الأربعاء , سبتمبر 22 2021
ياسين محمد البكالي

الصرخةُ التي انكسرتْ في حلق الوطن / ياسين محمد البكالي-اليمن

ياسين محمد البكالي
(( أكرهُ الكسورَ يا ربي مُنذُ كسرَ أستاذٌ مصريٌ عصاهُ على السبورةِ بعدَ أن أعيتْهُ الحيلةُ في تعليمي كيفيةَ ضرب أو جمْع الكسورِ العشرية)).
علامةُ الإستفهامِ التي انسحبتْ من السؤال لتعيشَ حياتَها مشنوقةً بعدَ أي جواب.
الغبيُّ الذي تتكوّمُ حولهُ أنظارُ الوجعِ فيلوذُ بأمنيةٍ يابسةٍ مُعلقةٍ على صدرِ مهرجانٍ آيلٍ للفشل.
مررتُ باسمِهِ صُدفةً فرميتُ بذاكرتي وهربتُ.
إنّهُ ينحدرُ مِن أُسرةٍ أُرستقراطيةٍ؛ بيدَ أن الإنزياحاتِ السيوسلوجيةَ التي مرَّ بها كأيِّ يمنيٍ شاردٍ قد ألقتْ بهِ في أتونِ البروليتاريا بنقائضِها الجمَّة؛ فبدا مِن المعقولِ أن لا يُحبَّ المالَ حُبّاً جَمَّا.
كانَ منطقياً أن يَغدو بائعاً متجولاً يَرمي ببضاعتهِ ويفرُّ بكَتِفيهِ كلّما داهمتهُ سيارةُ البلديةِ أو حتى سيارةُ إسعاف.
يُناهزُ الأربعينَ فجيعةً وما زالَ يتسلّقُ حافياً نافذةً يتيمةً يُحاولُ استدراجَها إلى بيتٍ بلا نوافذ .
حساسيّتُهُ المُفرطةُ لم تُهيّئْ لهُ موعداً سريالياً مع ذاتِهِ التي اختبأتْ خلفَ مفردةِ شاعر والتي لا يدري كيف أُصِيبَ بها.
إنّهُ شخصٌ قابلٌ للتهميشِ مُقابلَ أن تَترُكَهُ الحياةُ وشأنَه.
لم أعُدْ مُثقلاً بهِ كما جرى ذلكَ لسنواتٍ خلتْ؛ ولكنّني أسألُ اللهَ عنهُ كلّما استيقظتُ ولم أعثرْ على نظارتِهِ التي يتوكّأُ عليها.
ذاتَ قصيدةٍ رأيتُهُ يَترنّحُ فأمسكتُ بساقِ المعنى ولكنّهُ كالعادةِ تحوّلَ إلى شهقةٍ جافةٍ يَتداولُها أصدقاؤهُ الطيّبون .
أصدقاؤهُ الذين لا يَعرفُهم ولكنّهم يعرفونَ حتى توقيتَ ساعةِ يدِهِ الآن.
– مَن هُم ؟ لا أشكُّ بأنّ قارئاً لهذه المندوحةِ سيستثني نفسَهُ منهم.
وبالعودةِ إلى ذِكْر الساعةِ أتذكّرُ ساعةَ الحائطِ التي كانَ طفلاً يَنصتُ لصوتِ عقربها وهو يرفلُ بين يديَّ الليلِ حتى مطلع الفجرِ الذي يأتي فيَتلاشى معهُ الفارسُ الذي شكّلَتْهُ دقاتُها في مخيلتِهِ المُحاطةِ بنوستالجيا أدمنَ فضَّ زوابعَها.
هذا المُغامرُ المُتسكّعُ في أحداقِ النسوةِ مكَثَ يَترقّبُ عودةَ سيدةٍ دعتْهُ إلى منزلِها لِتُعلّمَهُ قواعدَ اللغةِ الإنجليزية فأبى وبعدَ ثلاثةِ أيامٍ يُفاجئُهُ خبرُِ وفاتِها فيَكُبُّ على القاموس المحيط ليَستخرجَ كلمةَ death.
حينَما أفتحُ عيني عليهِ أرى الليلَ والنهارَ رجُلا يمشي نائما ؛
ليسَ بإمكانِ تفسيرٍ آخرٍ أن يُحرّضَ عليه حشودَ الصمتِ في لحظةٍ صعبةٍ كهذهِ.
فما أشبهَهُ بكيسٍ بلاستيكيٍ ألقتْ به الريحُ على صدر تينةٍ شوكيةٍ لم يستطعْ فِكَاكاً عنها.
لا يَدري لماذا تُهرولُ في رأسِهِ فكرةُ أنّ اليقينَ محضُ كِذبةٍ كلّما شاهدَ عمارةً مكتوبٌ عليها ( هذا من فضل ربي)
فضلُ ربي يَكمُنُ عندَه في ابتِسامةٍ تُلقى على شفتيهِ كلَّما أطَارَ الحمدَللهِ في سماواتِ الغيبِ.
اللهُ يُحبُّهُ كثيراً رُغمَ ذنوبهِ الكثيرة ؛
كيف نسيتُ أن أقولَ اللهُ تعالى؟؟
سأختصِرُ المسافةَ وأقولُ:
خُذنِي يا الله
دعونِي معَ إلهي الآن .
___
يوم عرفه 9/ذو الحجة /١٤٤٢هـ

عن وداد أبو شنب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *