي لم يهدأ خفقانه، و غفا و هو يغني.

لما استيقظ كانت المدينة قد أشعلت أضواء شهوتها، و كان هو قد أيقن أنه يريد أن يطوف المدينة ثملا من نبيذٍ فاخرٍ يليق بهذه الليلة.

لملم رغبته و مضى نحو الحانة المطلة على عبث الليل. أمام المشرب الخشبي وقف طويلا يحدق في عيني الفتاة التي ظلت تكرر سؤالها، هل تريد شرابك المعتاد أم لديك رغبة أخرى؟ أريد نبيذاً فاخراً يليق بعينيها يا سيدتي.

يليق بضحكتها المجنونه، يليق برقصها، يليق بأطراف أصابعها، يليق بشفتيها، يليق بخوفها وخوفي منها، يليق بخيانتها وخيانتي، نبيذاً يليق بموتنا.

ثم غاب وسط زواريب المدينة، يبحث عن نبيذٍ فاخرٍ يليق بهذه الليلة التي صدف أن كان القمر فيها مكتملاً. و كانت غائبة وكان هو ممددا على حافة النهر يغني بصمت.
أريدُ موتاً رحيماً أستعيدُ فيه شغفي.

عن admin 1

شاهد أيضاً

عِمَادُ الدِّينِ التُّونِسِيُّ

أهم/عِمَادُ الدِّينِ التُّونِسِيُّ

  أهم عِمَادُ الدِّينِ التُّونِسِيُّ     “سِيلْيُومُ”بُحَّةُ صَوْتٍ ، صِغْتُهَا بِدَمِي مِنْ غُصَّةٍ كُتِبَتْ …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: