السبت , يناير 29 2022
دالية زرعيني
دالية زرعيني

طش الرصاصة / دالية زرعيني

"<yoastmark

طشّ الرصاصة
دالية زرعيني

تتبارى الشعوب العربية في الوقاية من العين الحاسدة تارة عبر طقوس دينية واخرى شعبية كل حسب إرثه الثقافي وعاداته وتقاليده. وتتباين عادات التعامل مع الحسد من بيئة لأخري.
فمن لمس الخشب الى التمائم والحُجُب والتعاويذ والخرزة الزرقاء والكفّ وتبخير البيوت ورش الملح وتعليق حذوة الحصان أو الثوم أو الأحذية وكسر البيض وغيرها من الاعتقادات المحرمة دينيا .

ويسود في المجتمعات التقليدية الاعتقاد بأن “العين” هي أداة الحسد، وأنه ليس من الضروري أن يعبرالانسان عن حسده بالكلمات أو الإشارات، وإنما يكفي أن ينظر بعينه فيصيب بها الشيء المحسود بالسوء والضرر، ولذلك شاعت في مجتمعاتنا العبارات : “يخزي العين “، ” صيبة عين”. “عين الحسود فيها عود” ، “العين بتوخذ حقها من الحجر”، “لو كان شيء سابق القدر لكان العين”، .

ويسود الاعتقاد الشعبي أن من “يصيب بالعين ” هم أصحاب “العيون الزرق” و”الأسنان الفُرق” أي البعيدة عن بعضها قليلاً ، ويرجع الاخصائيون الاجتماعيون ذلك الى ارتباط العيون الزرقاء بالغرباء عن أهل البلد.

ويُعتقد أن الإصابة بالعين بواسطة “الرقية” ، وهي نوع من الصلاة التي تبدأ بذكر الله سبع مرات، يتخللها تثاؤب الشخص ، فإذا كان التثاؤب صعباً قام الدليل على “الإصابة بالعين” وينبغي ان يزول أثر العين بعد المرة السابعة فإذا كان التثاؤب لا يزال صعباً يُلجأ الى “صب الرصاص” لتفتيت العين”.

لصبّ الرصاصة تقنية خاصة ، حيث يُذوّب الرصاص على النار بواسطة ملعقة ، يُسكب بعدها في وعاء من الألومينيوم يحتوي على الماء موضوع فوق رأس المصاب، فيتشكّل على الفور شكل معين ، يسارع البعض لتشبيهه بصاحب العين، وبهذا يعتقدون أن العين قد خرجت من الشخص وزال عنه الشر وشفي تماما.

تنوع استخدام الرصاص في بلادي، فتارة نستخدمه لإبطال العين والسحر والحسد، وتارة نستخدمه لصناعة اقلام الرصاص لنكتب به ، وتارة نستخدمه سلاحا نوجهه الى صدور نابضة بالحياة ليمزقها ويكتم انفاسها واصواتها..

رصاصٌ حيّ يقتل الأحياء ويسلبهم الحياة، فليس هناك رصاص ميت، ولكن هناك ضمائر ميتة وقلوب لا تعرف الحب والرحمة تقتل الأبرياء بدم بارد في كل مكان.

رصاص مطاطي أو انشطاري، رصاص في الاعراس والاحتفالات او رصاص في الحروب ، رصاصة موجّهه أو طائشة.. كله يعزف لحن الموت والرعب والشقاء، حين يتوقف مشهد الحياة بقرار من رصاصة.

متى تشفى مجتمعاتنا من الجهل والتخلف والجريمة ؟
ومتى يتوقف شلال الدم بفعل الرصاص الذي يذهب ضحيته خيرة شبابنا ؟؟

هل “أصابتنا عين” حاسد غريب عيونه زُرق وأسنانه فُرق، ونحتاج الى “طشّ رصاصة” لنشفى من آفاتنا؟؟

عن admin 1

شاهد أيضاً

دالية زرعيني

وليس يأكل إلا الميتَ الضبعُ /دالية زرعيني

وليس يأكلُ إلا الميتَ الضَّبعُ   كنا صغارا نستمع الى حكايا كثيرة عن “الضباع” “والمضبوعين”، …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: