السبت , يناير 29 2022
محمد خالد النبالي

مهرة العبر من خير الأثر/مهرية بن زرارة – محمد خالد النبالي

محمد خالد النبالي

سلام يليق بالأدب ومحبيه، سلام لمن يكتب وجع الأمة والشعوب، سلام لمن لا يهادن قوى الاستبداد، سلام لمن يوَثِّق للتاريخ أوجاع أمتنا العربية، سلام لكل أديب يحمل قضية إنسانية، سلام لمن يكتب ويلامس الإنسانية فينا، بين يديّ ثلاثُ موسوعات أدبية حصلتُ عليها، ويسعدني القراءة للأدب الجاد والسرد الإبداعي، وهي الأعمال الكاملة لابنة الجزائر مهرية بن زرارة في موسوعتها (مهرة العبر من خير الأثر قال جدي):
((من يقيني أن من لم يكن إنسانا مسكونا بحب الآخرين، ومن لم يكن إنسانا بكل جوارحه، لا يسعه البتة أن يكون مبدعا، كون المبدع الكُفْءِ هو من يمتلك ذائقة عميقة، شديدة الحساسية، هو المسكون بالإنسانية المفعمة بالالتزام، وُكِّل له حب الآخرين، رسالته في الحياة أن يصون الإنسان للتغلب على الرثاثة والغثاثة، وكل ما يعرقل البشر في هذا العالم الخاوي البذيء الذي أصبحت فيه المسافة بين الحق والباطل آخذة في التقلص باطراد.
مواضيع الموسوعة قضايا يومية وهامشية، الجليّة الظاهرة والمستترة. تغوص بنا في المجتمع بكل شرائحه وتناقضاته منطلقة من الواقع، متكئة على التاريخ وعلى كهوف الذكريات الجميلة التي سوف تخلّد لتصنع مستقبلا مضمخا بدم القلوب والعقول، وماء روح الآباء والأجداد.
وبين نار الحقيقة ونار المجاز، وفي غمار دفء السرد واللغة الشاعرية المبطنة بسحر البيان، يتواصل العزف ويتصاعد المخاض، فيولد إنجاز تلقائيا ناج من الافتعال، نصوص فاتحتها نار المهمشين، ونهايتها لظى الواقع المعيش، المحاصر بحصوننا المهددة من الداخل، لا لتحيا، بل لتعيش فقط.
نعم يولد القصيد، ولكنه كغصة مخنوقة في ترنيمة ناي زمننا الجائر، زمن “طاش فيه العيار” وركب الحمار على ظهر الحصان، حيث تلاشت فضيلة الشرف، واعتلا المنابرَ الزور والعار، فأصبح العلو والدُّنو سيان!!
وعلى “رصيف الدّم والدموع” مفاجآت، قد تتحرر الطيور فيها، قد تشتّد وتعتصر قلوبها بنار سعير الظّلام، تتلطخ أقفاصها وتتلون بقان الدماء، وتستمر صخرة المعراج معلقة في الهواء، والقدس يتحدى الأعداء وهو فاخر فخور، ولبئس المصير.
ويتمطى الألم، ويغيب النعاس وتفتح الملامة وأنين العتاب في حروف “جدّي ضمير لا ينام”، وعلى رأي جدتي النبيّة، ازرع الحب، فالقطاف من ذات بذره، ولكن واقع المواطن، ومستلزماته اليومية الخانقة هي بيت القصيد.
وتنبري “النوفمبريات” خافقات أعلامها تقسم بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيّات الطاهرات بأن تقهر العدوان مها كان. في لوحات فنية كتبت بنار الخفوق تروي مسيرة جنود الله من نساء ورجال عشقوا الحرية، وبدمائهم الزكية الذكية طهّروها من دنس الطّغيان، بنضالاتهم قد تتمكن الأجيال الولوج إلى تواريخ ثورات خالدة، وأصوات ملائكية لا تخاف، في دفع كيد الأعادي لها جولات وبطولات لا تنسى.
أنصتوا هنا وهناك، انصتوا بـ “نوفمبريات”، أصوات شهيدة، شهيرة وجميلة، بها الرجاء والهناء تغني للحب، للحق، للأمن، للسلام.
وتتلوها “جراحات وأوجاع” تشدّ الصفّ لترصد مآسي شعوب تأخّر مكوثها في قفص المعاناة تتلظّى في ظل عصابات تلقي القبض على شمس العرب خاصة، تبغض النور وتطلق سراح عتمة الديجور. شعوب قد تشفى جراحها، يتحرر رسول الورد وتجنّح عاليّا جورية الشام، وقد تتعفّن كلوم هذه الشعوب فتخيب إلى وقت لاحق ممكن، لكنه غير معلوم.
وتخاطر “أنثى الرماد” اتّجاه القلوب، تخاطر، في دهشة مآقي مرآة واقع غير أليف. تخاطر وبقلبها شيء من مقولة لطالما كررتها نساء حرائر كسّرت أجنحتهن عواصف الرياح “تموت السلاحف وهي تحلم بأن تطير”.
ولكم هو جميل أن ينفض عن نهدي أنثانا خبث الرماد، وأن تحظى المرأة بشيء من شذا الحب، بقليل من العناية والاهتمام. وبرغم كل قحط السنون تخاطر حواء من أجل حصتها في الحياة..
تحاول ونحاول جميعنا، ولكن نصطدم بوعر الدروب، بـ “دروب متقطعة متقاطعة” تتمنى نجاحا لافتا، ولكن هيهات، تستيقظ وتنام بين أذرع “خلجات ونبض مشاعر”، أين تتسطح تحت رحمة المجهول، تلوكها الأقدار، ومراوغات تجار الحروف، وأقدام الانتظار.
وتستوقفك “فسيفساء رمضانية”، تستوقفك اللمّة وليالي الأنس، لا محالة، تستوقفك استراحة قوة الإيمان لقلوب غمرها الرضا، وفرحة الغفران ولوّنها عبق التراث وعادات مختومة ببصمات رجال من عسجد ونساء من طيب المسك، بطعم الخزامة وألوان المريمية وزهر الياسمين، ولكن للأسف، الأنفس الهزيلة تسفعها موجة بطون شرهة، وطلبات تغتسل بمياه الغلاء العكرة. ومهما كان ينتصر أقوياء النفوس، على رأي الشاعر أبو شابور “عندما تكونوا ضعفاء ستعانون كثيرا”.
ويترجل جدّي عن فعل الحضور فتسبقه الذكريات “بين معاطف الذكرى ونوادي النفاق…”عاد على شفير الذكرى ممتلئا بالعبر يمتطي جماليات الرواية، وخير الأثر يسبح في ماء عيون أحفاده الأطفال يتحدى جرائم في حق الشرف، بدمعات سقيمة وبسمات ساحرة يغازل البقاء ويلغي كوابيس الشعوذة وعتمة الخرافات. لله در الطامحين، بسواعد من غابوا شامخين تلوّح الآمال، من معاطف الذكاء تتهافت الحياة، ويعود الجواد وعلى متنه برنس الأجداد ناصع البياض كما كان وما يزال..
وللحديث بقية ستوافونها في إصدارات لاحقة، مخطوطات محققة تنتظر دورها لترى بنور أعين قرائها النور.)).
بقلم: مهرة بن زرارة

مهرية بن زرارة
ملحوظة بعد الانتهاء من قراءتها سأهديها لإحدى الجامعات الكبرى في الأردن.
مع تحيات محمد النبالي

عن admin 1

شاهد أيضاً

دالية زرعيني

وليس يأكل إلا الميتَ الضبعُ /دالية زرعيني

وليس يأكلُ إلا الميتَ الضَّبعُ   كنا صغارا نستمع الى حكايا كثيرة عن “الضباع” “والمضبوعين”، …

اترك ردًّا

%d مدونون معجبون بهذه: